هل تدفع أزمة الليرة السوريين إلى المقايضة بدلا من الشراء؟

هل تدفع أزمة الليرة السوريين إلى المقايضة بدلا من الشراء؟
أخبار | 09 يوليو 2020 | مالك الحافظ

في ظل مراوحة سوء الأوضاع الاقتصادية في الداخل السوري، وترنح سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، تتخوف تقديرات من أن استمرار التدهور الاقتصادي مع غياب أي سياسات مالية ونقدية لدى النظام، و تذرعه بتأثير عقوبات "قيصر"، تتخوف من ازدياد ضعف القوة الشرائية للمواطنين خلال الفترة المقبلة، ما يفتح التساؤل حول ما إذا سيكون نظام عملية "المقايضة" قابلا للتنفيذ في سوريا ما قد يجعله أداة مناسبة لمواجهة الوضع الاقتصادي المتدهور.


وتعمل المقايضة على تبادل البضائع أو الخدمات مباشرة بسلع أو خدمات أخرى دون استخدام المال، وهي عادة ما تكون ثنائية ولكن قد تكون أيضاً متعددة الأطراف، حيث تحل مكان المال كوسيلة للتبادل في أوقات الأزمات النقدية، عندما تكون العملة إما غير مستقرة أو حتى غير متوفرة لإجراء التجارة. وقد تم تطبيق المقايضة بكثرة؛ منتصف القرن الماضي وما قبل في الأرياف السورية.

الخبير الاقتصادي، يونس الكريم، وتعليقاً حول تجربة المقايضة، اعتبر خلال حديثه لـ "روزنة" أن تطبيقها (بكل أشكالها) حالياً في سوريا أمر غير ممكن رغم سوء الأوضاع الاقتصادية لدى المواطنين، عازياً ذلك لعدة عوامل، أولها أن العوامل الأساسية التي تدعم العملية غير موجودة، كذلك فإن "الرغبة لن تكون موجودة وذلك لتنوع احتياجات الناس فكل منطقة لها خصوصية مستلزماتها… نظام المقايضة سواء عبر شكلها البسيط من خلال مقايضة السلع بشكل مباشر، أو عن طريق إيجاد شيكات أو وسائل متفق عليها بين الأطراف غير ممكن حالياً بشكل واسع". 

وأضاف "إن عملية المقايضة التي كانت في مراحل زمنية سابقة، كانت تتم بشكلها البسيط نتيجة ارتفاع تكاليف النقل وعدم جدوى البيع، فكان تبرز المقايضة من خلال مبادلة المواد الغذائية الأساسية داخل القرى، وكذلك السيارات الجوالة التي تقدم المواد الغذائية السلعية مقابل الحصول على سلع تموينية أخرى". 
 
قد يهمك: المصرف المركزي السوري يلتف على "قيصر" برفع أسعار المواد الغذائية

فيما أشار في الوقت ذاته إلى أن تطبيق المقايضة خلال السنوات القليلة الماضية قد تم "بشكل محدود وضمن الأرياف و ذلك نتيجة نتيجة صعوبة الوصول إلى المدن، فضلا عن التخوف من الحواجز الأمنية التي قد يتعرض الفلاحون لها سواء من خلال المضايقات أو فرض الإتاوات أو حتى تعرضهم للاعتقال". 

و أردف "كان يقوم بعض الباعة الجوالين أو الشركات التي تقوم بتعبئة المنتجات الغذائية للذهاب إلى الفلاحين والحصول على تلك المنتجات؛ من خلال مقايضتها بسلع أخرى، والاستفادة من هذا الوضع الغريب، هذا حصل بشكل جزئي في السويداء و الجنوب السوري نتيجة إغلاق المنطقة في فترة سابقة، لكن تبقى هذه العملية محدودة وغير موائمة لكافة مناحي الحياة، إضافة إلى عدم وجود بحث حقيقي يضع الأسس التي ستتم عليه المقايضة، وكذلك عدم محاولة السوريين تكييف عملية المقايضة مع التطورات الاقتصادية الجديد".  

الخيارات

الكريم نوه إلى أن نظام المقايضة نظام معقد ويحتاج إلى قبول جميع الأطراف التي تقوم بعملية المقايضة من جهة، و كذلك توفر السلع المرغوب بها من الطرفين أيضا، وهذا قد يشمل بعض المنتجات الغذائية والتي تكون سريعة العطب؛ وهذا يجعل عملية المقايضة رهينة لاستغلال أحد الأطراف للحصول على السلع التي يحتاجها. 

غير أن الخبير الاقتصادي أوضح بأن الشركات الكبيرة سواء في مناطق المعارضة أو النظام تستطيع إيجاد اتفاق على تحديد ساعة العمل المحسوبة بالدولار أو الليرة السورية بشيكات ورقية، تتيح لحاملها شراء سلع وخدمات من قبل أطراف أخرى متفقة مع إدارات المؤسسات. 

و أكمل بالقول "هذا الأمر يخفف الضغط عن الليرة أو الدولار ويمنع الاكتناز ويستبدلها بـ "قسائم شراء" لكن هذا يحتاج إلى زمن ويتطلب وجود رغبة لدى التجار، وذلك يتطلب أيضاً وجود أمان اقتصادي الذي يغيب في ظل تناحرات متعددة سواء بين الروس و الإيرانيين، أو خلاف أسماء الأسد مع رامي مخلوف، والحرب الاقتصادية بين الحكومة و رجال أعمال محسوبين على تيارات غير متوافقة معها".  

وفي استعراض لخارطة الجغرافيا الاقتصادية السورية، وكيفية تعامل كل منطقة مع الأزمة الراهنة، قال الكريم بأن "في منطقة إدلب نرى هناك توجه للتتريك على الصعيد الاقتصادي، في مقابل اتجاه الإدارة الذاتية (شمال شرق سوريا) للتعويم يعني التحول للدولار والتعامل به بشكل دائم، وهذا الذي سيجعل هذه المنطقة الأكثر استقرارا على الصعيد الاقتصادي، فهذا يعطيها مستقبلا ميزة الاستقرار". 


قد يهمك: دمشق: ما علاقة المنظمات الدولية بانخفاض الليرة السورية من جديد؟


أما في مناطق سيطرة النظام فأشار الكريم إلى أن النظام اعتمد على "التقريش"، حيث يقوم بدفع ثمن السلع المقومة من خلال الدولار بالليرة السورية، "هذا إضافة إلى القوانين التي أصدرها المصرف المركزي بدفع من أسماء الأسد يجعل التجار و المواطنين يشعرون و كأنها عملية سرقة لمدخراتهم، وبالتالي لا يرغبون بشراء أي سلع خوفا من تغير سعر الصرف، وتغير الوضع الاقتصادي، فالتقريش إذا تم تطبيقه ضمن بيئة غير مستقرة فإن الناس تُحجم عن الشراء، و بالتالي يزداد ضعف الليرة وكذلك تضعف القوة الشرائية، وبالتالي يقود إلى مزيد من التدهور". 

في عملية المقايضة لا يوجد معيار محدد يُعطي الأشياء قيمتها الحقيقية، حيث يتمّ التساوم بين الأطراف على قيمة ما يتمّ مقايضته، وعليه قد يتمّ التبخيس من قبل أحد طرفي المقايضة بقيمة سلعة الطرف الآخر، كذلك فإن تكرار عملية التقايض بين طرفين يؤدي إلى تكرار الحصول على بعض أنواع السلع التي قد لا ترغب أطراف التقايض في الحصول عليها، مما يؤدي إلى منفعة نسبية أقل كلما تكررت ذات عملية التقايض بين الطرفين.

هذا وقد أغلق سوق صرف أسعار العملات اليوم الخميس على 2375 ليرة سورية مقابل الدولار الأميركي الواحد. ويساهم ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأساسية للمواطن السوري إلى تزايد ضعف القوة الشرائية لديهم ما يدفع إلى إحجام الناس عن شراء السلع إلا بالحدود الدنيا ما ينذر بمخاطر اقتصادية خلال الأيام المقبلة.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق