تقارير | 29 09 2022
بقلم لجينة حاج يوسف وميس قات تحرير وفاء البدري
"مع الرفض"، العبارة التي ترافق بتول 28 عاماً، منذ أكثر من ثلاث سنوات، كلما تقدمت بطلب استقالة، واليوم وصل عددها إلى 4 طلبات استقالة من عملها كممرضة في إحدى المستشفيات الحكومية بريف دمشق.
خسرت بتول فرصة السفر التي حصلت عليها للعمل في إحدى مستشفيات إربيل العراقية، نتيجة رفض استقالتها وإجازتها بدون أجر.
بتول ليست الوحيدة التي رفض طلب استقالتها، الكثير من السوريين العاملين لدى مؤسسات حكومة النظام ممن تقدّموا بالاستقالة خلال السنوات الأخيرة، جاء الرد على طلباتهم بالرفض، في ظل أوضاع معيشية متردية، وفقر يعاني منه أكثر من 90 في المئة من السوريين.
"من حقي أن أعيش، راتبي لا يتجاوز مع مجمل التعويضات والإكراميات 150 ألف ليرة سورية وفي أحسن الأحوال 175 ألف ليرة، وهو مبلغ لا يكفي طعام يومين، فما بالكم بشابة تحلم بالملابس والاستقلالية المادية"، تقول لروزنة.
ولا يستطيع العامل أو العاملة لدى حكومة النظام السفر خارج البلاد، دون وجود ورقة موافقة خاصة من الجهة الحكومية التي يعملون بها.
وأصدرت رئاسة مجلس الوزراء أواخر عام 2015 تعميماً بتنظيم منح الإجازات الخاصة بلا أجر وإذن المغادرة وقبول الاستقالة، وجاء فيه أن الجهات العامة تمنح العامل الموافقة على طلبات إذن المغادرة بعد استيضاح الأسباب.
"وتمنح الموافقة على طلبات الاستقالة بقرار بعد الحصول على موافقة مكتب الأمن الوطني ، والتأكد من عدم حاجة الجهة العامة للعامل" وفق التعميم.
"وتصدر الجهة صاحبة الحق في التعيين قراراً بمنح الإجازة الخاصة بلا أجر التي تقل عن مدة ستة أشهر متى اقتنعت بالأسباب المقدمة ، أما الإجازات التي تزيد عن مدة ستة أشهر ، فيتم دراستها.
اقرأ أيضاً: الأنشطة الصيفية للأطفال.. سوريون عاجزون عن تأمينها
وكان نقيب الأطباء في ريف دمشق، خالد موسى، قال لإذاعة"ميلودي إف إم" المحلية شهر أيار الفائت، إن بعض الاختصاصات الطبية في سوريا تواجه خطر الزوال بسبب استمرار هجرة الكوادر إلى الخارج، مثل الطب الشرعي وجراحة الأوعية والكلية والتخدير "وقد نلجأ في حال وصلنا لهذه النقطة لاستقطاب أطباء اختصاصيين من الخارج".
وأشار إلى أن عدداً كبيراً من خريجي الطب يغادرون بهدف متابعة الاختصاص أو العمل، حتى إن بعضاً منهم يتجهون لدول غير آمنة كاليمن والصومال وغيرها بحثاً عن فرص عمل.
كما تعاني حماة من هجرة الكوادر الطبية، حيث صرّح مصدر في نقابة الأطباء بحماة لصحيفة "الوطن" أمس الأربعاء، أن حماة تعاني من ظاهرة نزف بالأطباء، والمتمثلة في هجرة الأطباء بمختلف اختصاصاتهم ولاسيما بعد تزايدها خلال الآونة الأخيرة في ظل الغلاء المعيشي وتدني الأجور، وبيّن أن الصومال باتت مقصداً للعديد من أطباء المحافظة وغيرها.
وعزا المصدر نزف الأطباء وهجرتهم إلى تدني أجورهم سواء بمستشفيات القطاع العام أم بعياداتهم الخاصة.
أم فهد (48 عاماً) عاملة في أحد المعامل التابعة لوزارة الصناعة في حماة، تقدّمت بطلب استقالة، وجاء الرد "مع عدم الموافقة" ما أثار استغرابها، خصوصاً أن عمرها وحالتها الصحية لم تعد تسمح لها بالعمل كما في السابق.
أعباء النقل يومياً والتي تتكلفها أم فهد تأكل ربع راتبها البالغ 122 ألف ليرة شهرياً، فماذا بقي لها منه، ماعدا صحتها المتعبة؟ تتساءل.
رشاوى للحصول على الاستقالة
دفع عبد السلام 38 عاماً، الذي كان يعمل كمهندس معلوماتية في إحدى مؤسسات وزارة الإعلام، نحو مليونين ونصف ليرة سورية (520 دولاراً أميركياً)، كرشاوى لتتم الموافقة على استقالته قبل نحو عام، ويسافر إلى الشارقة، بعقد عمل.
يقول عبد السلام لروزنة: إنه استدان مبلغاً من المال، ليضيفه على ما حصل عليه من بيع سيارته، ويكفيه مصاريف السفر والرشوة، وبعد 5 أشهر من العمل في الشارقة نجح بسداد ديونه.
ويلجأ العديد من الموظفين الراغبين بالاستقالة أو الإجازة بدون أجر، للواسطة والرشاوى، وعموماً إن الواسطة تنفع في حالة الإجازة بلا أجر، بينما قد لا تنفع في حال الاستقالة، التي تتطلب عادة دفع مبالغ مالية لا تقل عن مليون ليرة.
وغالباً إن قيمة الرشوة يحددها مكان سفر العامل، إن كان على دبي أو دول الخليج يزداد المبلغ، وإن كان إلى العراق أو ليبيا يقل مقداره.
قد يهمك: في سوريا.. "بيجي الضيف وبجيب خبزاته معه"
عبودية!
يرى سيف 44 عاماً من دمشق، أن طريقة التعامل مع الموظفين تشبه "العبودية"، فلا يسمح لهم بترك العمل، وبنفس الوقت لا يمنحون رواتب تكفي على الأقل لطعامهم وطعام عائلاتهم.
سيف الموظف في إحدى مدارس العاصمة دمشق للمرحلة الابتدائية، يعمل على تكسي أجرة ليستطيع كفاية عائلته، في الشتاء بعد دوامه الرسمي وفي الصيف من الصباح وحتى المساء، كل محاولاته بتقديم الاستقالة التي بدأت قبل عامين تقريباً كان مصيرها الفشل.
ويواجه المواطن الذي يترك العمل عقوبات وفق القانون السوري، فالموظف الذي يتخلف عن الدوام الحكومي بعد رفض طلب استقالته أو الإجازة بلا أجر، يمنح مدة 15 يوماً للعودة إلى الوظيفة، وإلا سيصدر بحقه قرار اعتباره بحكم المستقيل، والذي سيواجه بسببه عقوبة الحبس بين 3 إلى خمس سنوات، وغرامة مالية عبارة عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة، وفقاً للمادة (364) في قانون العقوبات.
ووفق تقرير لصحيفة "الوطن" المحلية، أمس الأربعاء، يبحث موظفون بشكل يومي سواء كانوا جامعيين أو من فئات أخرى، عن أعمال إضافية بعد دوامهم الرسمي للحصول على مبالغ مالية لتغطية نفقاتهم وعائلاتهم.
كما أن تدني أجور القطاعات الحكومية مقارنة بأجور القطاع الخاص دفع بالكثير من الموظفين لتقديم الاستقالة، وفق الصحيفة.
لم يكن موضوع الاستقالة أو الإجازة بلا أجر أمراً مستحيلاً قبل عام 2011، ولم يكن يحتاج لأكثر من موافقة المدير الذي يتبع إليه العامل أو العاملة، لكن مع بداية الحرب أصبح هناك تشدد كبير ازدادت حدته بعد عام 2018، نتيجة تسرب الكفاءات والخبرات.
اقرأ أيضاً: الكهرباء تغيّر طقوس السوريين: لا مؤونة هذا الشتاء
عمل بلا كهرباء
أكثر ما يضحك سعاد (38 عاماً) تعمل في أحد مراكز خدمة المواطن بمدينة حمص، هو أنها تذهب لعملها دون القدرة على العمل، فغياب الكهرباء يمنعهم من متابعة أعمالهم مع الناس.
حاولت سعاد الحصول على إجازة بلا أجر، إلا أنها فشلت أيضاً مثل كثيرين، رغم ما تتكبده من مصاريف وأعباء جسدية للوصول إلى عملها، نتيجة ارتفاع أجور النقل من جهة، وأزمة النقل الكبيرة من جهة ثانية.
أمين سر اتحاد العمال في اللاذقية ليلى إسبر قالت لصحيفة "الوطن" أمس الأربعاء، إن "الظروف المعيشية الحالية وطبيعة العمل الصعبة وقلة الحوافز الإنتاجية تدفع العمال للبحث عن وسيلة عمل أخرى لا تكلف أعباء كثيرة وخاصة ما يتعلق بوسائل النقل التي تزيد من عنائهم وضغوطهم بشكل عام".
ولفت ليلى إلى أن نحو 535 عاملاً بقطاعات مختلفة تابعين لنقابات العمال تقدموا بطلبات استقالة مؤخراً من أعمالهم، نتيجة أسباب عديدة، ولكن تم رفض الطلبات لحاجة المؤسسات لهم وخاصة العمال الفنيين منهم.
وأشارت إلى ضرورة تعديل جدول الأجور والرواتب بما يتناسب مع الوضع الحالي ليصبح الدخل متناسباً مع الإنفاق، في ظل التضخم المعيشي الحاصل بالوقت الحالي.
ووفق دراسة نشرتها جريدة "قاسيون" التابعة لـ"حزب الإرادة الشعبية" شهد متوسط تكاليف معيشة الأسرة السورية، نهاية شهر أيلول 2022، ارتفاعاً بمقدار 563 ألفاً و970 ليرة سورية عن التكاليف التي سُجّلت في شهر تموز الماضي، لتصل إلى ما يقارب الـ3.5 ملايين ليرة سورية، في وقت يعاني فيه أكثر من 9 بالمئة من السوريين من الفقر، بحسب تقارير أممية، بينما يبلغ وسطي رواتب الموظفين لدى حكومة النظام نحو 150 ألف ليرة سورية.