"القمامة" مصدر رزق لكثيرين في الرقة

تقارير | 28 08 2020

عبد الله الخلف

لم يعد مشهد رؤية أشخاص يجمعون المخلفات من حاويات القمامة من أجل بيعها، مشهداً مستفزاً في مدينة الرقة، فقد أصبحت هذا المهنة مصدر رزق للكثيرين خلال السنوات الأخيرة، بعد تردي الوضع المعيشي وازدياد نسبة الفقر.


أحمد شاب في أوائل العشرينيات من عمره، يخرج من منزله الواقع شمال المدينة كل يوم قبيل شروق الشمس، برفقة والدته وشقيقته الصغرى، بواسطة عربة يجرها حصان، يجوبون شوارع المدينة، يمرون بحاويات القمامة ومكبات النفايات، يقلّبون الأوساخ بأيديهم دون أي إجراءات وقاية صحية، بحثاً عن مخلفات مثل النايلون والكرتون والبلاستيك وغيرها، من أجل بيعها نهاية اليوم لأحد التجار مقابل مبلغ زهيد.

ويقول أحمد لـ"روزنة": "منذ ثماني سنوات ونحن على هذه الحالة، كل العائلة تعمل في القمامة، في السابق كان والدي عامل بناء، ولكن بعد وفاته فقدنا المعيل الوحيد، واضطررنا لهذا العمل أنا وأمي وأختي، ونعمل في الصيف على فترتين، من طلوع الشمس وحتى الساعة التاسعة أو العاشرة صباحاً، وبعدها نذهب للراحة في المنزل ونضع ما قمنا بجمعه هناك، ونعود لاستكمال العمل بعد أن تخف حرارة الشمس عصراً وحتى الغروب، وفي نهاية اليوم يأتي تاجر إلى المنزل ويشتري ما قمنا بجمعه من نايلون وبلاستيك وكرتون وتنك وغيرها، يضعها على الميزان ويدفع لنا، ولا يتجاوز المبلغ 4000 ليرة سورية في أحسن الأحوال، وأحياناً 3000 أو 2000 حسب ما نجده في الحاويات والمكبات".
 

وقرب مكب النفايات شمال شرقي مدينة الرقة، يقع مخيم سهلة البنات، توجد فيه نحو 300 عائلة نازحة، جميعهم يعيشون من العمل في مكب النفايات، رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً، يغطي السواد وجوههم وأيديهم وثيابهم البالية بسبب الأوساخ، والروائح الكريهة لا تطاق في المخيم، حيث توجد قرب كل خيمة أكياس كبيرة جمعوا فيها المخلفات من مكب النفايات.

اقرأ أيضاً: "خسرنا كل شيء"... قصص سوريين في نكبة بيروت

عندما تأتي شاحنة نقل القمامة إلى مكب النفايات، يتدافع سكان المخيم ويهجمون باتجاه ما قامت بتفريغه، يحاول كل منهم أن يسبق الآخر ويجمع الحصة الأكبر، مشهد مأساوي كما تصفه شمسة المحمد (70 سنة) نازحة من دير الزور، تقيم في المخيم وتعمل يومياً في جمع المخلفات من المكب رغم تقدمها في السن.

وتقول لـ"روزنة": "لم أكن أتصور أن أعيش مثل هذه الظروف، كنا في بيوتنا نعيش كراماً في دير الزور، ولكنها تدمرت جراء قصف الطيران ولم يعد بإمكاننا العودة، النزوح قاسٍ، لم نجد عملاً إلا هذا، الروائح الكريهة قتلتنا، ومعظم سكان المخيم أصابهم الجرب، والأطفال وفتكت بهم الأمراض، لم تقدم لنا المنظمات مساعدة تذكر، نتمنى لو يلتفتون لنا ويقدمون لنا معونات تغنينا عن هذا العمل الشاق والضار".

أم سعد (35 سنة)، سيدة عراقية، تعيش مع زوجها السوري وأطفالها الخمسة في مدينة الرقة، نزحوا من دير الزور منذ ثلاث سنوات بعد سيطرة قوات النظام على قريتهم، تعرض زوجها لإصابة بليغة جراء قصف الطيران وبترت ساقيه على إثر ذلك، لتجد أم سعد نفسها مجبرةً على العمل لإعالة زوجها وأطفالها.

تقول أم سعد إنها بحثت عن عمل ولم تجد، ثم رأت بعض النساء يجمعن المخلفات من القمامة، وبدأت تذهب معهن من أجل تأمين لقمة العيش لعائلتها، وتضيف لـ"روزنة":  "أنا ابنة حسب ونسب وعز، هذا العمل لا يليق بي، ولكن لم أجد حلاً آخر، أهلي في العراق أيضاً نازحون ومشردون ولا أستطيع أخذ أسرتي والذهاب إليهم، هذا العمل صعب للغاية، أنظر إلى حالتي، يدي أصبحت خشنة كالرجال، ومن يراني يقول إن عمري 60 عاماً وليس 35، ماذا عساي أن أقول؟ أتركها على الله!".

قد يهمك: اللاجئون السوريون في لبنان تحت خط الفقر المدقع!

الأطفال أيضاً هم أكثر من يعملون في هذه المهنة، مثل أيهم البالغ من العمر 13 عاماً، بذراع واحدة يحمل كيساً كبيراً من النايلون يجمع فيه المخلفات من القمامة، ذراعه اليمنى بترت جراء انفجار لغم أرضي من مخلفات تنظيم داعش عندما كان يلعب مع أصدقائه قرب منزله في حي الطيار غربي الرقة منذ سنتين.

يقول أيهم لـ"روزنة": "أبي متوفي، وأمي تعمل خادمة في البيوت، ولدي ثلاثة إخوة أصغر مني، أنا وأمي نصرف عليهم، عمل أمي لا يكفي، هي لا تعمل كل يوم، لذلك أنا أعمل في جمع المخلفات من حاويات القمامة لكي نعيش، أتمنى لو أحصل على ذراع صناعية، وأذهب للمدرسة وأرتاح من هذا العمل".

وكان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة حذّر في أواخر شهر حزيران الماضي من أن سوريا تواجه أزمة غذاء غيرمسبوقة، حيث يفتقر أكثر من 9.3 مليون شخص إلى الغذاء الكافي، في ظل تفشي فيروس كورونا، موضحاًَ أن عدد الأشخاص الذين يفتقرون إلى المواد الغذائية الأساسية ارتفع بواقع 1.4 مليون خلال النصف الأول من العام الحالي.

وفي أواخر شهر تموز الفائت، أعلنت الهيئة العامة للطب الشرعي، لدى حكومة النظام السوري، توثيق 6 حالات انتحار خلال أسبوعين في دمشق وريفها والقنيطرة وحلب وطرطوس، تزامناً مع انخفاض قيمة الليرة السورية بشكل متسارع، حيث تجاوزت الـ 3 آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد آنذاك، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية لأضعاف.

بودكاست

شو الحل؟ - الموسم الثالث

شو الحل؟ - الموسم الثالث

بودكاست

شو الحل؟ - الموسم الثالث

شو الحل؟ - الموسم الثالث

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض