تقارير | 4 02 2023
نور الدين الإسماعيل
"نحن شو ذنبنا نرجع على حارتنا ما نلاقي بيوتنا، على الأقل يعوضونا بمواد بناء نعمر فيها بيوتنا"، بهذه الكلمات عبرت أم حسين إحدى المتضرّرات من عملية هدم المنازل في حي غويران بمدينة الحسكة، إثر أحداث سجن الصناعة قبل نحو عام.
جدّد سكان نحو مئة منزل مجاور للسجن جنوبي الحسكة، مطالبتهم لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" بتعويضهم عن الضرر الذي لحق بملكياتهم نتيجة العملية الأخيرة ضد الفارين من عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) مطلع العام الفائت، دون أي تجاوب.
"مطرقة الشعوب".. ما تهدم لم يعمّر
في شهر كانون الثاني 2022 فرّ مقاتلون من سجن الصناعة (المعروف محلياً بسجن عناصر داعش)، ما أدى إلى نزوح أغلبية سكان الأحياء المجاورة كحي غويران وحي الزهور، لتطلق "قسد" بمساعدة التحالف الدولي عملية ضدهم باسم "مطرقة الشعوب".
شهود عيان على العملية، قالوا إن"قسد" هدّمت عدداً من المنازل الخالية بشكل جزئي أو كامل، نتيجة دخول عناصر فارين من "داعش" لها وتحصنهم بها.
وبحسب إحصائية لمنظمة "هيومين رايتس ووتش" فإن 140 مبنى على الأقل تضرر خلال العملية، يأوي 147 عائلة.
استطاع منفذو عملية "مطرقة الشعوب" تسوية الوضع الأمني، لكن بقي سكان تلك المنطقة دون تعويض للمأوى الذي خسروه جراءها.

مطالبات بتعويض سريع
خلال الجولة التي قمنا بها لتفقد أوضاع سكان هذه الأحياء المتضررة، لم نلحظ سوى موجة غضب كبيرة بين جميع العوائل المتضررة ومطالبات يتخللها الوجع والحسرة لتعويض سريع لهم.
تقول أم حسين، التي خسرت منزلها في حي غويران، والتي تضطر للعيش حالياً في بيت متواضع وظروف متردية: "طلعنا عشرة أيام من بيتنا بعد ما خبرونا انو لازم نخلي بيوتنا، لقينا بيتنا تحت الأرض. كان عندي 3 غرف ومنتفعات وأغراض بيت وكنت عايشه طبيعي مع عيلتي".
وتضيف مستائلة: "شو ذنبنا نرجع على حارتنا ما نلاقي بيوتنا، على الأقل يعوضونا بمواد للبناء".
وتشتكي السيدة من إهمال مطالبهم وعدم مساعدتهم، وآثار العملية على حياتهم: "ما حدا عم يجي ويسألنا شو لازمكم، هي رح يصير سنة وما حدا ساعدنا بشي، لا منظمات ولا حدا، حتى مساعدات مادية ما شفنا شي ولا مواد غذائية، نحن ما إلنا ذنب باللي صار".
"شو ذنب هالطفل"، تسأل أم حسين بعد أن تركت العملية وغياب التعويض أثرها على حياة ابنها، حيث اضطر لترك مدرسته لمساعدة عائلته بتأمين مصاريف حياتهم اليومية.
لم يتوقف الأمر عند أم حسين فقط، لهجة أم محمد التي خسرت منزلها أيضاً والقاطنة لدى أحد أقاربها منذ أكثر من عام كانت أشد وأكثر حسرة قائلة: "شو ذنب حي غويران لحتى تنهد بيوته، نحن ما إلنا ذنب بكل الحرب اللي صارت".
تؤكد السيدة الأرملة وبلا معيل مادي، أن قرار الإخلاء جاء بأمر من القوات المهاجمة ولم يكن بقرار منهم، وكانت نتيجة ذلك "خسارة المنزل وماشية كانت تؤمن لهم مصدر دخل وحيد".
اقرأ أيضاً: هجمات الحسكة واغتيال "القرداش".. ماذا تبقى لداعش في سوريا؟
"تعب خمسين سنة راح بلحظة"
حسين مداد الشعيبي، الرجل السبعيني، هو الآخر خسر جزءاً كبيراً من منزله بما فيه من أثاث، دون أن يتم تعويضه عن هذا الضرر.
" طلعنا من بيوتنا لنرجع عليها بخسائر بالملايين، والجيران يلي اضطروا يضلوا خبرونا انهم سمعوا صوت هدم البيوت، واليوم بعد سنة، ما حدا ساعدنا، وماعندي قدرة مادية أرجع أعمر".
الضرر الذي لحق بمحمد العقيدي، أحد سكان الحي، لربما كان الأكبر في هذا الحي، إذ خسر ما سماه بشقى العمر، ثلاثة بيوت بشكل كامل له ولأولاده يقول:
"تعب خمسين سنة راح بلحظة وحدة، كل أولادي طلعوا عالقرية وبقيت لحالي لأحرس البيوت، انجبرت أطلع لعشرة أيام، بعدها رجعت ولاقيت بيوتي كاملة تحت الأرض".
اضطر العقيدي للاستدانة من أجل بناء منزل جديد يلم من خلاله شمل أولاده بعدما تشتتوا جراء هدم المنازل في أحداث غويران: "ما حدا ساعدنا بشي حتى لو سلة غذائية، اضطريت اتدين لعمر بيت متواضع أقدر أجمع فيه ولادي بعد ما تشردوا".
ويطالب العقيدي الجهات المعنية بتعويض عن الأضرار التي لحقت بأملاكه.

غياب لـ "قسد" ومنظمات المجتمع المدني
بحسب شهادات سكان الحي المتضررين، لا مساعدات قُدمت طيلة هذا العام لهم من جميع الجهات المعنية، باستثناء التغطيات الإعلامية الضئيلة التي تحدثت عنهم، وسلة غذائية لمرة واحدة لكل عائلة من إحدى منظمات المجتمع المدني ضمن المنطقة.
"منظمة المجتمع المدني"، التي تعتبر من المنظمات السباقة في المنطقة التي أجرت أول إحصائية للبيوت المدمرة، ابتدأت بمشروع سمي بـ"جذور" منذ الشهر العاشر عام 2022، لدعم المتضررين من أحداث سجن الصناعة، اجتماعياً ونفسياً وحقوقياً.
سكان الحي أكدوا لروزنة: "ليس هذا التعويض الذي رغبنا به".
قد يهمك: الحسكة: تشييع قتلى وتصريحات لواشنطن وقسد عن الهجمات الأخيرة
إدريس داوود مدير المنظمة يقول لـ روزنة: "يهدف المشروع لإتاحة مساحة آمنة لسكان حيي غويران شرقي والزهور، المتضررين من أحداث سجن الصناعة في الحسكة على الصعيد النفسي والمجتمعي والحقوقي، من خلال تدريبات مكثفة لإيجاد بيئة خصبة للتواصل بين الأهالي و الإدارة الذاتية وسيكون ذلك من خلال رفع التوصيات للأخيرة".
يشارك في المشروع، وفق داوود، 34 مؤسسة مدنية كمراقبين ومشاركين، و هو جزء من سلسلة أو مراحل لاستهداف تلك الأحياء.
المرحلة التي تعمل عليها المنظمة حالياً "رفع المهارات لدى المتضررين و تسليط الضوء على معاناتهم واستقطاب المنظمات الدولية لتقديم الدعم لهم و تمكين أرباب الأسر المتضررة لإيجاد فرص عمل و إعادة أطفالهم للتعليم"، يوضح داوود.
بين محاولات غير مجدية ومحدودة من قبل تلك المنظمة أو غيرها ينتظر المتضررون من ذلك الحدث، دون حول منهم ولا قوة في بيوت ليست بيوتهم، أي بارقة أمل لدعمهم وتسليط الضوء عليهم.
سبعة أيام من المعارك، شهدتها محافظة الحسكة في شهر كانون الثاني/يناير 2022، وهروب عدد من عناصر التنظيم و محاولات قوات "قسد" في إعادة احتجاز الفارين منهم في السجن، تسبب في نزوح المدنيين من المدينة بعد فرار بعض المعتقلين على الأحياء السكنية في حي الزهور وغويران، وقطع بعض الطرق المؤدية للسجن في غاية لمنع وصول قوات "قسد" للسجن.
نزوح الأهالي من حيي غويران والزهور في #الحسكة، نتيجة استمرار الاشتباكات بين قوى الأمن الداخلي (#الأسايش) و #قسد مع عناصر #داعش في محيط سجن الصناعة.
Posted by arta.fm on Saturday, January 22, 2022