تقارير | 15 10 2026
لودي علي
ينشر هذا التقرير في إطار الشراكة الإعلامية بين روزنة وملتقى خبز ونت ٢٠٢٦
مع تحولات المشهد السياسي في سوريا، والحديث عن ضرورة إصلاح مؤسسات الدولة، هناك ملف محوري يكاد يكون غائباً عن معظم هذه المداولات، ألا وهو المصير الذي ينتظر الحوكمة الرقمية في سوريا.
وعلى الرغم من أن مسارات العدالة الانتقالية تحرص عادةً على قضايا مثل تعديل الدستور، ومحاسبة المتورطين، وتعويض المتضررين، وإعادة هيكلة المؤسسات، فإنها قلّما تتعامل مع الحقوق الرقمية كعنصر من عناصر الانتقال إلى دولة أكثر التزاماً بحقوق الإنسان، مع أن هذه المسائل تلامس بشكل مباشر طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن.
وهذا الملف لا يقتصر نطاقه على تشريعات الجرائم الإلكترونية فحسب، بل يمتد ليشمل أيضاً السياسات المتعلقة بإدارة البيانات الشخصية، وطرق جمع المعلومات وتخزينها، والسجلات الحكومية، وأدوات المراقبة التقنية، والمنظومة القانونية التي تحكم الخصوصية والوصول إلى المعلومة.
انطلق ملتقى "خبز ونت" في بيروت أمس الأربعاء 14 تشرين الأول 2026، بسلسلة من الجلسات المرتبطة بالحقوق الرقمية، شارك فيها مهتمون وناشطون في هذا المجال، وكان لسوريا في اليوم الأول من الملتقى فرصة لمناقشة موضوع العدالة الانتقالية الرقمية.
وتنعقد النسخة الثامنة من الملتقى تحت شعار "فضاءات نتخيلها"، بمشاركة عشرات الصحفيين والأكاديميين وصناع المحتوى، ويستمر لثلاثة أيام في بيروت، ويضم 90 جلسة لمناقشة السيادة الرقمية وأثر التكنولوجيا على المجتمع والاقتصاد والخصوصية وحرية التعبير.
الحقوق الرقمية مهملة خلال مرحلة العدالة الانتقالية
في تصريح لروزنة، قال بسام أحمد، المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، إن موضوع الحقوق الرقمية تم إهماله خلال مرحلة العدالة الانتقالية، ويجب إدماج هذه الحقوق في مسار العدالة الانتقالية، لا سيما وأن هناك ترابطاً كبيراً بين موضوع الحقوق الرقمية وعناصر العدالة الانتقالية، سواء إنصاف الضحايا أو كشف الحقيقة أو المساءلة أو جبر الضرر أو إصلاح المؤسسات.
ولدى "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" مشروع في هذا السياق، وهو مشروع "جسور الرقمية"، الذي يهدف إلى دمج الحقوق الرقمية ضمن مسار العدالة الانتقالية. وكانت جلسة اليوم في هذا السياق عبر ملتقى "خبز ونت"، لشرح أهمية هذه الحقوق الرقمية، بما في ذلك الأدلة الرقمية وكيفية الاستفادة منها في هذا المسار، والتي لا تُعطى اهتماماً كافياً حالياً.
ويكمن التحدي الأساسي، بحسب أحمد، في أن الحقوق الرقمية لم يتم دمجها بمسار العدالة الانتقالية، وغياب استراتيجية الاعتماد على الأدلة الرقمية في هذا المسار، والحاجة إلى نشر التوعية لأهمية هذه الحقوق وقدرتها على تحسين مسارات العدالة.
وأكد أحمد خلال جلسة ملتقى "خبز ونت" التي تناولت موضوع العدالة الانتقالية الرقمية في سوريا، أن العدالة الانتقالية الرقمية هي عملية الانتقال إلى بناء قواعد وإجراءات حفظ البيانات والوصول إليها، وحماية الخصوصية وتعزيزها، والمساءلة عن إساءة استخدام البيانات أو انتهاكها، وليس فقط الاستفادة منها كأدلة رقمية في محاكمة الأفراد أو توثيق الانتهاكات الماضية أو تخليد الذكرى.
التكنولوجيا كأداة للرقابة وانتهاك الحقوق
تحدث رياض علي، قاضٍ ومستشار قانوني، والذي شارك في الجلسة نفسها عن التكنولوجيا كأداة للرقابة، مسلطاً الضوء على إساءة استخدام الأجهزة الأمنية للتكنولوجيا كأداة لانتهاك حقوق الإنسان، والتقصي خارج إطار القانون، وعدم خضوع التقصي الرقمي للرقابة القضائية، واعتماد "قانون البينات السوري / قانون الأدلة السوري" والقوانين الإجرائية على وسائل إثبات تقليدية دون الأدلة الرقمية.
وأضاف أنه يجب مراجعة القوانين والصياغات الفضفاضة ضمنها، والتي تقيد الحريات، ووضع ضمانات قانونية واضحة لأي وصول إلى البيانات الشخصية أو الاتصالات، يجب أن تشمل الضرورة والتناسب والرقابة القضائية المستقلة.
وشدد على ضرورة وجود هيئة رقابية مستقلة ومختصة بحماية البيانات، وفعاليتها في مساءلة الجهات العامة والخاصة، وتطوير قواعد الإثبات الرقمي، وبناء قدرات القضاة والمدعين العامين.
كيف نحمي البيانات وننظم الوصول إليها؟
وفي هذا السياق قال وائل موسى، خبير تكنولوجيا معلومات وأمن رقمي، إن حماية البيانات تبدأ من جرد البيانات والأنظمة عبر تحديد أنواع السجلات ومواقعها والجهات المسؤولة عنها، ثم تصنيف الحساسية والمخاطر بالتمييز بين البيانات العامة والشخصية والحساسة والأدلة التي تتطلب حماية خاصة.
وأشار إلى أهمية تحديد الغرض والصلاحيات عبر تحديد الأساس القانوني، وجمع القدر الضروري، وقصر الوصول على المخولين، وتأمين البيانات عبر التشفير، والنسخ الاحتياطية الآمنة، وحماية الحسابات والأجهزة.
لافتاً إلى ضرورة حفظ سلامة السجلات والأدلة عبر توثيق عمليات النقل والوصول والتعديل، والتحقق من سلامة الملفات وسلسلة حيازتها، والمراجعة والمساءلة عبر التدقيق في السجلات والاستجابة للحوادث، ومراجعة الصلاحيات وسياسات الاحتفاظ والحذف.
الحقوق الرقمية
يبقى السؤال الأهم: هل ستُدمج الحقوق الرقمية فعلاً في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، أم ستظل ملفاً مؤجلاً إلى حين؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى أي مدى يمكن الحديث عن انتقال حقيقي نحو دولة تحترم حقوق الإنسان.

