تقارير | 5 05 2023
إيمان حمراوي
"اليوم أشعر أنني وصلتُ إلى نقطة اللاأمل، هُزمت آمالنا في التغيير وتبديل العالم الاجتماعي ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، الأنظمة السياسية وفسادها كسلطات ودول أهملت المواطن واعتبرته لا شيء، مما أوصلنا أن نصير غرباء في بلادنا"، اليوم أصبح الكاتب والروائي السوري صاحب تلك المقولة، حيدر حيدر، غريباً وبعيداً عن بلاده بعدما توفي عن عمر يناهز الـ 87 عاماً.
ونعت الأوساط الثقافية السورية الكاتب والأديب السوري حيدر حيدر صاحب الرواية المشهورة "أوراق المنفى" و"الوعول" و"وليمة لأعشاب البحر" وغيرها، وهو الذي ينحدر من قرية حصين البحر في طرطوس عام 1936.
حيدر أحد المجوعين المضطهدين
توفي حيدر، وحاله كحال كل الناس "المجوعين المضطهدين المحكومين"، وكان يرى انعدام أي أمل بالتغيير، في ظل عالم يسوده الدمار الممنهج، كما قال في مقابلة مع "independentarabia" في أيلول 2020.
الروائي الراحل هو أحد مؤسسي الكتاب العرب في دمشق 1968، وكان عضواً في مكتبه التنفيذي.
انتسب إلى معهد المعلمين التربوي في مدينة حلب، وتخرج عام 1954، ومن ثم انتقل إلى مدينة دمشق، حيث بدأ كتابته في الدوريات اليومية والشهرية.
ونشر مجموعة "الومض" عام 1970 بين مجموعة من الكتب، كانت أولى إصدارات الاتحاد.
وفي العام ذاته ذهب إلى الجزائر ليعمل مدرساً في مدينة عناية، في الوقت الذي كان يواصل فيه الكتابة والنشر في الدوريات العربية.
تنقل حيدر في أسفاره الطويلة بين دمشق وبيروت والجزائر وقبرص وباريس.
حيدر كان يرى خلال السنوات الأخيرة من عمر سوريا أن المثقفين تمزقوا يقول: "المثقفون تمزقوا، انقسم المثقفون ممن وقفوا مع النظام أو ضده، أو ممن هاجر أو رفض كل شيء، وهناك منهم من اضُطهد وعُذِّب، ومن قُتِل".
لم يستطع الراحل الكتابة كما كان يكتب سابقاً "فالرقابة سيفها أطول من مساحة البلاد، لم يعد هناك صوت مضاد يكشف عورات الأنظمة من فساد وقمع واستبداد" يقول.
ومن أعماله "حكايات النورس المهاجر" 1968 و"الفهد" 1968 و"الزمن الموحش" 1973 و"الفيضان" 1975 و"التموُّجات" 1982 و"الوعول" 1982 و"وليمة لأعشاب البحر" 1984 و"مرايا النار" 1997 و"هجرة السنونو" 2008.
تُرجمت أعماله إلى اللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والفرنسية، وظلت أعماله مقروءة، وتحولت روايته "الفهد" إلى فيلم سينمائي بتوقيع المخرج الراحل نبيل المالح، وحاز العديد من الجوائز في المهرجانات الدولية.
انقطع حيدر عن الكتابة مدة ليست بقصيرة وعاد عام 2016 وأصدر رواية بعنوان "مفقود" وهي "رواية وثائقية" كما قال سابقاً، والصوت فيها كان عالياً ضد الطائفية والإرهاب، والوطنية هي الأساس، وفق وصفه.
وبرأيه أنه على الكتّاب ألا يغمضوا أعينهم عن الحقيقة كما تريد الرقابة، وأن يكشفوا المستور الذي تحاول السلطات بأدواتها التقنية والسياسية منعه.
نال الروائي حيدر خلال مسيرته الأدبية عدة جوائز، منها جائزة مهرجان كارلو فيفاري، وجائزة مهرجان دمشق للسينما الجديدة، وجائزة مهرجان لوكارن.

سوريا بنظر حيدر بعد 2011
وعن رأيه حول الحرب السورية قال حيدر: "لم نعد دولاً مستقلة، وسورية صارت اليوم مقسّمة بعد الأحداث التي جرت فيها منذ عام 2011، مثلها مثل اليمن وليبيا والعراق ولبنان".
ويضيف: "اليوم حتى الحيوانات تعيش أحسن منا".
وباعتقاده أن السوريين أصابتهم شروخ عميقة أولها ما أسماها "الجريمة الطائفية"، وبدل الولاء للوطن أصبح الولاء "للطائفة".
حيدر كان أحد الكتاب السوريين الذين أدخلوا تغييراً جذرياً على "الرواية الاجتماعية الوصفية" التي كانت تعنى بالأحداث والوقائع بما يسمى "الأسلوب التعبيري" الذي اهتم بالعالم الداخلي.
فالرواية التعبيرية التي كتبها حيدر، دخلت في مجالات علم النفس واللاشعور الفردي والجماعي، الأحلام والكوابيس عند الإنسان.
دعوات من المعارضة
تلقى حيدر دعوات من المعارضة، في ظل الحرب السورية خلال العقد الأخير، وحضر مؤتمر سميراميس، في حزيران 2011، وساهم فيه وقدم ورقة عمل، دعا فيها إلى وجود دستور جديد علماني وديمقراطي، وفترة رئاسية محددة لرئاسة الجمهورية لخمس سنوات، تجدد لمرة واحدة فقط.
كما دعا إلى إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تنصّب حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع، ودعا أيضاً إلى فصل الدين عن الدولة.
وأشار الراحل إلى أنه حاول مع بعض اليساريين البعثيين واليساريين المستقلين والديمقراطيين والشيوعيين، إلى جانب قوى من رابطة العمل، تكوين نواة لنضال سياسي سلمي، وإيجاد هيئة وطنية أو اتحاد وطني سوري.
عاش حيدر قبل وفاته على راتبه التقاعدي من التعليم وحقوق كتبه من دور النشر، إضافة إلى زراعته بعضاً من المحاصيل أمام بيته ليعيش منها وعائلته.
في عام 2022 نشر حيدر كتاباً يتحدث عن سيرته الذاتية بعنوان: "يوميات الضوء والمنفى" وفيها مسيرته منذ خروجه من القرية إلى طرطوس، وبعدها إلى حلب، ومنها إلى دمشق وبيروت، وصولاً إلى قبرص والجزائر وباريس.