جدلية الريف والمدينة في سوريا… التفاوت الثقافي الطبيعي

جدلية الريف والمدينة في سوريا… التفاوت الثقافي الطبيعي
أخبار | 09 يوليو 2020 | مالك الحافظ

واجهت سوريا بعد استقلالها عن فرنسا عام 1946 و نشوء دولة ذات مؤسسات ديمقراطية محدودة، عقبات عدة في طريق بناء الدولة، وذلك في وقت كانت فيه التوترات والصراعات الاجتماعية على أشدها و قد يكون ذلك عائداً إلى شعور امتلك السوريين وتمثل بانعدام الأمن بينهم، نتيجة عدم المساواة الاقتصادية، والتدخل العسكري في الحياة السياسية.


 ونتيجة لذلك انتشرت تيارات مختلفة بين السوريين، سياسية واجتماعية حتى أصبح تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أمرا طبيعيا، وذلك وفق دراسة نشرها مركز "حرمون للدراسات المعاصرة" مطلع العام الجاري.

أخذت العلاقة بين الريف والمدينة في الدول النامية (العالم الثالث)، وبينها سوريا، اهتماما أكبر في منتصف القرن الماضي، في ظل توتر هذه العلاقة من ناحية وهجرة الريف إلى المدينة من ناحية ثانية، حيث تعود أسبابه إلى جملة من العوامل لعل أهمها دور كل منهما وحصته من عملية الإنتاج.

في مرحلة نشاط الأحزاب السياسية في سوريا ما بعد الاستقلال، وبالتحديد في مرحلة الوحدة مع مصر حينما اشترط جمال عبد الناصر حل الأحزاب في سوريا، عانى حزب البعث (الذي سيسيطر على السلطة في سوريا لاحقاً) من التمزق والتشتت في تلك الفترة، حيث خسر عددا كبيرا من قياداته وأعضائه في المدن، وهو الذي كان يعاني أصلا من ضعف وجوده في المدن، وغلبة أبناء الريف فيه، الذين وجدوا فيه تعبيرا عن أوضاعهم وطموحاتهم.

واجه نظام البعث، منذ سيطرته على السلطة عام 1963، معارضة قوية، إثر تجريد النخب الحاكمة من سلطتها السياسية وسلطتها الاقتصادية، تمثل بإزالة النخبة الاقتصادية المالكة عبر إجراءات مصادرة ملكيات الأرض الكبيرة، وتوزيع جزء منها على الفلاحين، وتأميم الشركات الصناعية والتجارية، فوجد الحزب أن تأسيس قاعدة شعبية له في الأرياف السورية هو المتنفس له والضامن لاستمراريته وهو الذي كان يفتقد للشعبية بعد الانفصال بين سوريا ومصر. ولأن النخب السياسية والاقتصادية المزاحة عن السلطة كانت مدينية، فقد كانت المدينة حاضنة معارضة النظام في الستينيات وحتى الثمانينيات.


قد يهمك: شهود الذاكرة السورية يكشفون أسرار حزب البعث


لن نخوض كثيراً في المراجعة التاريخية المعاصرة لجدلية الريف والمدينة في سوريا، لأن هذه الثنائية تحتاج لقراءة علمية منهجية عميقة، ولن تتيح هذه العجالة تقديم استعراض تاريخي يسبر جذور هذه الجدلية، غير أن حزب البعث كان فاعلاً بشكل أو بآخر بزيادة تغول هذه الجدلية في المجتمع السوري، بحيث لعبت السياسة دورها في التأثير على العلاقات التفاعلية في هذا المجتمع خلال التاريخ السوري المعاصر. 

لقد برزت جدلية الريف والمدينة مؤخراً عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، بدأه منشور لصحفية سورية (ميساء أقبيق) عبر صفحتها الشخصية و اعتذرت عنه بعدما  تعرضت لحملة "تنمر" وفق وصفها. 

ليبرز لاحقاً موقف للمعارض السياسي سمير نشار في نفس السياق، معتبراً خلاله أن الثورة السورية التي انطلقت في آذار 2011 "فشلت عندما تريفت وتأسلمت من قبل قادة الفصائل الريفية"، مشيراً إلى أن "‏أدوات الاحتجاج بالمدينة ضد السلطة هي المظاهرة، الإضراب، الاعتصام، العصيان المدني، (و) أدوات الاحتجاج بالريف هي حمل السلاح فقط".

وأضاف "كل الانقلابات العسكرية (ثورات) بدءا من انقلاب مصر عام 1952 و انقلاب 14 تموز عام 1958 بالعراق، و انقلاب 8 آذار 1963 بسورية، وانقلاب ليبيا والسودان لاحقا هي بمضمونها الاجتماعي انقلاب الريف ضد المدن، وكلها أسست لحكم الاستبداد المديد وحكمت بذهنية ريفية أقصت النخب المدينية عن المجتمع والدولة".

هذا الرأي أشعل موجة من السخط بين السوريين على موقع "فيسبوك" على اعتبار أن المناطقية التي ينطق بها منشور نشار تؤسس لشرخ بين السوريين وتدق المسمار الأخير في نعش الثورة السورية. 

ماذا يعني تريّف الثورة؟

يبقى الحديث عن التفاوت الثقافي وموضوعات أخرى بين الريف والمدينة حالة صحية وطبيعية بل وضرورية، وفق رأي الأكاديمي السوري أستاذ علم الاجتماع د.طلال مصطفى، أما الحديث عنها  كعامل في (فشل، تريّف، عسكرة، أسلمة) الثورة السورية أو غير ذلك، فإنه يدخل في مجال تفكيك والمزيد من تصديع المجتمع السوري، بخاصة في الوقت الحالي والردود المضادة لا يفيد المسألة ولا أصحابها من الثوار والمعارضة، سواء أبناء الريف أو أبناء المدينة، ولا يخدم قضيتهم السياسية، إنما تخدم النظام السوري. 

وتابع خلال حديثه لـ "روزنة" أن ذلك لا يعني الابتعاد عن البحث فيها بشكل موضوعي وعلمي عن أسباب انحراف الثورة عن مسارها الثوري السليم، بل إن البحث في هذه المواضيع ضرورية، لكن دون الاستسهال بمنشور شخصي على "فيسبوك".


قد يهمك: هل يسعى السوريون للاندماج في المجتمعات الجديدة؟


وأضاف "أعتقد من حيث المبدأ لا يمكن الحديث عن تريف الثورة السورية كعامل سلبي له دور في إفشالها، الحالة الطبيعية مشاركة الريف السوري بالثورة مثله مثل المدينة إذا لم نقل أن له دور فعال أكثر بحكم الثقل الريفي في المدن السورية وخاصة  ما بعد الثمانينات بحكم توفر الجامعات وفرص العمل الخ، والهجرة العالية من الريف إلى المدن السورية وبخاصة دمشق وحلب".

واعتبر في سياق متصل بأن الحديث حتى عن عسكرة الثورة لا يتيح وضع كل من حمل السلاح في مواجهة النظام في خانة واحدة، "لا بد من التمييز بين من حمل السلاح لحماية السوريين ومن حمل لسلاح لأجندات خارجية، وكذلك الأمر بالنسبة لأسلمة الثورة لا نستطيع إدانة كل من شارك بالثورة باسم الإسلام، بخاصة أن أغلبية السوريين مسلمين وإنما من الضرورة التمييز بين الإسلام وبين التنظيمات الراديكالية التي مارست الإرهاب والقتل باسم الإسلام".

وأردف "أعتقد البحث والحوار بهذه الموضوعات ضرورة للثورة وللسوريين، من خلال الندوات السياسية والأبحاث والمقالات الرصينة استنادا الى البوصلة الوطنية السورية بعيدا عن الاتهامات والتخوين المتبادل الذي لا يخدم سوى النظام السوري وحلفائه".

الاختلاف طبيعي وليس سلبي 

من جانبها رأت الأكاديمية والسياسية السورية د.سميرة مبيض، خلال حديثها لـ "روزنة" أن الاختلاف بين الريف والمدينة موجود وهو، بالأحوال الطبيعية ليس اختلافاً تفاضلياً، أي لا سمة إيجابية أو سلبية لأحد نمطي الحياة. معتبرة أن هناك تبادل وظيفي مستمر بين وسطي الحياة المدني والريفي، و كذلك أن هناك عبور مستمر للأفراد من نمط إلى آخر وفق عوامل عديدة.

وزادت بالقول "خلال فترة حكم البعث عمل نظام الأسد على انتشار الحزب في المناطق الريفية عبر شعارات كاذبة أهمها الاشتراكية التي لم يطبقها، بل على العكس كانت الأرياف تتقهقر وتتراجع وتُحرم من التنمية والبنى التحتية، (وكذلك) دور وامكانيات الفلاحين والمزارعين كانت بتدهور مستمر". 


قد يهمك: المجتمع المدني السوري.. ولادة من رحم السياسة!


وأكملت أنه و "في الحين ذاته تم اعتماد المدن بكونها مراكز اقتصادية وبمشاركة كبار التجار والصناعيين بشكل أو بآخر في السلطة، في حين أن الواقع يشير إلى أن النظام هيمن على الاقتصاد والمصانع والتجارة، وكانت المدن السورية بحالة تدهور مستمر أيضاً وكانت العلاقة بين النظام وهذه الفئات أشبه بفرض الأتاوات لقاء استمرارية المصالح، وتلك آلية النظم المافيوية".

وأشارت إلى أن حال الريف السوري وبالأخص المناطق المحيطة بالمدن كان متراجعاً إلى درجة كبيرة، و ساهم بذلك الهجرات الداخلية من الأطراف لمحيط المدن والتي كان سببها الرئيسي المركزية وعدم تنمية الأطراف.

وأضافت بأن "تلك الأسباب جميعها أدت، من وجهة نظري، إلى بروز عاملين، الأول يرتبط بحالة التقسيم التي رسخها النظام، والمتعلق بارتباط المدن بالسلطة والذي بقي راسخاً في المجتمع وفي طريقة التفكير، هذا العامل مرتبط بدوره بمنهج التفكير والإدارة المركزي واعتبار المناطق (الأرياف) ملحقة بالمركز (المدن) وترتبط به بتطورها وتنميتها… دون أن ننسى بأن الفضاء الأيديولوجي الذي صنعه النظام حول الأرياف من خلال الإعلام والمسلسلات صوّر عبره الريف بالجهل والسذاجة، وهي الصورة التي كان يرسخ خلقها وبقائها ووضع حواجز معنوية كبيرة بين المنطقتين لصالحه".
 
ونوهت بأن هذين العاملين انعكسا في الثورة من خلال التفاعلات السياسية في المعارضة فهناك ديناميكية كامنة وراء هذا الاختلاف، يضاف لها ثقافة ترسخت في العقود الماضية بتحويل أي اختلاف لعداوة وكراهية متبادلة، فهي ثقافة أسس لها النظام لأنها تصب بمصلحة بقائه بأي اتجاه تتخذه، بحسب وصفها. 

وختمت بالقول مشيرة إلى أن "التفاعل تجاه أي ظاهرة سورية يعتبر جزءا من حراك التغيير السوري، ولا ينفصل عنه".


قد يهمك: كيف يتحول نصف المجتمع السوري إلى خونة؟


كذلك رأى د. طلال مصطفى، أن التفاوت الثقافي بين الريف والمدينة حالة طبيعة في مجتمعات العالم كافة، ومنها المجتمع السوري، مرجعاً التفاوت ضمن الجماعة الريفية أو المدينية الواحدة تبعا لمتغيرات (المهنة، العمر، التعليم،...الخ).

المجتمع السوري كغيره من مجتمعات العالم يتضمن جماعات متنوعة، ولكل جماعة من هذه الجماعات قيمها ومعاييرها الخاصة التي يلتزم كل عضو فيها، وهذه المعايير تشكل فيما بينها ما يطلق عليه الثقافة الفرعية (المدينة، الريف)، وفق اعتقاد مصطفى. 

وزاد مسهباً "في الواقع من خلال تخصصي العلمي (السوسيولوجيا) من خلال أطروحة الدكتوراه الخاصة بي المعنونة: " التفاوت الثقافي بين الأجيال في المجتمع المديني السوري -مدينة دمشق- " تبين وجود تباين ثقافي قيمي ضمن الثقافي المدينية الدمشقية تبعا لمتغير الجيل أي الأبناء الشباب والأباء الكبار وكذلك لمتغيرات أخرى، أي أن هذا التباين الثقافي حالة طبيعية وعلمية بين الريف والمدينة في سوريا". 

وأوضح بأنه وفي الوقت نفسه هناك تداخل واسع ما بين الريف والمدينة في سوريا، وبخاصة ما بين مدينة دمشق وريف دمشق، وبالأخص ما بعد 1990، حيث العديد من أسر أحياء مدينة دمشق باعت منازلها واشترت أكثر من منزل في ريف دمشق لتزويج أبنائها "بخاصة إلى دوما وجرمانا على سبيل المثال، وكذلك الأمر هل يمكن الحديث عن الأحياء العشوائية في مدينة دمشق كأحياء مدينيه مقارنة بالريف، مثال حي المزة 86، دف الشوك، الطبالة، القابون، الحجر الأسود ....الخ". 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق