"الأيادي المبصرة".. مكفوفون بإدلب يواجهون التهميش بالفن والأمل

تقارير | 1 12 2023

يوسف غريبي محسن إبراهيم

في مدينة إدلب، وسط سلال القش ذات التفاصيل المتقنة والأشكال المزينة بالألوان التي تملأ مركز "الأيادي المبصرة"، جلس ياسر أمين (40 عاماً) ممسكاً بأعواد القش، بأصابعه الماهرة، يعمل على صناعة قطعة فنية جديدة.


قبل 22 عاماً، فقد ياسر بصره بشكل كامل، نتيجة حادثة إطلاق رصاص بسلاح ناري، وكان حينها يعمل في ميكانيك السيارات.

يثني ياسر، الأب لخمس بنات، خلال حديثه مع روزنة، على فكرة إنشاء مركز تدريب مهني للمكفوفين، معتبراً أن التدريب يسهم في انخراطهم بسوق العمل.

وتضاعفت نسب الإعاقة بعد الحرب في سوريا، وفقاً للتقديرات الأممية، التي بينت أن المعدل الوسطي للأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا، يبلغ 28% مقابل 15% عالمياً.

إعجاب.. وإساءة

ويشتكي ياسر من غياب فرص التعليم المناسبة والتأهيل المهني وفرص العمل للأشخاص ذوي الإعاقة في شمالي غربي سوريا، معتبراً أن ذلك يقف في طريق ذوي الإعاقة عن المساهمة بشكل فاعل في المجتمع.

أشار ياسر إلى مشاركتهم في معرض أقيم بالمركز الثقافي بإدلب، في وقت سابق، وسط إعجاب الزائرين بما قدمه مركز "الأيادي المبصرة" من أعمال فنية وتحف متقنة ومميزة، إضافة إلى التعقيد اللازم لإنجازها.



بالمقابل، يلفت إلى غياب الوعي بقدراتهم واحترام حقوقهم، مستذكراً حادثة حصلت معه في مدينة حلب: "عندما طلبت المساعدة من شرطي المرور لقطع الشارع، قال لي: ماذا تفعل في الخارج، يجب أن تبقى داخل المنزل!".

وتشير اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى تعزيز الوعي بقدرات وإسهامات الأشخاص ذوي الإعاقة و"مكافحة القوالب النمطية وأشكال التحيز والممارسات الضارة المتعلقة بالأشخاص ذوي الإعاقة، بما فيها تلك القائمة على الجنس والسن، في جميع مجالات الحياة".

تهميش وتمويل "غير عادل"

قبل ثلاث سنوات افتتح عمار الأمين مركز "الأيادي المبصرة لدعم وتأهيل المكفوفين" في إدلب، بهدف تقديم فرص للمكفوفين.

ويوضح لروزنة: "أرباب الأسر من المكفوفين وذوي الإعاقة، يعانون من تهميش كبير، وغياب للمشاريع الداعمة لهم. المراكز تعنى غالباً بالأطفال ذوي الإعاقة، من تقديم تأهيل وتعليم في مراحل مبكرة"، مشدّداً أن المكفوفين بحاجة لفرص وتعزيز مساهمتهم في المجتمع، على قدم المساواة مع الآخرين.

ويشير استطلاع "تنسيق الدعم" في دراسته، أن 40 بالمئة من ذوي الإعاقة لا يتلقون خدمات مخصصة لاحتياجاتهم، فيما لبيت من 1 إلى 25 بالمئة فقط من احتياجات 35 بالمئة من المشاركين بالاستطلاع، ومن 50 إلى 65 بالمئة لنحو 15 بالمئة من الفئة المستهدفة، التي قدر عددها بـ5000 شخص.



وتنص الاتفاقية الأممية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، على مبادئ تتضمن "عدم التمييز، وكفالة مشاركة وإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة كاملة وفغالة في المجتمع".

كذلك تنص المبادئ العامة، إلى تكافؤ الفرص والمساواة بين الرجل والمرأة وإمكانية الوصول واحترام الفوارق وقبول الأشخاص ذوي الإعاقة كجزء من التنوع البشري والطبيعة البشرية.

وأشار مدير مركز "الأيادي المبصرة" إلى نقص التمويل وعدم مناسبته مع حجم الاحتياجات والخطط اللازمة لتقديم الدعم والتدريب للمكفوفين الذين يبحثون عن فرص عمل ودخل مادي مستقر.

ويعتبر عمار الأمين، إلى أن التمويل الإنساني "غير عادل" بالنسبة لقضايا ذوي الإعاقة في المنطقة، مستنكراً إهمال حقوقهم "تحت أي ظرف".



بالإرداة والدعم.. يأتي العطاء

باسل حيدان (29 عاماً) من المكفوفين الحاضرين في المركز، بصفة مدرب للأشغال الفنية اليدوية، يرى أن تعامل المجتمع يؤثر على فاعلية الأشخاص ذوي الإعاقة وحالتهم النفسية.

يشرح لروزنة: "في حال غياب الدافع الداخلي للاستمرار لدى ذوي الإعاقة في منطقتنا، سيواجه الشخص واقعاً صعباً للغاية"، متحدثاً عن رحلته الطويلة في البحث عن عمل دون جدوى "إلى الآن نعاني بسبب عدم قبول أرباب العمل لذوي الإعاقة، في مجالات العمل المختلفة".



لم يفقد باسل البصر منذ الولادة، لكنه عانى من مرض الزرق الولادي الذي أدى لفقدان البصر بعينه اليمين، وبعد عمليات عديدة في محاولة لوقف تأثير لمرض على العين اليسرى، فقد البصر بشكل تام في عمر العشرين.

في دراسة لـ"وحدة تنسيق الدعم"، والتي أجرتها قبل أشهر عبر مقابلات ميدانية لـ1011 عائلة في شمال سوريا، ذكرت المنظمة أن 51% من ذوي الإعاقة مختلفة الشدة عاطلون عن العمل، وتزداد تلك النسبة مع ازدياد نسبة الإعاقة لتصل إلى 82% بين ذوي الإعاقة الشديدة.

وبينت الدراسة أن نسب انتشار إعاقة الرؤية، مختلفة الشدة في شمالي سوريا، تصل إلى 17%، معظمهم قادرون على تمييز الأشياء القريبة بمساعدة النظارات، والبعض لا يستطيع ذلك، لكن قلة منهم فقدوا الرؤية بشكل كامل.

وكلما زادت نسبة الإعاقة تزداد المصاعب التي يواجهها الفرد في المنطقة وتزداد ضغوطه النفسية ونسبة الحزن والكآبة مقارنة بغيره من الأصحاء، حسبما ذكرت الدراسة.

يؤكد باسل أن مسؤولية مساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة، تقع على كل فرد في المجتمع لتوفير الدعم والقبول والمساعدة اللازمة أيا كان حجمها، قائلاً: "إن اجتمعت إرادة الشخص ذوي الإعاقة مع دعم أهله ومجتمعه، سيملك القدرة على العطاء بشكل مؤكد".



وتشير المادة الثامنة من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى إذكاء الوعي في المجتمع بأسره بشأن الأشخاص ذوي الإعاقة، بما في ذلك على مستوى الأسرة، وتعزيز احترام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وكرامتهم".

وفي حين تبلغ نسبة الإعاقة منذ الولادة 22% من مجموع الأشخاص ذوي الإعاقة في شمالي سوريا، و25% بسبب الشيخوخة، أسهمت الحرب، وفقاً لدراسة "وحدة تنسيق الدعم"، بـ13% من الإعاقات و3% للكوارث الطبيعية (زلزال شباط الماضي) و18% بسبب الأمراض، وما تبقى بسبب الحوادث وسوء المعاملة وأثناء الولادة.
 
*الألوان المستخدمة في تعديل صورة الغلاف مستمدة من "عَلم الإعاقة أو علم التغلب أو علم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة هو العَلم الذي يمثل جميع الأشخاص ذوي الإعاقة. أنشأه الراقص البلنسي إيروس ريسيو في عام 2017. قُدم العَلم إلى الأمم المتحدة (ويكبيديا)"

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض