سوريات يكابدن لإطعام أطفالهنّ.. نفقة الطلاق لا تكفي ثمن خبز

سوريات يكابدن لإطعام أطفالهنّ.. نفقة الطلاق لا تكفي ثمن خبز

تقارير | 9 06 2023

لم تنتهِ معاناة نبال (34 عاماً) بعد حصولها على الطلاق قبل 4 سنوات ونصف في طرطوس، فإقامتها في منزل والديها مع طفلتها التي لا تتجاوز الـ 5 سنوات، فتحت لها جروحاً جديدة ومعاناة من نوع آخر، وفق وصفها.


"مو بكفي حاويينك انت وبنتك"، تحزّ تلك العبارة عميقاً في قلب نبال وهي تسمعها من والدتها، بشكل متكرّر منذ طلاقها.

ورغم أنّ نبال موظفة حكومية إلا أنها لا تستطيع إعالة طفلتها واستئجار منزل لكون راتبها لا يتجاوز الـ 125 ألف ليرة سورية (نحو 14 دولاراً) ولا يكفي لشيء.

تعاني السيدات السوريات المطلّقات بشكل مضاعف، ولا سيما إن كان لديهنّ أطفال، في ظل صعوبة الوضع المعيشي، وعدم كفاية الرواتب أو زيادتها والتي لا تتناسب مع الواقع المعيشي، حيث يبلغ متوسط الرواتب نحو الـ 150 ألف ليرة سورية (16 دولاراً).

ويصل متوسط تكاليف المعيشة لأسرة مكونة من خمسة أفراد، وفقاً لـ"مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة"، مع انتهاء الربع الأول من العام الحالي إلى أكثر من 5.6 مليون ليرة سورية، أما الحد الأدنى وصل إلى 3.5 مليون ليرة، في وقت لا يزال فيه الحد الأدنى للأجور 92.970 ليرة سورية.

تقول نبال لروزنة: "كان عمر طفلتي لا يتجاوز أشهر قليلة، حينما وقع الانفصال بعد علاقة زواج دامت أقل من عامين"، وتستذكر بألم: "كان يعنّفني بشكل دائم، لم أملك حينها سوى العودة لمنزل والدي".

نفقة لا تكفي ثمن الخبز

يدفع طليق نبال نفقة شهرية بقيمة 7 آلاف ليرة فقط للطفلة، "وهو مبلغ لا يكفي حتى ثمن الخبز" كما تقول الأم، وتضيف: "فكرت باللجوء إلى محامي، لرفع دعوى ضد طليقي، والحصول على نفقة أكبر، إلا أن المحامي أخبرني أن الدعوى تكلف 300 ألف ليرة، وفي حال نجحت فإن قيمة النفقة لن تتجاوز الـ10 آلاف ليرة، لذا غيّرت رأيي".

لا تدّخر نبال جهداً في أي عمل جانبي لإعالة طفلتها، فقيمة القسط السنوي لروضتها يتجاوز المليون ليرة ونصف (166 دولاراَ) بينما راتبها 125 ألف ليرة لا يتعدى الـ 14 دولاراً.

نبال تسكن في الريف، والعمل الوحيد المتاح لها هو في الأرض، خلال المواسم الزراعية مثل الزيتون والحمضيات.

ومثل نبال الكثير من السوريات اللواتي تعرضنّ لتجربة الطلاق، وبقين بمفردهنّ مع أطفالهنّ، ولا سبيل سوى العودة لمنزل الأهل، الذين يرى نسبة منهم أن الأم وأطفالها "يشكلون عبئاً عليهم، وأنه على الزوج أخذ أطفاله لتربيتهم وتحمل مسؤوليتهم".

وفي أيار العام الفائت، كشف القاضي الشرعي الثالث خالد جندية، في دمشق، عن ازدياد معدلات الطلاق في العاصمة، موضحاً أن هناك 30 ألف حالة زواج و 10 آلاف حالة طلاق سُجّلت في دمشق خلال عام 2020، والحال في دول المهجر أكثر تفاقماً.

ووفق القاضي الشرعي خالد جندية، يعود ازدياد نسب الطلاق إلى ارتفاع معدلات الفقر، الذي يؤثر على مستوى المعيشة وبالتالي ظهور المشكلات بين الزوجين، إضافة إلى عدم الانسجام الفكري والتفاهم بين الزوجين، وأسباب أخرى.

اقرأ أيضاً: العنف الزوجي في شمالي غربي سوريا يضع النساء بين خيارات صعبة

أسّس عائلة وتركني

تعكس تجربة إلهام ( 37 عاماً) معاناة المطلقات المعيلات لأطفالهنّ في سوريا، فهي أم لطفلتين ( 9 - 7 سنوات)، انفصلت عن زوجها لأنها وبسبب ظروف صحية لم تعد تستطيع الإنجاب، وهو كان يريد طفلاً ذكراً.

في حديث مع روزنة، تقول إلهام وهي ربة منزل: "أخبرني زوجي صراحة بأنه لا يستطيع فتح بيتين والصرف عليهما، ومن حقه أن يصبح لديه ولد ذكَر يحمل اسمه، فوقع الانفصال قبل 3 سنوات"، واليوم أعيش مع والدي".

"الحياة هنا جحيم بكل ما للكلمة من معنى"، تقول السيدة الثلاثينية، مستطردة: "أعمل كخادمة في منزل أهلي، وزوجة أخي التي تعيش معنا في المنزل مع طفلها، لا توفر جهداً لإهانتي، وحين ألجأ لوالدي، يخبرني أن الذنب ذنبي وعليّ التحمل، فالمنزل بالنهاية لشقيقي وزوجته وليس لي كوني بنت ولا حق لي بميراث، وفقاً لقوانين الطائفة التي أنتمي لها".

لا تحصل إلهام من زوجها سوى على 10 آلاف ليرة شهرياً كنفقة لطفلتيها (أكثر من 1 دولار بقليل)، وهو مبلغ لا يكفي أي شيء، في ظل ارتفاع الأسعار المستمر، والزوج يرفض زيادة المبلغ لأنه أسّس عائلة جديدة، وبالكاد دخله يكفيها، كما يخبرها.

"أسّس عائلة وتركني لوحدي مع بناتي، نقاسي فقدان الكرامة والفقر وحتى الجوع أحياناً"، تقول إلهام.

 تخصّص إلهام كل وقتها للعمل في المنازل، وأي عمل آخر يتوفر لها لإعالة طفلتيها ومحاولة كفايتهنّ، تصف بحزن: "نسيت أنني أنثى، ولا أذكر متى آخر مرة شعرت فيها بأنوثتي أو حتى متى اشترت ملابساً لنفسي".

"الدولة تقاسمنا لقمة عيشنا"

يلوم أحمد (42 عاماً) من دمشق، الظروف المعيشية وتدنّي الأجور والرواتب، ويحاول إلقاء المسؤولية عليها، لكونه يعجز عن دفع نفقة تكفي طفليه اللذين يعيشان مع والدتهما في منزل عائلتها منذ طلاقهما قبل عامين.

يعمل أحمد بوظيفة حكومية، وعمل إضافي كسائق بعد الظهر، وكل ما يجنيه لا يكفي أكثر من مصروف عائلته المكونة من زوجة وطفلة رضيعة، ويحاول ادّخار مبلغ لإرساله لطليقته وطفليهما، وفي أحسن الأحوال لا يتجاوز الـ100 ألف ليرة.

ورغم إدراك أحمد عدم كفاية المبلغ، إلا أنه لا يملك إرسال المزيد، ويحمّل الحكومة جزءاً من المسؤولية: "الدولة هنا تقاسمنا على لقمة عيشنا وعيش أطفالنا، فكيف أستطيع إرسال المزيد لهم، وأكثر من نصف دخل السيارة يذهب للبنزين والضرائب والإصلاحات".

قد يهمك: الطلاق أو ترقين القيد .. خلاف عائلي سوري لإعادة الدعم !

القانون لا يحمي حقوق الأطفال والمرأة

لم ينجح القائمون على وضع القوانين في سوريا، بتطوير قانون يمنح المرأة وأطفالها الحقوق الكافية بعد الطلاق، ويصف حقوقيون كثر قانون الأحوال الشخصية بأنه قاصر يحتاج للكثير من التعديل، حتى تأخذ المرأة حقوقها الكاملة.

تختصر المحامية لبنى ( 45 عاماً ) من طرطوس، المشكلة في قضية النفقة، وتقول إنها تكمن بتدني الأجور والرواتب، ما يوقع المعنيين بالحرج، وعدم القدرة على زيادتها.

و تضيف: "كيف سيقوم المسؤولون بتعديل النفقة لتصبح 500 ألف، وهم يدركون أن الرواتب التي يمنحونها لا تتجاوز الـ100 ألف؟ للأسف المرأة والأطفال يدفعون الثمن".

في شهر شباط من عام 2019، صدر تعديل قانون الأحوال الشخصية، إلا أن التعديل، وفق رأي لبنى، ظلّ قاصراً عن حقوق المرأة وأطفالها، فهو لا يجبر الزوج على تأمين مسكن للعائلة، ولا دفع نفقة أطفال تكفي معيشتهم، إنما مبلغ رمزي يبلغ حده الأدنى 5000 ليرة والحد الأعلى قد يصل لـ150 ألف في حال أثبتت الزوجة، أن الزوج يمتلك دخلاً شهرياً كبيراً.

وتوضح لبنى أن القاضي وفي معظم الحالات يأخذ قيمة الراتب الحكومي كمقياس لوضع مبلغ النفقة.

وتضيف المحامية، "من الصعب جداً، إن لم يكن من المستحيل أن تثبت المرأة دخل زوجها، إلا إن كان تاجراً مثلاً".

"وفي حال أثبتت المرأة أنه يمتلك عقارات أو أي أملاك أخرى، فإن هذا إثبات لا تأخذ به المحكمة، التي تشترط إثبات دخل مرتفع وليس ممتلكات، وهو شرط غريب جداً، ومن غير المعروف كيف وضعه المشرعون"، توضح لبنى.

وتكشف المحامية عن زيادة كبيرة في أعداد دعاوى الطلاق، لافتة أنها تتلقى شهرياً ما يقارب الـ20 قضية طلاق لوحدها، وإلى أن أغلبية قضايا الطلاق التي عالجتها، لم تزد فيها نفقة الأطفال الشهرية عن 10 آلاف ليرة سورية.

وتوصي الحقوقية الناشطة في مجال حقوق المرأة، النساء بأن يحتطن للأمر جيداً، ويكتبن شروطهنّ الخاصة في عقد الزواج، وتؤكد عليهنّ أن يحددن قيمة النفقة الواجب على الزوج دفعها لكل طفل بحال وقع الطلاق مستقبلاً: "إن هذا يضمن حقوقهنّ وحقوق أطفالهنّ".

ووفق القانون السوري، فإن المرأة لا يحق لها المطالبة بأي نفقة بعد الطلاق، ولا حتى بأي ممتلكات أو تعويض، والحق الوحيد المتاح لها الحصول على مهرها، ونفقة شهرية بسيطة لأطفالها. 

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

مباراة إسبانيا وبلجيكا.. من يواجه فرنسا في نصف نهائي المونديال؟

إسبانيا
بلجيكا
غير مهتم
close icon