تعليم ذوي الإعاقة في سوريا: وحيدون أمام منظومة تخلت عن مسؤولياتها!

تعليم ذوي الإعاقة في سوريا: وحيدون أمام منظومة تخلت عن مسؤولياتها!

تقارير | 7 12 2023

يعرض هذا التقرير مجموعة من القصص التي لا يلتفت لها كثر إلا على هامش المأساة السورية، بحجة الأولويات، لكنها تعكس جزءاً من السردية اليومية للمجتمع السوري، إذ لدى نحو ثلث الشعب السوري إعاقة (28 بالمئة)، أي حوالي ضعف المعدل العالمي، حسب إحصاءات للأمم المتحدة.


يواجه أحمد وزينب وأمل ومحمد، صعوبات بالوصول إلى حقهم في التعليم، وحدهم في وجه منظومة حكومية ومجتمعية تخلت عن أداء مسؤولياتها، وتمنع عن مئات الآلاف الوصول إلى حقوقهم الكاملة في بلاد ضاعت بها حقوق الجميع بالعيش بكرامة وإنسانية.

غصّة عند كل صباح

حدثنا أحمد الخطيب، وهو من ذوي الإعاقة البصرية في شمالي سوريا، عن أثر حرمانه من حقه في التعليم.

وشرح لروزنة: "عمري الآن فوق ثلاثين سنة، في قلبي غصّة عند كل مرة أسمع بها صوت الأولاد صباحاً أثناء ذهابهم للمدرسة. كل هذا لأني انقطعت عن التعليم الأساسي".

وأضاف: "هاتفي هو نافذتي على العالم، حياتي صارت كلها فيه. أتواصل مع الناس وأقرأ الكتب الإلكترونية والصوتية من خلاله. لست قليل الحيلة إن توفرت لي الإمكانيات اللازمة".

ويشير أحمد إلى المصاعب التي تواجهه من الناحية المادية رغم تطويره لمهاراته في الفترة الأخيرة "لم أستطع تغيير شيء من واقعي، فتحت أنا وأخي بسطة مكسرات لأعتمد على نفسي. لكن أخي تركني وحدي، ليؤمن مستقبله من دوني".

ولعدم توفر فرصة تأهيل وتعليم له، يشير أحمد إلى أنه "بقي لوحده مع وزوجة وطفلين"، دون القدرة على إعالتهم لعدم قدرته على العمل بمهن صعبة وغياب الشهادات اللازمة لممارسة المهن الناعمة، على حد وصفه.

وتشير اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (2006)، التي وقعت عليها سوريا في 2007، أن "الدول الأطراف تكفل إمكانية حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على التعليم العالي والتدريب المهني وتعليم الكبار والتعليم مدى الحياة دون تمييز وعلى قدم المساواة مع آخرين. وتحقيقا لهذه الغاية، تكفل الدول الأطراف توفير الترتيبات التيسيرية المعقولة للأشخاص ذوي الإعاقة".

الحاجة للتغيير.. لا الكلام!

ترى دعاء (اسم مستعار) الناشطة الحقوقية في دمشق، أن تغيير واقع الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا اليوم يحتاج إلى تغيير ملموس على أرض الواقع وليس الكلام على الورق فقط، وفق تعبيرها.

وأوضحت لروزنة: "الأشخاص من ذوي الإعاقة يحتاجون بشدّة للتعليم والتدريب والتأهيل، للانخراط والاندماج والاستقلالية وتحمل مسؤولياتهم. على المسؤولين أن يتناولوا هذا الموضوع بجديّة كما لو أنه يمسهم شخصياً".

ورصد معد التقرير، إجماع نسبة واسعة من التقارير الحقوقية أو الصادرة عن منظمات المجتمع المدني على أن التحديات التي تواجه قضية حق التعليم لذوي الإعاقة تتمثل بنقاط رئيسية منها الإقصاء والتهميش، بذريعة أنها ليست من الأولوليات في ظل الواقع الحالي، وهي "حجة للتملص من المسؤوليات الملقاة على عاتق المجتمع وصناع القرار".

ويضاف لها تحدّي تشتت الجهود لتنوع القوى المسيطرة، ما يؤدي إلى بعثرة المجهودات الرامية لمناقشة الحلول الواقعية والأكثر نجاعة، إضافة للتحديات المجتمعية المرتبطة بالصورة النمطية والمفاضلة بين الأبناء، ما يحد من فرص ذوي الإعاقة بالحصول على التعليم الأساسي.

وحول ذلك تعلّق الناشطة دعاء: "لا يمكن لذوي الإعاقة العمل في سوريا إن لم يتلقوا تعليماً أكاديمياً، هذا هو الواقع الحالي. ورغم حصول البعض على أعلى الشهادات، لا يحصلون على الفرص المناسبة، فعليك تخيل الوضع عندما لا يملكون التأهيل والتعليم؟!".

وتختم حديثها معنا: "قد أبدو متشائمة، لكن ليس هناك حول واقعية على المستوى الرسمي، بما يخص تعليم ذوي الإعاقة. يبقى الأمل بالشباب ومبادراتهم الفردية ومحاولات المجتمع المدني".

وفي تصريح نقلته وكالة سانا، في نيسان العام الفائت، لخولة حنا الأمين العام لـ"المجلس المركزي لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة" في سوريا، قالت إن المجلس يقدم منحة مالية مخصصة لطلاب الجامعات والمعاهد الحكومية من ذوي الإعاقة وقدرها 50 ألف ليرة سنوياً (أقل من 4 دولار)، وصل عدد المستفيدين منها العام الماضي إلى نحو 300 طالب فقط.

"تعلّمت بالورقة والموبايل"

تسمح ظروف بعض ذوي الإعاقة بالتغلّب على الصعوبات التي تواجههم في حياتهم اليومية نتيجة الانقطاع عن التعليم، باللجوء إلى خيار التعليم الذاتي.

أمل (23 عاماً) لاجئة سورية إلى الأردن، تخبرنا عن تجربتها: "منذ أن لجأنا لم أدخل إلى المدرسة، لا أعرف ما هي. كنت أمية ولم أستطع الدراسة بسبب إعاقتي الحركية".

تكمل بنبرة سعيدة: "رغم ذلك لم أستسلم، تعلمت القراءة والكتابة لوحدي، تعلّمت تركيب الكلمات والجمل. نعم، نجحت في النهاية، ومحوت أميتي بالورقة والقلم وموبايلي".

كذلك، حدثنا محمد خيرات عن تجربته، وهو من ذوي الإعاقة الحركية الذين لجؤوا من سوريا إلى الأردن: "لا أترك دورة ولا تدريب دون المشاركة به. صرت الآن مدرب دعم أقران ومدرب على الفسيفساء. قناعتي بأن الحياة ستستمر، حتى لو تخلت الدنيا كلها عنك".

للانقطاع عن التعليم الأساسي عدد من الآثار الكارثية على مستقبل الأشخاص ذوي الإعاقة، تبدأ بالبطالة والعوز الاجتماعي، ولا تنتهي بالعزلة التامة وضعف التأهيل والاندماج في المجتمع واللجوء إلى الاعتماد على الآخرين أو الاضطرار إلى العيش في ظروف صعبة.

تعاني زينب (اسم مستعار/ 27 عاماً) في مدينة أعزاز، بسبب انقطاعها عن التعليم لبتر أحد أطرافها العلوية.

تقول لروزنة، بحزن واضح: "عايشة لوحدي تماماً بانتظار الفرج من الله، لولا محاولاتي الدائمة بالعمل على تطوير نفسي، لعشت في جوع. لا أعرف ما الذي يجب حصوله، للبقاء على قيد الحياة حتى الغد!".

وانقطعت زينب عن التعليم بسبب النزوح، لكنها تعاني بشكل يومي الآن من الآلام النفسية والاجتماعية والإنسانية، حسب قولها.

ويشير استطلاع لـ"وحدة تنسيق الدعم"، أن 40 بالمئة من ذوي الإعاقة شمالي سوريا، لا يتلقون خدمات مخصصة لاحتياجاتهم، فيما لبيت من 1 إلى 25 بالمئة فقط من احتياجات 35 بالمئة من المشاركين بالاستطلاع، ومن 50 إلى 65 بالمئة لنحو 15 بالمئة من الفئة المستهدفة، التي قدر عددها بـ5000 شخص.

وأظهرت الدراسة، أن 43 بالمئة من الذين شملهم الاستطلاع قالوا إن ذوي الإعاقة يواجهون صعوبات بالوصول إلى حقهم الأساسي بالتعليم، فيما رأى 37 بالمئة أنهم يحصلون عليه دون صعوبات في شمالي البلاد.

"دوائر مجتمعية مُحبطة"

للناشطة بحقوق ذوي الإعاقة في سوريا، رنيم طرطوسي، رأي حول تعامل نسبة من المجتمع وبعض العائلات مع تعليم الأشخاص ذوي الإعاقة من ناحية التمييز والتنميط والتفضيل.

تشرح: "يتعنّت بعض الأهالي مع أبنائهم ويفضلون أحد الأبناء من غير ذوي الإعاقة على الشخص من ذوي الإعاقة".

وتابعت: "هذا التفضيل واحد من أهم الأسباب التي تحد من قدرة ذوي الإعاقة على اتخاذ القرارات المستقلة في هذا الشأن خاصةً في ظل صعوبة التنقّل والإقامة في مدارس داخلية". 

وحسب وجهة نظر رنيم "لا شيء يمنع ذوي الإعاقة من الاعتماد على أنفسهم في حال امتلكوا قرارتهم وأخذوا زمام المبادرة"، مدلّلة على ذلك بأن "جميع الذين خرجوا من دائرتهم المحبطة كانت لهم فرص أكبر فردياً، حتى وإن لم يلتحقوا بالتعليم الأساسي".

وترى الناشطة أن المبادرات الفردية بمقاومة إحباط المجتمع "لايغني عن قيمة التعليم بالنسبة لذوي الإعاقة، لهم وللجيل القادم".

وتلفت رنيم إلى أن ترك ذوي الإعاقة وحدهم لمواجهة مصيرهم، هو الخيار الأقسى بالنسبة لهم، في ظل العيش وسط "مجتمع لا يؤمن بك كإنسان كامل الأهلية، وسلطات رسمية لا تعرف التعامل معها (...) يجب أن تكون هناك استفاقة جماعية من جميع الأطراف المعنية". 

وذكرت منظمة "هيومان رايتس ووتش" في تقرير، العام الماضي، بعنوان "’كان من الصعب حقا أن أحمي نفسي: أثر النزاع المسلح في سوريا على الأطفال ذوي الإعاقة"، أنه "رغم مليارات الدولارات من المساعدات، تقاعست العمليات الإنسانية في سوريا عن تحديد ومعالجة حقوق واحتياجات الأطفال ذوي الإعاقات بمختلف أنواعها بما يكفي".

ونقلت عن أحد موظفي الإغاثة قوله: "لم نتدرب على دعم الأشخاص ذوي الإعاقة وما يزال معظم موظفي الإغاثة يعتقدون أن دمج الإعاقة يتمحور حول مراكز إعادة التأهيل، وبناء المنحدرات، [و] توفير الكراسي المتحركة".

وينتظر السوريون ذوو الإعاقة، الوصول إلى حقهم كما أشارت له اتفاقية الأمم المتحدة كاملةـ ومنها "تنمية شخصية الأشخاص ذوي الإعاقة ومواهبهم وإبداعهم، فضلا عن قدراتهم العقلية والبدنية، للوصول بها إلى أقصى مدى. تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من المشاركة الفعالة في مجتمع حُر".

 

*الألوان المستخدمة في تعديل صورة الغلاف مستمدة من "عَلم الإعاقة أو علم التغلب أو علم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة هو العَلم الذي يمثل جميع الأشخاص ذوي الإعاقة. أنشأه الراقص البلنسي إيروس ريسيو في عام 2017. قُدم العَلم إلى الأمم المتحدة (ويكبيديا)"

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض