القمح السوري: حرائق تلتهم المحصول وأجور حصاد كاوية

القمح السوري: حرائق تلتهم المحصول وأجور حصاد كاوية

تقارير وتحقيقات | 3 07 2026

حبيب شحادة

على عكس ما يحمله "موسم الحصاد" عادةً من بهجة جني المحصول، تحوّلت نهاية هذا الموسم في محافظة الحسكة إلى كابوس حقيقي عاشه المزارع الخمسيني خالد. فبين ألسنة لهبٍ التهمت جنى عمره، وأزمة وقود خنقت ما تبقى من أمل، وجد نفسه يخوض معركة خاسرة ضد الوقت والتكاليف الباهظة التي أثقلت كاهله.

"أكلت النيران رزقنا".. بهذه الكلمات الممزوجة بالمرارة، يختصر خالد في حديثه لـ "روزنة" مأساة احتراق 50 دونماً من محصوله.

لم تكن النيران وحدها خصم المزارع الخمسيني؛ إذ زاد انقطاع مادة المازوت وارتفاع أسعارها في السوق السوداء معاناته، حيث ارتفع سعر برميل المازوت إلى أرقام قياسية تراوحت بين 180 و200 دولار أمريكي، ما تسبب في شلل حركة الحصادات ورفع أجورها إلى مستويات غير مسبوقة.

وبينما بلغت أجرة حصاد الدونم الواحد حوالي 17 دولار أمريكي كما قال خالد لـ "روزنة"، أقرت الحكومة تعرفة رسمية للحصاد بمقدار 150 ألف ليرة للدونم الواحد، لكن لم يلتزم بها أصحاب الحصادات، كما أوضح لـ "روزنة" حسين جاسم اصطيف، رئيس جمعية فلاحية بريف حماه الشمالي الغربي.

ومع ذلك، لم تنتهِ معاناة خالد عند احتراق بعض حقوله، فبعد مشقة حصاد ما نجا من الإنتاج، اصطدم خالد بجدار آخر من العقبات الروتينية والشروط "المعيقة"، لتسليم محصوله لصوامع الحبوب الحكومية، وتحولت رحلة البحث عن لقمة العيش إلى دوامة معقدة من الخسائر المستمرة.

وكانت قد أطلقت المؤسسة السورية للحبوب منصة حجز أدوار استلام الأقماح بهدف تنظيم وتسهيل عمليات التوريد. ويجب على المزارعين، وفق المنصة، إنشاء حساب، وإدخال بياناتهم وشهادة المنشأ، وتحديد موعد مسبق لتسليم المحصول في المركز المعتمد.

وحددت الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك، 11 فرعاً مشاركة في الاستلام، و80 مركز ميداني لاستلام القمح من المزارعين، وبلغ عدد الكميات المسلمة خلال حزيران/يونيو الفائت مليوناً و244 ألفاً و682 طناً، بعد تنفيذ 67 ألفاً و 916 عملية تسليم في مختلف المحافظات، وفق بيانات وزارة الاقتصاد والصناعة.


منصة الحجز.. تُعيق التسليم

تُواجه عملية استجرار محصول القمح للموسم الحالي عقبات إدارية وتنظيمية غير متوقعة، تحولت معها "منصة الحجز الإلكتروني" التي استحدثتها الجهات الحكومية لتنظيم الدور، إلى عائقٍ رئيسي يُهدد سلامة المحصول الاستراتيجي ويثير استياءً واسعاً بين المزارعين.

وتتصاعد المطالبات في عدة مناطق سورية بضرورة تسريع مواعيد الاستلام وتقليص فترات الانتظار، في ظل مخاوف حقيقية من تلف المحصول أو تعرضه لخطر الحرائق الناتجة عن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.

مواعيد مؤجلة

تختزل قصة المزارع خالد معاناة المئات من المزارعين، إذ يروي أنه بادر بالحجز على المنصة الرقمية قبل إنهاء عمليات الحصاد، ليُصدم بتحديد موعد للتسليم بعد 20 يوماً من تاريخ الحجز.

يعيش خالد اليوم قلقاً مستمراً من أن تطال الحرائق تعب موسمه كاملاً قبل أن يصل إلى الصوامع الحكومية.

ولا تختلف حال خالد عن حال المزارع عبد الواحد من ريف حماة، والذي واجه المعاناة ذاتها في محاولته لتسليم إنتاجه إلى صوامع الحبوب الحكومية.

"لا نقرأ ولا نكتب"

في حديثه لـ "روزنة"، ينقل عبد الواحد نبض المعاناة من الميدان، موضحاً أن العديد من مزارعي ريف حماة توجهوا بجراراتهم المحملة بالقمح فور انتهاء الحصاد نحو صوامع "محردة" و"قلعة المضيق"، ليُفاجؤوا بقرار يمنع الاستلام دون حجز مسبق عبر المنصة.

يقول عبد الواحد: "أغلبنا مزارعون بسيطون لا يجيدون القراءة والكتابة، ولم نسمع بهذه المنصة أو بآلية حجز الدور المسبق من قبل".

ويستغرب رئيس الجمعية الفلاحية اصطيف إطلاق منصة الكترونية بين "يوم وليلة"، دون مراعاة مدى قدرة المزارعين على التوفيق بين موعد الحصاد وموعد تسليم المحصول بعد حجز الدور. إضافةً إلى غياب المعلومات والتفاصيل المقدمة للمزارعين عن نظام الحجز الجديد.

وأوضح أن توقف الحجز على المنصة لمدة 10 أيام خلال شهر حزيران/يونيو الجاري بسبب أعطال فنية، أسفر عن تكدس الشاحنات والجرارات المحملة بالقمح أمام مراكز الاستلام دون مواعيد تسليم، وسط محاولات بائسة من الفلاحين لتفريغ حمولتها تفادياً لخسائر مالية جراء أجور النقل والانتظار.

"شهادة المنشأ" عقبة أخرى

إلى جانب أزمة المنصة، برزت معضلة "شهادة المنشأ" كعائق إضافي، إذ فرضت الجهات الحكومية هذه الشهادة لتحديد الحد الأقصى للكميات التي يحق للمزارع بيعها للدولة، استناداً إلى تقديرات إنتاجية قديمة وسابقة لملكية الأرض. وهذه الشهادة لا تقلبها منصة الحجز الالكتروني في أغلب الحالات كما قال اصطيف، "ما يربك المزارعين بهذه التفاصيل التقنية التي لا يعرفونها" وفق تعبيره.

ويرى مزارعون أن هذه الآلية مجحفة للغاية هذا العام، كونها لا تأخذ بالحسبان الطفرة الإنتاجية الحالية مقارنة بالسنوات السابقة التي ضربها الجفاف والتغير المناخي. إذ تجاوز الإنتاج الفعلي التقديرات الرسمية، ما جعل المزارعين عاجزين عن تصريف كامل محصولهم عبر القنوات الرسمية.

وهذه المشكلة، وفق مزارعين عدة ومن بينهم عبد الواحد ستدفع بهم لبيع الكميات الزائدة بالسوق السوداء وبأسعار أقل من السعر الحكومي مضافاً إليه قيمة المكافأة التشجيعية للتسليم، أو تخزين تلك الكميات وتحمل تكاليفها.

تكدس أطنان القمح

يصف مزارع آخر من ريف حماه ويدعى محمد، مشهد انتظار الشاحنات والجرارات أمام صوامع حبوب قلعة المضيق بـ "المخزي"، مضيفاً أنه اضطر للانتظار لأربعة أيام لتسليم محصوله البالغ 60 طن من القمح.

يقول لـ "روزنة": "ما يجري استنزاف يومي لجيوب المزارعين وأعصابهم" نتيجة الانتظار لأيام في صوامع الحبوب من أجل تفريغ حمولات القمح.

ويروي المزارع محمد تجربته لـ "روزنة": قائلاً: "إنّ المنصة تحولت من أداة تنظيمية إلى عبء على المزارعين، إذ هناك جرارات وشاحنات محملة بالقمح تدخل إلى الصومعة للتفريغ من خارج الدور". موضحاً أن قدرة الاستيعاب للصومعة لا تتناسب مع كميات الإنتاج من القمح المحملة والتي تنتظر دورها للتفريغ.

وأضاف بأنّ المنصة "لا تلتزم بالدور"، "عانيت من الانتظار لخمسة أيام حتى أسلم محصولي"، وهذا الانتظار خسّره 50 دولار أمريكي عن كل يوم انتظار دفعها لصاحب الجرار الذي ينقل محصوله من أرضه إلى الصومعة، إذ أضحى أصحاب الجرارات يتحكمون بالمزارع ويتقاضون مبالغ كبيرة مع ارتفاع سعر المحروقات بالتزامن مع التغيير في سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي.

وناشد المزارع الستيني مؤسسة الحبوب بالعمل على نظام الورديات 24 ساعة في اليوم لتسهيل عملية التسليم والتخفيف من الازدحام، معلقاً بالقول: "وين نروح بالقمح"، في ظل عجز الصوامع وإدارتها عن استيعاب وتنسيق عملية التسليم بشكل منظم وبلا طوابير، كما أوضح.

وبينما استطاع المزارع محمد تسليم محصوله وحجز دور على المنصة، فشل المزارع صالح في الحصول على دور قريب لتسليم محصوله.

وقال لـ "روزنة": "حجزت دور على المنصة بتاريخ 17 حزيران/يونيو، ومن ثم أعطوني موعد تسليم بتاريخ الثاني من تموز/يوليو المقبل"، ما فاقم مخاوفه من تعرض محصوله للحريق أو اضطراره لبيعه للتجار بسعر يقل عن السعر الحكومي المحدد بـ 46 ألف ليرة سورية جديدة، مع منح مكافأة تشجيعية قدرها 9 آلاف ليرة عن كل طن يسلم للمؤسسة السورية للحبوب.

وزارة الاقتصاد: تتجاهل التوضيح

في إطار متابعتها لأزمة منصة الحجز وشهادات المنشأ، وتفاقم معاناة المزارعين في توريد محاصيلهم، تواصلت "روزنة" مع المكتب الصحفي لوزارة الاقتصاد والصناعة لطرح هذه التساؤلات والوقوف على آليات إدارة واستلام المحصول. ورغم تأكيد استلام الوزارة للاستفسارات بشكل رسمي، إلا أنها فضّلت الصمت ولم تقدم أي رد حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

إنتاج يفوق الـ 2 مليون طن

توقعت وزارة الزراعة السورية ارتفاع إنتاج القمح هذا الموسم إلى ما بين 2.3 و2.5 مليون طن بفضل تحسن المناخ وعودة الإنتاج الشمالي، إلا أن الحكومة أكدت استمرار الحاجة للاستيراد لتغطية العجز المحلي، وفقاً لوكالة "رويترز".

ونقلت "رويترز" عن المسؤول في وزارة الزراعة السورية أحمد جلال أحمد أن "موسم ​الحصاد وفير"، في الوقت الذي بلغ إنتاج العام الماضي نحو 900 ألف طن.

في المقابل، أكّد ممثل منظمة "الفاو" في سوريا، بيرو-توماسو بيري، خطورة الوضع الغذائي في البلاد؛ حيث يواجه نحو 13.4 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وتعجز 30% من الأسر عن تأمين قوتها اليومي.

تعليقاً على ذلك، يرى الخبير الزراعي وليد عثمان، من ريف حماه، أن حرائق القمح وصعوبات تسليمه لصوامع الحبوب الحكومية، تؤثر على الأمن الغذائي للسوريين وتهدد بارتفاع سعر الخبز مستقبلاً، في ظل عدم قدرة الحكومة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من مادة القمح.

ويتساءل عثمان هل تستطيع الحكومة الانتقالية الحصول على كامل الإنتاج المتوقع من قبل وزارة الزراعة؟ ويقول: لـ "روزنة": في حال استلمت الحكومة الانتقالية كامل الإنتاج المتوقع، فلن تكون بحاجة لاستيراد القمح بعكس ما صرح به مسؤول وزارة الزراعة أحمد عن حاجة البلاد للاستيراد رغم الإنتاج الوفير.

ويتوقع عثمان عزوف العديد من المزارعين عن تسليم قمحهم للحكومة نتيجة تسعيرة القمح غير "المنصفة" وفق تعبيره، واضطرارهم لتخزينه أو بيعه للتجار، وكذلك التوقف عن زراعة القمح للموسم القادم، نتيجة ارتفاع أجور الزراعة والحصاد والمحروقات وانعدام الدعم الحكومي للقطاع الزراعي، كما قال لـ "روزنة".

وهكذا تضع معاناة خالد وغيره من المزارعين مع حجز الدور لتسليم المحصول وتوفر الحصادات الجهات المعنية أمام اختبار حقيقي: فإما تدخل عاجل يصحح مسار هذه الآليات وينقذ أرزاق العباد، أو ترك المزارع وحيداً يواجه مصيره أمام مواسم تضيع بين أروقة المكاتب ومنصة حجز الدور.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل تعتقد أن مجلس الشعب سيحدث فارقاً؟

نعم
لا
ربما
close icon