مراكز الإيواء المؤقتة.. جبرية الاستجابة وصعوبة الإقامة

مراكز الإيواء المؤقتة.. جبرية الاستجابة وصعوبة الإقامة

تقارير | 14 02 2023

نور الدين الإسماعيل

خنق العم أبو صالح دمعته، ثم استجمع ما تبقى لديه من تماسك، وقال: "الحمد لله يا ابني.. المهم طلعنا بخير"، ثم مضيتُ بعد أن تركته أمام باب مركز الإيواء المؤقت في "مجمع النور" على أطراف مدينة إدلب، بعد أن تصدع المنزل الذي كان يقيم فيه نتيجة الزلزال الذي ضرب المنطقة قبل أيام.


 اقرأ أيضاً: الزلزال يخمد وميض عدسات "صوت من لا صوت له"

تقيم عائلة العم أبي صالح في مركز الإيواء منذ فقدوا المنزل الذي يقيمون فيه بمدينة إدلب، بعد تهدم عدد من جدرانه، بانتظار حصولهم على مسكن ينتقلون إليه. وهم بالأساس نازحون من ريف إدلب الجنوبي، بعد الحملة العسكرية التي شنتها قوات النظام السوري وروسيا عام 2019.

ويعيش في مناطق شمالي غربي سوريا ما يزيد عن 2.1 مليون نازح، من أصل أكثر من 4 ملايين سوري يسكنون في المنطقة، بحسب إحصائية سابقة لفريق "منسقو استجابة سوريا".


تجمع للعائلات المتضررة


شُيدت عدة صيوانات (خيام كبيرة) في مناطق مختلفة تضررت نتيجة الزلزال، لإيواء العائلات المتضررة مؤقتاً، ريثما يتم تأمين مساكن لهم ينتقلون إليها بعد التأكد من الضرر الذي لحق بهم.

أخبرنا أبو صالح أنه يحتاج إلى تأمين مسكن في مدينة إدلب حصراً، فابنته الوحيدة طالبة في الثالث الثانوي، وتتلقى دروسها في معهد خاص دُفعت جميع أقساطه، وليس بإمكانه السكن بعيداً عن المنطقة، بسبب عدم توفر آلية لتوصيلها، كل يوم.

فشلت محاولته، بعد أن صاحبته إلى أحد التجمعات السكنية التي سمع بأنها مخصصة لإيواء المتضررين من الزلزال، حين أخبرنا القائمون على التجمع الذي يبعد عن مدينة إدلب 5 كم، أنه عبارة عن مساكن قديمة لنازحين، تجمعوا في بعض الكرفانات، لتوفير سكن مؤقت للمتضررين، لكنه ليس دائماً.

ونحن في طريق العودة إلى مركز الإيواء، تناول هاتفه الخليوي وبدأ يستعرض بعض الصور لمنزله في القرية التي هُجر منها، ثم توجه نحوي قائلاً: "منزلي في القرية بمساحة 200 متر مربع، تركته ونزحت إلى مدينة إدلب، وأقمت في منزل بدون إكساء (على العظم)، فليس باستطاعتي دفع الأجرة، حتى هذا لم يدم لي".


خدمات إسعافية


عدة فرق تطوعية ومتبرعين من الأهالي حضروا إلى مركز الإيواء حاملين معهم ما تيسر من وجبات طعام وبعض الأطعمة للأطفال، من بسكوت وشيبس وفواكه، بينما كان المطبخ المخصص للمركز يعد وجبة الغداء لنزلاء المركز.

يتجمع حول المدافئ المجهزة داخل الصيوان عدد من النسوة اللواتي يتبادلن القصص عن اللحظات الأولى للكارثة، أصوات أطفال رضع يبكون، بينما تنشغل بعض الأمهات بإعداد وجبات الحليب لهم، بعد حصولهن عليها من القائمين على المركز.

أخبرنا أحد المشرفين على مركز الإيواء، أنهم يقدمون للنزلاء الاحتياجات الأساسية أولاً، من اسفنج وأغطية ووجبات طعام وحليب للأطفال والحفاضات، ريثما يتم تحديد العائلات المتضررة عبر الكشف على المساكن، ثم ينقلونهم إلى المساكن المعدة لهم في بلدة كللي، شمالي إدلب.


النساء والأطفال أولاً


لا يمكن للرجال دخول الصيوانات، "نحن بإمكاننا تدبير أمورنا، هكذا أخبرونا، المهم الآن تأمين النساء والأطفال"، قال أبو صالح، ثم أضاف: "مع هذا كل يوم أعود إلى المنزل المتصدع، تصيبني الحيرة.. تحت أي جدار يمكنني النوم، فهذا متصدع وآيل للسقوط، وذاك تهدم نصفه، والآخر مائل بما يكفي ليقع، لا أعرف، والهزات الارتدادية لا تتوقف، على كل حال، الله الحامي".

طلبت مني إحدى الفتيات أن تحصل على اتصال إنترنت، فالضغط الكبير على الشبكة الوحيدة المتوفرة جعل من المستحيل الحصول عليه، فكل النزلاء بحاجة للاتصال، وهو الأمر الذي لم يكن متاحاً لأحد.

شبكة خط "إيلوكس" ضعيفة في المكان، لا توجد تغطية كافية للاتصال بالإنترنت، لكن بعد محاولات مضنية نجح الاتصال، وتمكنت الصبية من الاتصال بوالدها لتطمئن عليه، وتطالبه بتأمين مأوى لهم.


حمل مضاعف


لم يكن أمام فطومة كثير من الوقت لتوقظ أختها العشرينية التي تعاني من ضمور دماغي، لحظة اهتزاز الأرض، وبمساعدة ابن الجيران تمكنت من نقلها إلى الشارع أثناء تعرضها لنوبة اختلاج، ثم عادت لتحمل طفلتها الصغيرة وتلحق بأختها، قبل وصولهم جميعاً إلى مركز الإيواء.

منزل على العظم بنوافذ مفتوحة تغطيها بعض القطع القماشية وغطاء بلاستيكي، تعرض سابقاً لغارة جوية ما جعله ضعيفاً، كان صاحبه يقايضها مقابل إقامتها فيه بثلاثة كيلوغرامات من الجبن شهرياً، مما تنتجه أغنامها، جاء عليه الزلزال فباتت بلا مأوى.

انفجرت فطومة باكية عندما بدأت بالحديث عن وضعها المعيشي، فهي أرملةٌ تعمل مستخدمة في إحدى المؤسسات، وتحصل على مبلغ 400 ليرة تركية شهرياً، وبذلك هي ليست قادرة على استئجار منزل آخر، فالأجور المرتفعة في مدينة إدلب والتي تبدأ من 75 دولاراً فما فوق، تجعلها تنتظر في مركز الإيواء المؤقت، ريثما يتم تأمينها مع العائلة في مسكن جديد.

"أتمنى العيش في خيمة أنا وعائلتي حتى لا يستغلني أحد مقابل السكن، ولا أريد أكثر من ذلك"، قالت فطومة خاتمة حديثها، ثم توجهت لتمسك بيد أختها وتبعدها عن المدفأة المشتعلة.


مستغلون لكنهم بحاجة


قبل وقوع الزلزال كانت البلاد بمختلف مناطقها تعيش واقعاً اقتصادياً متردياً، وارتفاعاً كبيراً في أسعار المواد الأساسية، ما جعل غالبية السوريين في حاجة.

وصرح المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيزلي، نهاية كانون الثاني الماضي أن "12 مليون شخص في سوريا يواجهون انعدام الأمن الغذائي، كما يواجه 2.9 مليون آخرون خطر الانزلاق إلى الجوع، ما يعني أن 70 في المئة من السكان قد لا يتمكنون قريباً من توفير الطعام لأسرهم".

قد يهمّك: حين نسيت طفلي في سريره

الواقع السيء قبل وقوع الكارثة جعل من انعكاساتها فرصة لدى البعض لتأمين لقمة العيش بحجة التضرر من الزلزال، فتوجهوا إلى مراكز الإيواء المؤقت لعلهم يحصلون على بعض المساعدات.

حدثنا أحد القائمين على مركز الإيواء في مدينة إدلب، أنهم بعد التدقيق في مركز "حديقة المشتل" وفرز المتضررين من الزلزال عن المدعين، تبين أن من بين 130 عائلة كانت ضمن المركز هناك 20 عائلة فقط متضررة وتم تأمينها.

أوقف الحارس في مركز "تجمع النور" امرأة تبدو عليها مظاهر الحاجة، وتحمل كيساً مليئاً بالخبز والألبسة والوجبات الغذائية والمعلبات، ثم سمح لها بالمغادرة دون أن يتصرف شيئاً، نظر إليّ ثم قال: "الله يكون بعون الناس، الكل محتاج".


مساعدات بالجملة


أبدى الأهالي والنشطاء في شمالي غربي سوريا سخطهم وغضبهم مما وصفوه "تقاعس الأمم المتحدة" عن الاستجابة العاجلة للزلزال، ومساعدتهم في انتشال العالقين تحت الأنقاض، فشنّ رواد وسائل التواصل الاجتماعي هجوماً حاداً على المنظمة الدولية.

ومع بداية اليوم الرابع بعد وقوع الكارثة، بدأت قوافل المساعدات الإنسانية بالتدفق إلى شمالي غربي سوريا، منها ما هو مقدم من الأمم المتحدة وبعضها الآخر من دول مثل تركيا وكردستان العراق وقطر والسعودية.

زاد عدد القافلات والشحنات المقدمة كمساعدات عاجلة عن 80 شاحنة حتى اليوم، عدا عن المساعدات التي تبرع بها الأهالي في المنطقة، وعلى رأسها الشاحنات القادمة من محافظة دير الزور والتي لاقت ترحيباً كبيراً من قبل الأهالي في شمالي غربي سوريا.

وقبل قليل من إعداد هذا التقرير دخل وفد وصف بأنه "رفيع المستوى" من الأمم المتحدة إلى شمالي غربي سوريا، من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، لتقييم الأضرار والاحتياجات في المناطق المنكوبة من الزلزال.

وبينما تتدحرج كرة الثلج ما بعد انتهاء الكارثة الطبيعية، تتكشف الصورة عن كوارث أخرى إنسانية، في طريقة التعامل الدولي مع الكوارث والمناطق المنكوبة في مناطق بعينها، والتعامي عن مناطق أخرى، ما يولد حالة من الإحساس بالظلم لدى الناجين وعائلات الضحايا.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض