تقارير | 28 09 2021
مالك الحافظ
كما أحبّ بعض اللاجئين السوريين في ألمانيا تسميتها، تغادر "ماما ميركل" أو أنجيلا ميركل منصب المستشارية الألمانية بعد أن شغلته لقرابة الـ 16 عاماً كأول امرأة في تاريخ ألمانيا، وهي التي عرف عنها في أوروبا السماح باستقبال عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين (ما عُرف بسياسة الأبواب المفتوحة) خلال موجة اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي عام 2015.
بعد انتهاء الانتخابات النيابية في جمهورية ألمانيا الاتحادية يوم الأحد الماضي، تستعد المستشارة ميركل لمغادرة منصبها خلال الأسابيع المقبلة، ريثما يتم التوافق بين الأحزاب الفائزة في الانتخابات لتشكيل حكومة جديدة وتعيين مستشار جديد يخلف ميركل في المنصب.
ولعل السؤال الأبرز المتعلق بسوريا حيال هذا الملف يدور حول شخصية المستشار الجديد والسياسة الخارجية للتحالف الحكومي التي ستحدد شكل التعامل مع الملف السوري، وإذا ما كانت السياسة الألمانية ستتغير أم لا. بموازاة التساؤل حول السياسة المرتقبة للتعامل مع اللاجئين السوريين في ألمانيا.
حقق الاشتراكيون الديمقراطيون الألمان تقدما طفيفا على المحافظين في الانتخابات، التي أجريت الأحد، بحسب تقديرات استندت إلى نتائج أولية.
وحصد الاشتراكيون الديمقراطيون بزعامة وزير المال ونائب المستشارة المنتهية ولايته، أولاف شولتز (63 عاماً)، على ما بين 24.9 و25.8 في المئة من الأصوات، مقابل ما بين 24.2 و24.7 في المئة للاتحاد المسيحي الديمقراطي بزعامة أرمين لاشيت (60 عاماً).
وحل حزب الخضر في المرتبة الثالثة بحصوله على ما بين 14.7 و14.8 في المئة، متقدما على الحزب الليبرالي الذي نال ما بين 11.2 و11.8 في المئة من الأصوات.
تَصدُر الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة أولاف شولتز النتائج الأولية الرسمية للانتخابات، يُرشح وزير المالية الحالي ونائب المستشارة ميركل (منذ اذار 2018) لخلافتها في منصبها بالرغم من الانتقادات التي تنتقد حضوره، وتعتبر أنه يفتقد لكاريزما السياسيين الكبار.
ويعني تقارب النتائج دخول الأحزاب الرائدة في مشاورات مع بعضها البعض قبل الشروع في مفاوضات رسمية لتشكيل ائتلاف قد تستغرق شهورا وهو ما يبقي ميركل (67 عاما) في السلطة لتصريف الأعمال، قبل وصول شولتز إلى المستشارية، وهو الأوفر حظاً، بينما يأتي لاشيت كخيار ثان، إلا أنه يبقى بفرص أقل.
السياسة الخارجية لميركل
السياسة الخارجية للحكومة الألمانية السابقة (خلال فترة ميركل) تجاه سوريا عبّر عنها بوضوح وزير الخارجية، زيجمار جابرييل، خلال لقاء نظرائه الأوروبيين عبر مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، مطلع شهر نيسان الماضي.
وبيّن آنذاك أن برلين تؤيد الحل السياسي عبر مسار جنيف والقرار الأممي 2254، دون أن تؤثر مهام مكافحة الإرهاب وتنظيم داعش على مسار العملية السياسية، إلى جانب دعم ألمانيا لوضع دستور جديد وتشكيل حكومة جديدة وديمقراطية.
لم يخرج الموقف الألماني عن موقف الدول الأوروبية خلال السنوات الماضية، مؤكدة على دعم الانتقال السياسي كشرط لدعم مرحلة إعادة الإعمار.
قد يهمك: موجة لجوء جديدة للسوريين.. هل تُلغي احتمالات العودة للوطن؟
في حين ركّزت المساعدات الإنسانية الألمانية على دعم الشعب السوري للتغلب على آثار الحرب. ووفرت أكثر من عشرة مليارات يورو منذ بداية الصراع، تم توزيعها من خلال الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الإنسانية غير الحكومية.
تعتقد الحكومة الألمانية أن السلام الدائم في سوريا ممكن فقط من خلال التحقيق في جرائم الحرب والفظائع التي ارتكبت خلال النزاع وتقديم الجناة إلى العدالة. لهذا السبب، تقدم ألمانيا دعما للمبادرات والآليات الدولية التي تستهدف الإفلات من العقاب في الصراع السوري.
في الوقت الذي لم تُعلن فيه مواقف واضحة لـ أولاف شولتز، تجاه دمشق وبشار الأسد، كان أرمين لاشيت قد أشاد عام 2014 بدور روسيا في سوريا، كما أظهر نوعا من التفهم لموقف بشار الأسد، قائلاً في وقت سابق "لقد كان هناك على الأقل تنوع ديني معين قبل الانتفاضة الشعبية"، ورأى لاشيت أن الإسلاميين أكثر خطورة من النظام السوري.
الباحثة السياسية، د.سميرة مبيض، قالت لـ "روزنة" إن خروج ميركل عن المشهد السياسي الألماني والأوروبي، يعد عاملاً هاماً ومؤثراً في آلية التعامل مع الملف السوري.
وتابعت بالقول أن "المواقف الألمانية اتسمت بالحزم تجاه الدفع نحو حلول عادلة للقضية السورية، يتعلق مدى هذا التأثير بالسياسات القادمة التي ستُعتمد في ألمانيا وفي مدى نجاح تحالفات ميركل السياسية في الاستمرارية مع وجود منافسة تيارات أخرى تعطي أهمية أكبر للشؤون الداخلية".
متأملة ألا يؤثر ذلك على تعاطي ألمانيا مع الملف السوري، وأن يبقى بذات القوة والأهمية بالأخص مع وجود أعداد كبيرة من السوريين في ألمانيا، "مع أهمية الذي يعوله الشعب السوري على دور إيجابي أوروبا عموماً ومن ضمنها ألمانيا كدول تتبنى حقوق الإنسان وتطبقها على أراضيها".
ماذا عن اللاجئين السوريين؟
خلال فترة ولاية أنغيلا ميركل كمستشارة كانت عبارة "سننجح في المهمة" العبارة الأكثر شهرة لها. وكان الهدف من تلك الجملة؛ منح الشعور بالثقة في مواجهة مهمة كبيرة فرضتها على نفسها بعد قرارها فتح الباب أمام اللاجئين عام 2015. فخلال أسابيع قليلة آنذاك وصل عشرات الآلاف من اللاجئين إلى ألمانيا بشكل أساسي عن طريق البلقان. الكثير منهم ظلوا في البداية عالقين في المجر.
وقدم معظم طالبي اللجوء من سوريا، ورغم أن دول الاتحاد الأوروبي التي دخلوها أول مرة هي المسؤولة عن دراسة طلبات لجوئهم إلا أن ميركل سمحت لهم بالدخول إلى بلادها. وتم تأجيل دراسة طلبات اللجوء إلى وقت لاحق.
اقرأ أيضاً: سوريون في البرلمان الألماني.. هل يُعلَن قريباً عن مجلس سياسي سوري أوربي؟
يبقى السؤال المطروح إلى أي مدى نجحت ألمانيا في مهمة إدماج اللاجئين بعد مرور ست سنوات على العبارة الشهيرة لميركل. ويجيب وزير الداخلية الأسبق توماس دي ميزير عن السؤال قائلا "لقد حققنا الكثير". وبدوره يرى زميله في الحزب المسيحي الديمقراطي باتريك سينسبيرغ أن ألمانيا "تعاملت بشكل جيد مع أزمة اللاجئين عام 2015".
أما السياسية إيرين ميهاليك من حزب الخضر فترى أن "الاندماج لا يحدث بين عشية وضحاها". وتضيف "سنواصل التعامل مع الملف على جميع المستويات. لكنني مقتنعة بأن الهجرة فرصة عظيمة لألمانيا، خاصة في مجالي سوق العمل والنمو الديموغرافي".
نفس النتيجة خلصت إليها الدراسات التي أجراها "المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية" الذي يرى أن ألمانيا في طريقها إلى النجاح في إدماج اللاجئين. غير أن المعهد يضيف أنه سيتعين على اللاجئين والمجتمع المضيف بذل الكثير من الجهود في سبيل ذلك.
الشخصية الأوفر حظاً لخلافة ميركل، أولاف شولتز، أكّد في تصريحات سابقة حول اللاجئين، أن المهاجرين يُعتبرون فرصة كبيرة لبلاده، قائلاً في كلمة ألقاها خلال لقائه مجموعة من الشباب في مبنى بلدية إهرنفيلد في كولونيا "الهجرة الكبيرة إلى ألمانيا في السنوات الأخيرة أمر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار. أولئك الذين هاجروا إلى بلدنا ساهموا كثيراً في رفاهية ألمانيا".