بعد عام من تعيينه… "وعود" بيدرسن المتأرجحة 

بعد عام من تعيينه… "وعود" بيدرسن المتأرجحة 
سياسي | 12 مارس 2020
مالك الحافظ - روزنة||  مطلع العام الماضي، أعلنت الأمم المتحدة تعيين الدبلوماسي النرويجي؛ غير بيدرسن، مبعوثاً جديداً لها إلى سوريا، خلفاً لستيفان دي ميستورا الذي بقي في منصبه لأكثر من 4 سنوات. 

تسع سنوات مرّت، تناوب فيها على منصب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا؛ ثلاثة مبعوثين، فانتهت مهام كل من الغاني كوفي عنان و الجزائري الأخضر الإبراهيمي دون نتائج تذكر، وبقي السويدي دي مستورا لفترة أطول، إلا أنه غادر نهاية عام 2018، استطاع من خلاله وضع أسس و إن كانت "هشة" لدفع مسار العملية السياسية؛ الذي لم يستطع هو بدأه رغم جولات جنيف المتعددة. 

بعد عام من تعيين بيدرسن؛ يمكن القول وفق متابعين للشأن السوري، أن الدبلوماسي النرويجي يتقاطع مع خلفه السويدي في مشترك رئيسي وهو "السباحة في التفاصيل المُغِرقة"، فالأخير أغرق العملية السياسية في جولات جنيف "الصفرية"؛ مكتفياً بتقديمه لمنهج "السلال الأربعة"، بينما تماهى بيدرسن مع تحالف الشراكة الروسية-التركية ضمن إطار "مسار أستانا"، وبدأ بشكل فعلي مسار "اللجنة الدستورية"، بجولتين خائبتين (في تشرين الأول و الثاني الماضيين). 

لقد انغمس كل من دي ميستورا و بيدرسن في مستنقع التفاصيل الذي كشفت عنه دمشق منذ سنوات مضت؛ في سعيها لتمرير جولات العمل السياسي "المؤقتة" في وقت كانت تكسب فيه وحليفتها موسكو الكثير في الجغرافيا السورية؛ ما كان يعبر عنها دائما و بالأخص خلال الفترة القريبة الماضية؛ أن نهج الحل العسكري هو الغالب فقط لدى كل من بوتين و الأسد. 

رصيد بيدرسن 

لا يمكن الحكم على إثمار جهود بيدرسن خلال الفترة القصيرة التي قضاها في منصبه الأممي؛ وذلك بالمقارنة مع خلفه السويدي الذي اعتذر عن مهمته بعد عجز "أضجره" وهو الذي اكتفى بالسلال الأربعة التي كانت أُقرت في الجولة الرابعة من محادثات جنيف (شباط 2017)، وحضور مؤتمر سوتشي (كانون الثاني 2018) الذي كان النافذة التي أعلن من خلالها عن الدعوة لتشكيل لجنة دستورية؛ تأخر البدء الرسمي لأعمالها قرابة العامين. 

ما يُحسب للدبلوماسي النرويجي بحسب سياسيين مؤيدين لمسار اللجنة الدستورية، أن الأخير استطاع تقديم مسار أولي للملف السوري؛ يمكن اعتباره بوابة الحل السياسي المنتظر. بعيداً عن تقاريره الدورية المُقدّمة إلى الأمم المتحدة، فإن حضور بيدرسن كان شكلياً في جولات ثلاثة من مسار أستانا خلال العام المنصرم، وكانت الفائدة من ذلك الحضور؛ الإطلاع على ما تم التوصل إليه بين فرقاء أستانا في التوافق حول تشكيلة اللجنة الدستورية من القوائم الثلاث (النظام والمعارضة والمجتمع المدني)؛ دون سلطة التأثير؛ فتوازنات الميدان و صراع النفوذ بين تلك القوى المتدخلة في الشأن السوري كانت لها الكلمة الأولى والأخيرة.

غاب مسار جنيف "نهائياً" في عهد بيدرسن، في الوقت الذي اعتبر فيه البعض أن تفعيل "اللجنة الدستورية" هي عودة خجولة إلى جنيف، رغم أن بيدرسن كان أشار في أولى تصريحاته الصحفية عقب تسلمه المَهَمَة الأممية؛ حيث قال أن في سير عمله ستكون المقاربة شاملة تتضمن بحث "السلال الأربع": الحكم الانتقالي والدستور والانتخابات بإشراف الأمم المتحدة، والأمن ومكافحة الإرهاب. غير أنه اكتفى بالدستور ولم يستطع التفكير حتى بسلة الحكم الانتقالي.

وكانت استبعدت مصادر معارضة لـ "روزنة" إمكانية عقد اجتماعات اللجنة الدستورية خلال شهر آذار المقبل، بسبب ما وصفته بعرقلة شديدة من قبل النظام السوري، فضلا عن تخبط وانقسام داخل المعارضة السورية. 

واعتبرت المصادر أن اللجنة الدستورية الترجيحات القائلة بحالة "الموت السريري" منذ فشل عقد مباحثات الجولة الثانية منها في تشرين الثاني الماضي، باتت الآن مؤكدة بعد أن أصر النظام خلال زيارة بيدرسن الأخيرة إلى دمشق على وضع "ورقة الركائز الوطنية" في أجندة أي اجتماع مقبل والذي كان من المتوقع حدوثه خلال الشهر الجاري. 

وكان المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسن، أجرى زيارة إلى العاصمة السورية دمشق، في 29 كانون الثاني الماضي، التقى خلالها مسؤولين في حكومة النظام، لبحث إمكانية استئناف عمل اللجنة الدستورية.

وعقد بيدرسون اجتماعاً مع وزير خارجية النظام، وليد المعلم، ونائب وزير الخارجية، فيصل المقداد، حسبما ذكرت وكالة الأنباء "سانا"، مشيرة إلى أن الجانبين بحثا الجوانب المتعلقة بالعملية السياسية في سوريا، وأهمية بذل كل الجهود الممكنة لإنجاحها.

نقاط خلافية 

على وقع تحركات غير معلنة سربتها مصادر معارضة، أفادت بأن جهوداً تبذل في سبيل إدخال مجلس سوريا الديمقراطية "مسد" الذراع السياسي لقوات "قسد" الذي تضع أنقرة والمعارضة السورية المؤيدة لها "فيتو" على وجودها في جسم المعارضة السورية ومنها إلى اللجنة الدستورية. غير أن التطورات الميدانية في شرق الفرات وتحريك أردوغان لعملية "نبع السلام" (تشرين الأول 2019) ساهمت في دفع دول عربية مناوئة لنفوذ أنقرة في المنطقة إلى العمل على ما يخالف رغبات تركيا في الملف السياسي السوري، وهو ما قد يكون حاصلاً خلال فترة النشاط السياسي المقبلة والتي من المتوقع أن تبدأ الشهر المقبل.

رغم رفض قوى معارضة سورية دخول "مسد" إلى جسم المفاوضات السياسية، إلا أن بيدرسن كان صريحاً حينما ذكر مطلع العام الفائت؛ أن "قسد" لاعب مهم في شمال شرقي سوريا، ودورها السياسي موضوع يجب أن نواصل مناقشته، وهذا على ما يبدو أنه سيتفق مع تطلعات الحلف العربي المواجه لسياسات أنقرة في الملف السوري.

كذلك في هذا المقام يجدر التذكير بأن تصور المكتب المبعوث الأممي حول كيفية إنجاز عمل اللجنة الدستورية قد يكون مختلفاً عن رؤية المعارضة التي تقول بكتابة دستور جديد كلياً، وذلك في ظل استمرار مراوغة دمشق؛ ونظرة بيدرسن المختلفة في "إصلاح" دستوري تفهمه دمشق على أنه تعديل دستوري ربما يكون طفيفاً على دستور 2012، وكان بيدرسن قد أدلى برأيه حول ذلك حينما ذكر بأن تفويضه في مهمته بموجب القرار الدولي 2254 هو العمل على "إصلاح دستوري" وانتخابات تدار بإشراف الأمم المتحدة.

عموماً فإن الأمم المتحدة تبدو وأنها تقف عاجزة عن فرض تغيير منشود بوقت يمنع استمرار عذابات السوريين، وذلك بفعل حق الفيتو الممنوح للخمسة الكبار والقادر على تعطيل أي جهد أممي. 

ويبدو أن قدرة الأمم المتحدة "المحدودة" على لعب دور مهم في سوريا، تتعلق بهيكليتها وبنيتها ونمطية وظائفها أمام "منطق الكبار"، فضلاً عن أسباب ترتبط بالظروف المتعلقة بالجغرافية السورية.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق