تقارير | 26 04 2022
محمود أبو راس – روزنة
ضمن بلاد اللوحة الفسيفسائية خطوات وتصريحات حكومية وصفها سوريون بغير المسؤولة، متهمين مطلقيها من المسؤولين بالانفصال مع الواقع وتعزيز مفهومي الطبقية والمناطقية.
البداية مع رفع الدعم
منذ صدر قرار رفع الدعم عن فئة من السوريين الذين تم تقسيمهم إلى فئة مدعومة تحت تصنيف الأشد احتياجاً وفقراً، وفئة خارج نطاق الدعم تحت تصنيف الاكتفاء بدأت الاتهامات بتعزيز الطبقية.
إياد 53 عاماً مهندس معلوماتية في دمشق، أكد لروزنة أن القرار الحكومي الغريب من نوعه، ساهم بفرز المجتمع إلى فئتين واحدة مدعومة غنية من وجهة نظر الحكومة، وأخرى غير مدعومة فقيرة.
ولم يستطع الذين حافظوا على الدعم الحكومي، أن يحددوا مشاعرهم، هل هم سعداء ببقاء الدعم أم حزينون على تصنيفهم كفقراء، حتى أن بعض المدعومين حكومياً خجلوا أن يصرحوا عن الأمر.
أغنياء ولم نكن ندري
رؤية إياد توافقت مع السيدة الأربعينية هيام، التي شاركت زميلاتها في المؤسسة العامة حيث تعمل بمحافظة اللاذقية جلسة انقسموا فيها لأول مرة، بين مدعوم خجل من بقاء الدعم، وغير مدعوم مزهو بنفسه ويقول على الملأ: "نحن أغنياء ولم نكن ندري".
اقرأ أيضاً: "البندورة" و "مواطن المستقبل".. 5 تصريحات لمسؤولين سوريين أثارت الجدل
كانت تلك المرّة الأولى منذ بدء هيام وظيفتها العامة قبل أكثر من 15 عاماً، التي تشعر فيها باختلاف بينها وبين زملائها، حسبما روت لروزنة.
لكن الخطورة الأكبر في اعتقاد سناء 29 عاماً، وهي معلمة مرحلة ابتدائية في دمشق، فهو ما حدث لاحقاً بالمدارس بين الطلاب الصغار، إذا بدأت تظهر معاناة أطفال الأسر، التي حافظت على الدعم الحكومي من تنمر كبير ووصف لهم بالفقراء، من قبل طلاب خسرت عوائلهم الدعم الحكومي.
تضيف سناء لروزنة: "حكومة قاصرة النظر بكل ما للكلمة من معنى، كل قراراتها ارتجالية غير مدروسة، أوصلتنا إلى درجة أن جيل كامل سيعاني من الطبقية أو الغرور"، وحملّت الأهل مسؤولية تربية أولادهم، على اعتبار أنه لا يعول على الحكومة أبداً.
طبقية البندورة
لم تتوقف محاولات الحكومة سواءً أكانت مقصودة أم غير مقصودة عند هذا الحد، فقد فاجئ معين الجهني رئيس لجنة تسيير أعمال سوق الهال في اللاذقية على الساحل السوري، المواطنين بتصريح غريب من نوعه.
وقال الجهني في تصريحات نقلتها صحيفة الوطن المحلية في الـ7 من نيسان الحالي، إن تكلفة إنتاج البندورة استثنائية، وبالتالي فإن بيعها سيكون لمستهلك استثنائي يستطيع شرائها، وليس من عامة الشعب، على حد تعبيره.
قوبل تصريح المسؤول السوري، بسخرية كبيرة سواء على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى بين الناس في الشارع السوري.
تقول بتول 32 عاماً خريجة جامعية تعمل في أحد الجمعيات الخيرية إن التصريح "غبي" بالمطلق، وتضيف لروزنة بأنه: "ليس من المعقول أن يتحدث بتلك الطريقة عن سلعة غذائية محلية، أساسية على الموائد السورية".
تتابع السيدة عن تصريحات رئيس لجنة تسيير أعمال سوق الهال في اللاذقية: "لم أفهم من تصريحه سوى أنه يرانا كحشرات وليس كبشر، الموضوع هنا أخطر من مجرد الطبقية إنه نظرة الاستعلاء والاستحقار لنا من قبل المسؤولين الحكوميين".
الجدل الكبير الذي أحدثه تصريح الجهني، وصل إلى مسامع وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، عمرو سالم، الذي كتب عبر صفحته في فيسبوك، قائلاً إن التصريح فيما لو كان صحيحاً يجب إقالة هذا المسؤول.
لكن سالم ذاته، وقع سابقا في فخ الطبقية، حين دعا مطلع عام 2020 قبل أن يصبح وزيراً للتجارة الداخلية، إلى عدم قطع الكهرباء عن حي المالكي، أحد أكثر الأحياء ترفا في العاصمة دمشق.
وحينها لم يحدث تصريح سالم الكثير من الجدل، كونه كان مسؤولاً حكومياً سابقاً (شغل منصب وزير الاتصالات الأسبق)، لتأتي غالبية التعليقات، بما معناه أنه لا يُستغرب مثل هذا التصريح منه كونه وزير سوري سابق.
السيارات لناس وناس
وعلى مبدأ "لا ينسيك همك سوى هم جديد"، لم ينسّ السوريون تصريح البندورة الشهير، إلا بعد صدور تصريح ركوب السيارات الذي فاقه شهرة، والذي جاء على لسان معاون وزير الصناعة أسعد وردة.
وردة قال في تصريحات لإذاعة المدينة إف إم في 11 من نيسان/أبريل الجاري، إن "السيارة أصبحت عبئاً كبيراً على صاحب الدخل المحدود"، واعتبر أن التمسك بالسيارة يزيد العبء على المواطن وعلى الحكومة كثيراً.
وبعد تصريحه هذا وردود الفعل الكثيرة التي أثارها، عاد المسؤول السوري ليوضح بتصريح لا يقل جدلية حين قال: "من لا يستطيع امتلاك سيارة بسعر البنزين العادي، فمن الأفضل أن يستغني عنها".
واعتبر سوريون ذلك التصريح تعزيزاً كبيراً لمفهوم الطبقية وغرسه في المجتمع الذي شهد منذ سنوات اندثار الطبقة الوسطى، وبقي فيه طبقتان واحدة ثرية وأخرى معدمة.
التصريح السابق، أثار غضباً كبيراً لدى علي 41 عاماً، مهندس زراعي في محافظة اللاذقية، وقال إن استخدام السيارة لا يمكن أن يعني بأن الشخص ثري، فالسيارة حاجة خصوصا لأصحاب بعض المهن.
"أنا وكيل لشركة زراعية، وعملي يتطلب مني استخدام السيارة بشكل مستمر هل أتوقف عن عملي، حتى لا أزيد الأعباء على "فخامة الحكومة"؟ تساءل علي في حديثه لروزنة.
أردف علي بأن: "هذه ليست طبقية فحسب، بل وقاحة، هل يفترض أن يتكون المجتمع السوري، من فئتين واحد تضم مسؤوليها وأثرياء الحرب وكبار التجار، يمتلكون كل شيء وسيارات حكومية على حسابنا نحن المواطنين، وطبقة أخرى من سواد الشعب السوري، ممنوع عليها امتلاك السيارات، حتى تعيش طبقة أثرياء الحرب والمسؤولين برفاهية تليق بمقامهم العالي".
وختم علي قائلاً: "نحن من نريد أن نسأل الوزراء والمدراء، كيف تعيشون اليوم، ولماذا لا تتخلون عن السيارات الحكومية وتستخدمون النقل العام الذي عملتم على تدميره وتحويل حياتنا إلى جحيم لا يخلو من كوميديا تصريحاتكم السوداء".
الكهرباء للسياح
وسط دوامة التصريحات، التي قد يقول قائل، إنها مجرد لغو صادر عن أشخاص لا يفقهون شيئاً في علم الإدارة على الأقل الجانب النفسي منه، تبرز قرارات حكومية صادمة تصب في خانة تعزيز الطبقية داخل سوريا.
قد يهمك: الخبز السوري والقمح الروسي.. قرارات ووعود حكومية بصيف أفضل
المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء كانت قد أصدرت قراراً يقضي، بإعفاء مجمع الرمال الذهبية السياحي في طرطوس، من التقنين الكهربائي طيلة 5 أشهر تبدأ من مطلع أيار، وحتى نهاية أيلول القادم.
جاء القرار في ظل معاناة كبيرة يواجهها السوريون من فئة المواطنين العاديين مع الكهرباء، بمعدل تقنين بلغ 5 ساعات ونصف قطع مقابل نصف ساعة كهرباء فقط.
ومن المعروف شعبياً أن مجمع الرمال الذهبية، يحظى بشهرة كبيرة انطلاقاً من كونه يستضيف أبناء المسؤولين وعوائلهم باستمرار.
صدر قرار آخر لاحق، بعدم الموافقة على منح المنتجع المذكور الإعفاء من التقنين، إلا أنه تصريح يرى فيه غالبية المواطنين، أنه مجرد محاولة لإخماد غضب الشارع.
تقول حنان 39 عاماً محامية في طرطوس لروزنة إن هذا الأمر أبسط تعبير عن الطبقية، فبمجرد وجود المنتجعات في مدينتها دون أن تستطيع الحلم بزيارتها، مقابل وجود أشخاص يتواجدون فيها باستمرار، أمر يجعلها تدرك أن الطبقية لا تستمد من التصريحات، بل التصريحات والقرارات ذاتها مبنية على انتشار الطبقية بشكل واسع في المجتمع السوري اليوم.
المناطقية تدخل على الخط
تعزيز الطبقية في المجتمع السوري، ليس الأمر الوحيد الذي يعمل المسؤولون السوريون على تعزيزه، فهناك أمر آخر أشد خطراً وهو تعزيز المناطقية، من خلال قرارات وتصريحات ارتجالية غير مسؤولة.
على سبيل المثال، تصريح وزير الكهرباء غسان الزامل، لإذاعة المدينة إف إم شهر نيسان من العام 2021، حين قال إن الأولوية في الكهرباء يتم منحها للعاصمة دمشق، كونها مركز السفارات العربية والأجنبية، وهي صورة سوريا في الخارج.
قد يقول قائل إنه مجرد تصريح وانتهى الأمر، لكن سوريين يرون أن الإجراءات الحكومية بالكامل تؤكد تمييز دمشق عن باقي المحافظات، بما في ذلك قرار توطين الخبز.
التوطين الذي تم في دمشق يقضي بأن المواطن يستطيع أن يشتري خبزه من أي فرن في العاصمة بأريحية تامة، بينما التوطين الذي تم تنفيذه في باقي المحافظات، يلزم المواطنين بشراء الخبز من فرن بعينه.
وفي حال اضطر هذا المواطن للمغادرة ضمن المحافظة الواحدة لسبب ما، دون أن يكون متواجدا صباحا لشراء خبزه من الفرن المعتمد، فإن لن يستطيع شراء الخبز وسيمضي يومه بلا هذه المادة.
عباس 26 عاماً صحفي يعمل بنظام الأون لاين من محافظة حمص، يقول لروزنة إن تصريح وزير الكهرباء حينها يخالف الدستور السوري، الذي يؤكد أن المواطنين متساوون بالحقوق والواجبات.
بالنسبة لعباس فإن قرار منح دمشق كمية أكبر من الكهرباء تصل لنحو الضعف، أمر يعني بأن الحكومة تعتقد بأن مواطن دمشق درجة أولى ومواطن باقي المحافظات درجة ثانية وثالثة، في تصنيف مناطقي وطبقي، لا يمكن أن ينتج من حكومة تمتلك منطقاً واعياً، يضيف: "حكومة أولاد، لم نتوفق يوماً بحكومة جيدة، كل حكومة أسوأ من التي قبلها".
ربما هناك الكثير من الأمثلة المشابهة، والتي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الحكومة إما أنها جاهلة باحتياجات وثقافات مواطنيها، أو أنها تتعمد إبراز الفروقات الاجتماعية وتعزيز المناطقية والطبقية، كون أعضائها يعيشون في عليائهم دون أي معاناة مع الفوارق الاجتماعية.