عدالة انتقالية | 11 10 2026
لا تزال سوريا طرفاً في دعوى أمام محكمة العدل الدولية، رفعتها هولندا وكندا على خلفية اتهامات بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. وبينما سقط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وتولت سلطة انتقالية إدارة البلاد، تستمر تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز، ما يفتح سؤالاً جديداً: هل تلتزم السلطات السورية الحالية بالتدابير التي أمرت بها المحكمة، وما الذي يمكن أن يعنيه استمرار الانتهاكات بالنسبة إلى القضية؟
قضية ضد الدولة السورية لا ضد نظام الأسد
رفعت هولندا وكندا الدعوى أمام محكمة العدل الدولية عام 2023، متهمتين سوريا بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب.
المحكمة أمرت سوريا، في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 من بين أمور أخرى، باتخاذ تدابير لمنع أعمال التعذيب والمعاملة القاسية، والحفاظ على الأدلة المتعلقة بالانتهاكات المزعومة.
ورغم أن الدعوى بدأت في عهد بشار الأسد، فإن الطرف فيها هو الجمهورية العربية السورية، وليس شخص الرئيس السابق أو حكومته حصراً. لذلك فإن تغيير السلطة السياسية لا ينهي القضية تلقائياً، ولا يلغي التزامات الدولة بموجب الاتفاقية.
ويقول المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان ميشيل الشماس لـ"روزنة" إن "تغير السلطة السياسية لا يعني انتهاء مسؤولية الدولة السورية كطرف في الدعوى، فالقضية مرفوعة ضد الجمهورية العربية السورية". فالمحكمة ستنظر إلى التزامات الدولة بموجب الاتفاقية والوقائع والأفعال المنسوبة إليها، والمسائل الزمنية والاختصاصية وغيرها.
من سجون الأسد إلى مراكز الاحتجاز الحالية
ارتبط عهد نظام بشار الأسد لعقود بانتهاكات واسعة في أماكن الاحتجاز، شملت التعذيب والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري.
وفي عام 2022، أقرّت السلطات السورية السابقة قانوناً يجرّم التعذيب، وينص على عقوبات تصل إلى السجن المؤبد في بعض الحالات، والإعدام إذا أدى التعذيب إلى وفاة الضحية أو تخلله اعتداء جنسي.
لكن سقوط النظام لم ينهِ المخاوف المرتبطة بأماكن الاحتجاز.
ووثق التحقيق حالات وفاة في عدد من مرافق الاحتجاز، فيما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان حالات وفاة أخرى خلال عام 2025.
الأمم المتحدة: سوريا غنية بالأدلة على الانتهاكات رغم محاولات الطمس
فبعد كانون الأول/ديسمبر 2024، ظهرت تقارير عن استمرار حالات اعتقال وتعذيب وسوء معاملة في مراكز احتجاز تديرها السلطات الجديدة، بينها منشآت كانت مستخدمة في عهد النظام السابق.
وكشف تحقيق لوكالة "رويترز" نُشر في كانون الأول/ديسمبر 2025 أن ما لا يقل عن 28 سجناً ومركز احتجاز من عهد نظام الأسد عادت إلى العمل خلال العام السابق، بينها سجن عدرا ومراكز استخباراتية ومرافق احتجاز أصغر.
وقالت "رويترز" إنها جمعت أسماء ما لا يقل عن 829 شخصاً اعتُقلوا لأسباب أمنية منذ سقوط الأسد، اعتماداً على مقابلات مع معتقلين سابقين وعائلاتهم وقوائم غير مكتملة أعدها أشخاص نظموا زيارات عائلية إلى مراكز الاحتجاز.
هل تؤثر الانتهاكات الحالية في القضية؟
هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً.
فوجود حالات تعذيب جديدة لا يعني تلقائياً أن محكمة العدل الدولية ستعتبرها جزءاً من الوقائع التي تنظر فيها في الدعوى، أو أنها ستؤدي بالضرورة إلى حكم جديد ضد سوريا.
لكن استمرار الانتهاكات قد يكون مهماً عند تقييم مدى التزام الدولة السورية بالتزاماتها الدولية، ولا سيما إذا ثبت أن السلطات الحالية كانت على علم بالانتهاكات ولم تتخذ إجراءات فعالة لمنعها أو التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها.
ويقول الشماس إن "استمرار التعذيب اليوم لا يساعد الدولة السورية في تحسين موقفها أمام محكمة العدل الدولية، خصوصاً إذا لم تترافق هذه الحالات مع تحقيقات مستقلة وشفافة ومحاسبة للمسؤولين عنها".
ويضيف أن على السلطات السورية الجديدة أن تثبت "بأفعال لا بالأقوال" أنها تتخذ إجراءات لمنع التعذيب، وتحمي المحتجزين، وتحقق في الانتهاكات وتحاسب مرتكبيها.
المسؤولية لا تتعلق فقط بوقوع الانتهاك
لا يتوقف السؤال القانوني عند ما إذا كان شخص ما قد تعرض للتعذيب، بل يمتد إلى كيفية تعامل الدولة مع الواقعة.
هل فتحت السلطات تحقيقاً مستقلاً؟ هل حُفظت الأدلة؟ هل جرى تحديد المسؤولين؟ هل تمت محاسبتهم؟ وهل توجد آليات تمنع تكرار الانتهاكات؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من مجرد عدد الحالات المسجلة، لأنها تتصل بالتزام الدولة بمنع التعذيب والتحقيق فيه ومحاسبة مرتكبيه.
ويقول الشماس إن تحسين موقع سوريا القانوني يتطلب إجراءات واضحة تثبت أن التعذيب ليس سياسة تتسامح معها الدولة، وأن أي انتهاك يخضع للتحقيق والمساءلة.
تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن عام 2025 يتحدث عن 32 شخصاً توفوا بسبب التعذيب في سوريا خلال 2025، ومنهم 16 على يد قوات الحكومة السورية.
وفاة محمد غميرة.. اختبار جديد
تبرز في هذا السياق قضية محمد غميرة، الذي توفي بعد احتجازه لدى الشرطة، وسط اتهامات بتعرضه للضرب والتعذيب.
وأعلنت السلطات التحقيق في القضية واحتجاز عدد من عناصر وزارة الداخلية على خلفية ملابسات الوفاة، بينما لا تزال المسؤولية الجنائية النهائية عن الوفاة مرتبطة بنتائج التحقيق والقضاء.
كما ظهرت حالات أخرى تتعلق بوفاة أشخاص أثناء الاحتجاز أو بعده، من بينها قضية لؤي ظروف في سجن النبك، وسط حديث عن تعرضه للتعذيب، وهي وقائع تحتاج إلى مزيد من التحقق والتحقيق المستقل قبل الجزم بأسباب الوفاة أو المسؤولية عنها.
وتكتسب هذه القضايا أهمية إضافية لأنها تأتي بعد صدور التدابير المؤقتة لمحكمة العدل الدولية، وفي وقت تسعى فيه السلطات السورية الجديدة إلى إثبات اختلاف ممارساتها عن ممارسات النظام السابق.
من الاشتباه إلى الضرر.. من يحاسب بعد وفاة محمد غميرة؟
طريق طويل أمام السلطات السورية
لا تزال الدعوى أمام محكمة العدل الدولية قائمة، ولم يصدر حكم نهائي فيها يحسم مسؤولية سوريا عن الادعاءات المطروحة أمام المحكمة.
وفي الوقت نفسه، تضع التقارير عن التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز السلطات السورية أمام اختبار يتجاوز الملف الداخلي لحقوق الإنسان.
فبالنسبة إلى دولة تواجه دعوى دولية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، لا يكفي إعلان الالتزام بمنع التعذيب؛ بل يصبح إثبات ذلك من خلال الممارسة، والتحقيق، والمحاسبة، وحماية المحتجزين، جزءاً أساسياً من قدرتها على إظهار التزامها بتعهداتها الدولية.
وبينما تواصل القضية مسارها أمام محكمة العدل الدولية، لا يتعلق الاختبار أمام السلطات السورية فقط بوقف التعذيب، وإنما بقدرتها على إثبات ذلك من خلال التحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وحماية المحتجزين، والحفاظ على الأدلة. ويبقى السؤال: هل تستطيع السلطات الجديدة أن تثبت، بالممارسة لا بالتصريحات، أن التزامات سوريا بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب تُحترم؟



