تقارير | 22 08 2023
إيمان حمراوي
في أحد معامل المواد الغذائية بالإمارات، أقام الشاب السوري عماد (37 عاماً) لأيام بعد انتهاء مدة تأشيرته في ظل غياب فرصة عمل، آخر مساء له في المعمل كان اليوم الأخير في حياته، فارق الحياة بينما كان يتحدث هاتفياً مع والدته وشقيقه، كان الوداع الأخير.
أزمة قلبية فاجأت الشاب السوري، سرقت منه حياته، ورغم مناشدة والدته لاستدعاء الإسعاف إلا أنه رفض خشية ترحيله إلى سوريا، لكونه مطلوب إلى الخدمة العسكرية الاحتياطية.
ضغوط حياتية رافقت عماد إلى الإمارات قبل أشهر عند قدومه إليها، لم يستطع إيجاد حلول لها، إذ بحث لأسابيع عن فرصة عمل في أبراجها علّه يستطيع تأمين حياة كريمة لعائلته، دون أي بارقة أمل.
آلاف السوريين يحاولون البحث عن فرص عمل في الإمارات هرباً من الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي يعانون منها، وللتخلّص من الخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية، ورغبة في المساعدة وإمداد عائلاتهم في الداخل السوري بالحوالات المالية، كما يفعل كثيرون في العديد من بلدان اللجوء والمهجر.
الحياة الكريمة حلم السوريين
يروي "سالم" أحد أقارب عماد لروزنة، رحلته إلى الإمارات لحين مفارقته للحياة قبل شهرين في أحد المعامل السورية وحيداً، لا يؤنسه سوى صوت والدته وشقيقه خلال مكالمة هاتفية جماعية، كانت هي بمثابة الوداع الأخير.
خرج عماد قبل ستة أشهر من تركيا، إلى ليبيا، تاركاً وراءه زوجته وثلاثة أطفال أكبرهم بعمر السبع سنوات، بحثاً عن فرصة عمل تضمن لهم حياة كريمة، لكنه لم يجد ضالته، فسعى للحصول على تأشيرة إلى الإمارات.
خلال فترة الزيارة في الإمارات، أيضاً لم يجد فرصة عمل، وهو الذي يعمل في النسيج، ما اضطره للنوم في العراء لفترة من الزمن قبل أن يجد معملاً قبل صاحبه بأن يبيت فيه لأيام.
شعر عماد وكأنّ جميع الأبواب أغلقت في وجهه، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا لكونه مطلوب للخدمة الاحتياطية، وغير قادر على العودة إلى تركيا بعد منعه من قبل السلطات عند مغاردتها، وغير قادر على العودة إلى ليبيا، إضافة إلى أزمة جديدة هي انتهاء إقامته في الإمارات.
عماد ليس الوحيد الذي لم يستطع إيجاد فرصة عمل، كثيرون قبله حاولوا إيجاد فرصة عمل، لكن الظروف لم تساعدهم.
مدينة الأحلام خيّبت الآمال
وخلال العامين الأخيرين انتعش موسم هجرة السوريين إلى الإمارات، لعوامل كثيرة، أبرزها تدني المستوى المعيشي وانخفاض الرواتب وغياب الخدمات الأساسية، لكن حين وصولهم اصطدموا بواقع مغاير، من صعوبة الحصول على عمل واختلاف مؤهلاتهم عن متطلبات سوق العمل الإماراتي، وارتفاع تكاليف المعيشة.
مدير وكالة القائد للسياحة والسفر في إمارة عجمان، ناصر الحازم، أكد لموقع "فورتشن العربية" أن "إقبال السوريين على السفر إلى الإمارات بغرض البحث عن عمل بدأ بشكل متزايد جداً منذ أيلول 2020 عندما سمحت الإمارات للسوريين بالحصول على تأشيرة الدخول بغض النظر عن العمر أو الجنس، بعد أن كانت تتطلب شروطاً معينة".
أبراج الإمارات وفرصها المعلنة و مدينة الأحلام للشباب، لم تؤمّن فرص عمل للعمالة السورية الزاحفة إلى هناك من أجل إيجاد فرصة عمل تبقيهم وأهلهم على قيد الحياة، فعاد الكثير منهم خائبين إلى بيوتهم وآخرون قرّروا الرحيل إلى بلاد أخرى.
من حظي بتجربة البقاء في الإمارات، يبلغ متوسط التكلفة الشهرية للفرد ثلاثة آلاف درهم إماراتي (800 دولار أميركي) تشمل تكاليف المواصلات والطعام والنشاطات دون أجرة المسكن، وفق موقع "بروبرتي فايندر" الإماراتي.
أما الإيجارات، يصل ثمن بدل إيجار الاستوديو "غرفة صغيرة" في دبي وأبو ظبي بين 3.500 إلى 5 آلاف درهم (بين 900 و1300 دولار) وفي الشارقة وعجمان تصل الإيجارات إلى 3 آلاف درهم (800 دولار أميركي).
وتبدأ إيجارات الأسرّة في الغرف المشتركة من 400 درهم (108 دولارات) وتصل إلى ألف درهم (272 دولار) في دبي وأبوظبي، بينما تنخفض أدنى 400 درهم في الشارقة وعجمان.
ووفق تقارير إعلامية، يسعى معظم السوريين للسكن في دبي وأبو ظبي مباشرة، وهي مدن تكاليف السكن فيها مرتفعة جداً.
ولا توجد أرقام رسمية عن أعداد السوريين في الإمارات، ووصل عام 2018 عدد السوريين الحاصلين على تأشيرة إقامة إلى 430 ألفاً، وفق سفير الإمارات في كندا، محمد سيف هلال الشحي، في تصريحات صحفية عام 2017.
اقرأ أيضاً: طريقة استصدار تأشيرة بحث عن عمل في الإمارات
القانون الإماراتي
توقّفت دولة الإمارات منذ عام 2011 عن منح السوريين تأشيرات عمل، وكانت تستلزم طلبات قبول التوظيف مراجعات أمنية من أجهزة الأمن السورية قبل توظيفهم.
أعادت في السلطات الإماراتية في نيسان العام الفائت تعديل اللائحة التنفيذية بشأن دخول وإقامة الأجانب، بهدف تعزيز مكانة الإمارات كوجهة للعيش والعمل والاستثمار وجذب واستبقاء المواهب والكفاءات المؤهلة من كافة أرجاء العالم.
واستحدثت التعديلات "تأشيرة استكشاف فرص العمل" بهدف تيسير دخول المهارات والكفاءات لاستكشاف فرص العمل المتاحة في الإمارات وبدون ضامن أو مستضيف داخل الدول".
وبموجب التعديلات بات بالإمكان استصدار تأشيرة سياحية متعددة الدخول لمدة 5 سنوات وبدون ضامن، تمكن المستفيد من البقاء في الدولة حتى 90 يوماً متواصلة ويجوز تمديدها لمدة مماثلة على ألا تتجاوز مدة البقاء كاملة 180 يوماً في السنة الواحدة إلا في حالات استثنائية، وتتطلب هذه التأشيرة إثبات توافر رصيد مصرفي بمبلغ 4 آلاف دولار أو ما يعادلها من العملات الأجنبية خلال الأشهر الستة الأخيرة السابقة على تقديم الطلب.
التعديل شمل أيضاَ الإقامة الذهبية التي تمنح لعدة فئات وتشمل "المستثمرين ورواد الأعمال والنوابغ من المواهب والعلماء والمتخصصين، وغيرهم لمدة 10 أعوام.
وتضمنت التعديلات مزايا جديدة للحاصلين عليها أهمها: إلغاء شرط عدم التغيب عن الدولة للاحتفاظ بالإقامة الذهبية، وإلغاء الحد الأقصى لعدد عمالة الخدمة المساندة التي يمكن استقدامها، ومزايا لأفراد الأسرة تسمح لهم بالبقاء في الدولة طوال مدة سريان إقامتهم في حال وفاة المعيل الحاصل على الإقامة الذهبية.
وسمحت التعديلات للشخص بالحصول على تأشيرة إن كان له قريب أو صديق مواطن أو مقيم في الدولة تحت مسمى "تأشيرة زيارة قريب أو صديق".
وتمنح الإمارات الأجنبي تأشيرة زيارة بغرض استكشاف الفرص المتاحة للعمل لسفرة واحدة، ويمكن الإقامة لمدة ما بين شهرين وأربعة شهور، وفق "البوابة الرسمية لحكومة الإمارات".
ويحظر القانون الإمارات "على الأفراد الزائرين والسواح العمل في الدولة بينما هم في وضعية تأشيرة زيارة أو سياحة سواءً أكان ذلك مقابل أجر أو بدونه، ويتعرض المخالف للغرامة والترحيل، كذلك تتعرض الشركات التي تقوم بتشغيل الزائرين الذين هم في وضعية سائح أو زائر للمساءلة والغرامة"، وفق "الحكومة الإماراتية".

الوداع الأخير
الاتصال الأخير لعماد مع عائلته كان من مكان مبيته في المعمل، قال حينها لشقيقه: "حاسس حالي عم موت، الله يخليك الأولاد برقبتك"، وانتهت هنا حياة عماد بأزمة قلبية.
بعد الوفاة بقي جثمان عماد في البراد لمدة أسبوع، ولم تسمح السلطات الإماراتية بدفنه إلا في بلده لكون أوراقه غير نظامية.
يقول سالم قريب عماد لروزنة: "بعد مشقة كبيرة ومحاولات كثيرة دُفن في مدينة عجمان الإماراتية".