واقع ذوي الإعاقة في شرق سوريا.. حقوق مفقودة ورعاية متواضعة

واقع ذوي الإعاقة في شرق سوريا.. حقوق مفقودة ورعاية متواضعة

تقارير | 11 12 2023

مهند اليماني - زين علي

يعيش الأشخاص ذوو الإعاقة في مناطق شمال وشرق سوريا صعوبات جمّة تتمثل في ضعف خدمات الرعاية الصحية، وافتقداهم لأبسط حقوقهم التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية.


أبو حازم (35 سنة)، من الرقة، من ذوي الإعاقة، يقول في حديثه مع روزنة إن أبرز الصعوبات تتمثل في عدم توفر أو غلاء أسعار المستلزمات الطبية الخاصة بهم، ومن بينها الخاصة بذوي الإعاقة الحركية.

وأوضح: "الشخص من ذوي الإعاقة يحتاج لخدمات رعاية صحية مستدامة، خاصةً عندما نتحدث عن الكراسي المتحركة، أسعارها مرتفعة، قطع غيارها غير موجودة، أدوات أجهزة شلل الأطفال غير موجودة، إلى الآن لم يعمل أحد على دعم ذوي الإعاقة من شلل الأطفال".

ورأى أن عدم توفر هذه الأجهزة يصعّب عليهم الحياة أكثر وأكثر، وقد يتسبب ذلك بفقدان فرصة عمل.

وتابع أبو حازم: "لن تستطيع الذهاب إلى العمل إذا لم تكن جميع أجهزتك موجودة، أحياناً نبقى في المنزل ولا نخرج بسبب عطل في الكرسي، بالإضافة إلى أن الأطراف الصناعية للأشخاص مبتوري الأطراف أسعارها مرتفعة جداً ولا أحد يقدر على تأمينها".

الحق في العمل

نصت المادة 27 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الأمميةـ على إتاحة الفرصة لهم لكسب الرزق في بيئة عمل منفتحة أمامهم وتسهّل انخراطهم فيها، كما أكدت على حظر التمييز على أساس الإعاقة في العمل، وحماية حقوقهم في ظروف عمل عادلة وملائمة.

إلا أن أحمد المحمود "39 سنة" والذي فقد قدميه بانفجار لغم أرضي من مخلفات تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في الرقة عام 2018، لم يستطع إيجاد فرصة عمل مناسبة له.

وقال لنا: "لا يتم تطبيق القرار الحكومي (حكومة دمشق) الذي يلزم الجهات العامة بـ أن تكون نسبة 4% من الموظفين من ذوي الإعاقة، لا يتم تطبيق هكذا قرار في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، رغم أني سمعت أنه موجود، ولكنه مجرد حبر على ورق".

يشير المحمود إلى أنه تقدم بطلب وظيفي لدى العديد من المؤسسات العامة والخاصة في الرقة، ولكن تم رفض توظيفه أو تجاهله.

وشرح: "بعضهم قالوا لي أن السبب في عدم توظيفي هو كوني من ذوي الإعاقة، ولا أستطيع إنجاز المهام المطلوبة مني، رغم وجود وظائف شاغرة (مكتبية) أستطيع القيام بها ورغم هذا لم يتم قبولي".

وتشير دراسة أممية منشورة في 2021، لبرنامج تقييم الاحتياجات الإنسانية (HNAP) في سوريا، تظهر الإحصاءات أن 25 بالمئة من الذكور ذوي الإعاقة فوق 17 سنة في شمالي شرقي سوريا، هم من ذوي الإعاقة الحركية، و24 بالمئة من الإناث لذات الصعوبة، فيما تشكل إعاقة التواصل نسبة 9 بالمئة من الأشخاص ذوي الإعاقة بين 2 إلى 5 سنوات. 



إمكانية الوصول

يحتاج ذوو الإعاقة لمرافق عامة ضمن المؤسسات والشوارع تراعي وضعهم، ليتمكنوا من التنقل بحرية دون عقبات، ولكن هذه المرافق غير متوفرة في مناطق شمال شرق سوريا، ما يؤدي لتفاقم مصاعب ذوي الإعاقة.

المادة 9 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تؤكد على الحق في إمكانية الوصول، في المباني والطرق ووسائل النقل والمرافق الأخرى داخل البيوت وخارجها، بما في ذلك المدارس والمساكن والمرافق الطبية وأماكن العمل.

بالعودة إلى أحمد المحمود الذي تمكن من الحصول على فرصة عمل في إحدى المديريات العامة بالرقة، ولكنها رفضها، موضحا السبب: "لم تكن هناك مرافق تسهّل دخولي وخروجي وعملي في هذه المؤسسة، أنا شخص مبتور القدمين".

وأكد: "لا أستطيع الصعود للطابق الرابع على السلم، وحتى فيما يتعلق بالمرافق الصحية الخاصة بنا فهي غير متوفرة، المؤسسات لا تأخذ بعين الاعتبار إمكانية الوصول بالنسبة لذوي الإعاقة".

حافلات النقل العام داخل المدينة لا تراعي وضع ذوي الإعاقة، الذين لا يستطيعون الوصول إليها. يقول "المحمود" إن هذا الأمر يصعّب تنقله بسبب اعتماده على سيارات الأجرة، المكلفة مادياً مقارنةً بوضعه الاقتصادي.

وأوضح: "أجرة السيارة في المشوار الواحد بين 10 و15 ألف ليرة سورية، بينما في الحافلة تدفع 1000 ليرة فقط، وأنا لا أستطيع التنقل وحدي، أحتاج وسيلة نقل، وهذا الأمر يجعلني لا أخرج كثيراً من المنزل".

واختتم قبل نحو شهرين "المؤتمر الأول لذوي الاحتياجات الخاصة في شمال شرق سوريا" الذي عقد في مدينة منبج، بتوصيات ومخرجات أكدت على "العمل على صياغة نظام داخلي لمكاتب ذوي الاحتياجات الخاصة في الإدارات الذاتية والمدنية، وإقرار مسودة قانون لذوي الاحتياجات الخاصة".

كذلك أوصى المؤتمر بـ"توحيد بطاقات ذوي الاحتياجات الخاصة على مستوى شمال وشرق سوريا وتفعيلها، وإلزام كافة الإدارات الذاتية والمدنية في شمال وشرق سوريا بتطبيق نسبة العمل المحددة لذوي الاحتياجات الخاصة، ومتابعتها من قبل مكاتب ذوي الاحتياجات الخاصة".

الحق في التعلم

من أبرز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون فيه الكثير من المصاعب، بسبب عدم وجود المرافق المناسبة لهم والبيئة التي تسهّل تعليمهم في المدارس بمناطق سيطرة "الإدارة الذاتية"، ومختلف مناطق سوريا.

كلناز إبراهيم (32 سنة)، من القامشلي"، مصابة بشلل الأطفال منذ صغرها، حيث لم يقدم أي دعم لها في المدارس، وما زال الوضع على حاله.

وتستذكر في حديثها مع روزنة بحسرة: "كنت أجد صعوبة كبيرة في الدراسة، المدرسة مؤلفة من 3 طوابق، الصعود والنزول كان صعب جداً، أحياناً كنت أسقط، وكان الذهاب للمدرسة صعب خاصةً في أيام الشتاء، وأيضاً كان هناك تنمر من بعض الطلاب، ولم يكن هناك رادع لهم من إدارة المدرسة".

وكشفت دراسة برنامج تقييم الاحتياجات الإنسانية (HNAP) في سوريا (2021)، أن نحو 170 ألف طفل سوري من ذوي الإعاقة خارج المدارس، وصلت نسبة الأطفال في شمال شرق سوريا الذين لا يتلقون التعليم إلى 39 بالمئة.




بعض منظمات المجتمع المدني تعمل على تذليل الصعوبات بوجه الأشخاص ذوي الإعاقة، منها منظمة "عُكّاز" التي تأسست في الرقة عام 2021 من قبل مجموعة من الأشخاص ذوي الإعاقة، ونفذت عدة مشاريع ومبادرات لصالح ذوي الإعاقة.

تقول ديما المحمود مديرة المنظمة إنهم عملوا على إنشاء مرافق خاصة لذوي الإعاقة في مدرسة بمدينة الرقة، لتسهيل تعليمهم.

وحول ذلك، أوضحت: "عملنا على تأهيل مرافق صحية ومداخل ومخارج مدرسة أبي جعفر المنصور بحي الأندلس، لكي نتيح إمكانية الوصول للطلاب ذوي الإعاقة في المدرسة، كما تم منح كراسي متحركة للأطفال ذوي الإعاقة في المدرسة، ليتمكنوا من الذهاب والعودة لمدرستهم دون صعوبات".

مبادرات توعية وبناء قدرات

أطلقت "عُكّاز" مشروع "قدرات" الذي يهدف إلى تنمية إمكانات ذوي الإعاقة ودخولهم لسوق العمل، وعن المشروع تقول ديما مديرة المنظمة: "استهدف المشروع فئة الشباب من ذوي الإعاقة، في البداية كانت هناك جلسات حوارية لتحديد أولوياتهم، ومن ثم بدأنا بتدريبات بناء قدرات لهم".

ولفتت إلى أن المشروع تضمن  إدارة المشاريع والمتابعة والتقييم وتدريبات مالية ومحاسبة، وبنهاية المشروع تم توظيف 10 منهم في منظمات محلية لمدة شهرين.



وفي القامشلي عملت منظمة "نودم" على مشروع لتوعية الأهالي بحقوق ذوي الإعاقة، ووفقاً لداميان محمود المتطوعة في المنظمة فإن المشروع استهدف دمج فئة ذوي الإعاقة في المجتمع إلى جانب توعية الأهالي.

وتقول لروزنة: "نقدم بجلسات توعوية للأهالي، وخاصة مقدمي الرعاية لذوي الإعاقة، في عدة أحياء بالمدينة، كل أسبوع نقوم بجلستين معهم، بالتنسيق مع مجالس الأحياء".

بالإضافة لذلك تقوم "نودم" بنشاطات فنية وترفيهية لذوي الإعاقة، إذ نظم معرض فن تشكيلي لذوي الإعاقة الموهوبين بالرسم، حيث عرضت لوحات من إنجازهم، بالإضافة لفعاليات موسيقية، وتم تقديم حفلات غنائية أداها أشخاص من ذوي الأصوات الجميلة من ذوي الإعاقة، حسب داميان.

وذكرت منظمة "هيومان رايتس ووتش" في تقرير، العام الماضي، بعنوان "’كان من الصعب حقا أن أحمي نفسي: أثر النزاع المسلح في سوريا على الأطفال ذوي الإعاقة"، أنه "رغم مليارات الدولارات من المساعدات، تقاعست العمليات الإنسانية في سوريا عن تحديد ومعالجة حقوق واحتياجات الأطفال ذوي الإعاقات بمختلف أنواعها بما يكفي".

أريد قانوناً..

وجود قانون يضمن حقوق ذوي الإعاقة هو أهم ما يجب العمل عليه في الفترة الحالية كما يقول ياسر الخلف منسق حملة "أريد قانوناً" في منظمة "ماري للتنمية"، ولذلك تم إطلاق هذه الحملة بهدف إيجاد قانون خاص بذوي الإعاقة في مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية".

الحملة بدأت بجلسات حوارية مع أصحاب المصلحة والناشطين والمسؤولين، إضافة إلى تنسيق مع المنظمات الأخرى للحصول على الدعم والتأييد للحملة.



وعن ذلك، حدثنا ياسر: "حصلنا على تأييد 30 منظمة وعدد من الناشطين والحقوقيين، وناقشنا بنود الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بجلسات حضرتها شرائح متنوعة رسمية وغير رسمية، وعقدنا جلسات مع المجلس التشريعي في الرقة بهدف إصدار القانون الذي نطالب به".

ياسر هو أيضاً من الأشخاص ذوي الإعاقة منذ طفولته، يقول إن أعداد ذوي الإعاقة في مدينته الرقة ازدادت بشكل كبير في السنوات الماضية، نتيجة إصابات الحرب، وعوامل أخرى مثل تردي الواقع الصحي، ونقص الوعي بأمور متعلقة بزواج الأقارب وغيره من العوامل التي أدت لزيادة أعداد ذوي الإعاقة.

وتشير آخر إحصائية لعدد ذوي الإعاقة في "مقاطعة الجزيرة" (محافظة الحسكة)، حيث بلغ العدد فيها حوالي 3000 آلاف شخص وفقاً لمنظمة "نودم"، بينما يبلغ عددهم خمسة أضعاف في محافظة الرقة المجاورة، حيث وصلوا إلى 15،500 بحسب إحصائيات مكتب ذوي الاحتياجات الخاصة في "مجلس الرقة المدني".

وحسب الأمم المتحدة، فإن 28 من الشعب السوري هم من ذوي الإعاقة، فيما ترتفع النسبة إلى 37 بالمئة من ساكني مناطق شمال شرق سوريا، متوزعة بين إعاقة حركية وسمعية وبصرية وتواصل وإدراك ورعاية ذاتية، وفق الدراسة.
 
*الألوان المستخدمة في تعديل صورة الغلاف مستمدة من "عَلم الإعاقة أو علم التغلب أو علم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة هو العَلم الذي يمثل جميع الأشخاص ذوي الإعاقة. أنشأه الراقص البلنسي إيروس ريسيو في عام 2017. قُدم العَلم إلى الأمم المتحدة (ويكبيديا)"

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض