استشارات خدمية | 11 05 2026
تُعدّ النزاعات العقارية من أكثر القضايا انتشاراً أمام المحاكم السورية، خصوصاً بعد سنوات الحرب والنزوح وفقدان الكثير من الوثائق والسجلات الرسمية. وبين خلافات الورثة، وعمليات التزوير، والاستيلاء غير المشروع على العقارات، وبيع العقار لأكثر من شخص، وجد آلاف السوريين أنفسهم أمام معارك قانونية طويلة للحفاظ على أملاكهم واسترداد حقوقهم.
ورغم تعقيد هذه القضايا، فإن القانون السوري وضع مجموعة من الوسائل القانونية التي تُمكّن صاحب العقار أو الحائز الشرعي من حماية حقه، سواء عبر القضاء المدني أو الجزائي، مع التأكيد على أن حق الملكية يُعتبر من الحقوق المقدسة التي يحميها الدستور والقانون.
ما المقصود بالجرائم الناجمة عن النزاعات العقارية؟
الجرائم العقارية هي الأفعال غير القانونية التي تؤدي إلى التعدي على ملكية الغير أو حيازته للعقار، مثل:
- الاستيلاء على عقار بالقوة أو التهديد.
- تزوير عقود البيع أو الوكالات.
- بيع العقار لأكثر من شخص.
- إشغال العقار دون سند قانوني.
- استغلال الوكالات العامة بشكل غير مشروع.
- منع المالك من الانتفاع بعقاره.
وتختلف المعالجة القانونية بحسب طبيعة العلاقة بين الشخص والعقار، وما إذا كان النزاع يتعلق بالملكية أو الحيازة أو بوجود جرم جزائي.
دعوى طرد الغاصب واسترداد العقار
عندما يكون العقار مسجلاً باسم المالك في السجل العقاري، ويقوم شخص آخر بالاستيلاء عليه دون حق، يحق للمالك رفع دعوى تُعرف باسم "دعوى طرد الغاصب".
تهدف هذه الدعوى إلى استرداد العقار بسرعة، إزالة الإشغال غير المشروع، والمطالبة بالتعويض عن الضرر.
وتُرفع هذه الدعوى أمام القضاء المدني بصورة مستعجلة، ويكفي أن يثبت المالك ملكيته القانونية للعقار، ووجود إشغال غير مشروع من الطرف الآخر.
وفي حال ثبوت الغصب، تقرر المحكمة إعادة العقار إلى مالكه، مع إمكانية الحكم بالتعويض المالي.
فإذا شغل شخص عقار دون وجه حق، يمكن للمالك المطالبة بما يُعرف ب"أجر المثل"، وهو تعويض مالي يُحتسب عن الفترة التي استُخدم فيها العقار بصورة غير مشروعة، ويختلف عن بدل الإيجار العادي الذي يكون قائماً على عقد إيجار قانوني.
دعوى استرداد الحيازة
في بعض الحالات، لا يكون الشخص مالكاً للعقار، لكنه حائز له بصورة قانونية، مثل المستأجر، الوكيل، أو الشخص الذي يشغل العقار بإذن قانوني.
إذا تم إخراجه من العقار بالقوة أو بطريقة غير مشروعة، يمكنه رفع "دعوى استرداد الحيازة".
وهنا لا تبحث المحكمة في أصل الملكية، بل تركز فقط على مَن كان يضع يده على العقار، وإذا تم نزع الحيازة بصورة مخالفة للقانون، وتحوّل النزاع العقاري إلى جريمة جزائية.
قد يصل الأمر أحياناً إلى ارتكاب جرم جزائي يُعرف بـ"غصب العقار"، خصوصاً إذا تم الاستيلاء على العقار بالقوة أو عبر التهديد.
وفي هذه الحالة يمكن للمتضرر اللجوء إلى القضاء الجزائي، حيث قد تصل العقوبة إلى الحبس لعدة أشهر أو سنوات، وتُشدد إذا تم الغصب باستخدام السلاح أو عبر مجموعة أشخاص.
ويتم إلزام الغاصب بإخلاء العقار وإعادته لصاحبه.
مشكلة العقارات المفقودة الوثائق بعد الحرب
من أخطر المشكلات التي ظهرت خلال السنوات الماضية هي فقدان الكثير من المالكين لوثائقهم العقارية بسبب النزوح واللجوء، احتراق السجلات، ضياع العقود الرسمية، أو تلف سجلات بعض المحاكم والدوائر العقارية.
وهنا تصبح عملية إثبات الملكية معقدة جداً، خصوصاً إذا كان العقار غير مسجل أصولاً أو لا توجد مستندات رسمية كافية.
وفي مثل هذه الحالات قد يضطر الشخص للاعتماد على الشهود، العقود القديمة، الأحكام القضائية السابقة، الوكالات غير القابلة للعزل، أو أي مستند يثبت العلاقة بالعقار.
لكن هذه الدعاوى غالباً تحتاج سنوات طويلة وإجراءات معقدة وتكاليف مرتفعة.
النزاعات بين الورثة… أكثر القضايا انتشاراً
تشهد المحاكم السورية عدداً كبيراً من النزاعات العقارية بين أفراد العائلة الواحدة، خصوصاً بين الورثة أو أبناء العمومة.
ومن أكثر الحالات تكراراً تسجيل العقار باسم شخص واحد نيابة عن بقية الورثة، وادعاء أحد الأطراف لاحقاً أنه لم يحصل على حصته، أو بيع الحصص دون توثيق كامل، أو الاعتماد على الثقة بدلاً من العقود الرسمية.
ولهذا يؤكد القانونيون دائماً أن أي اتفاق مالي أو عقاري يجب أن يكون موثقاً بشكل قانوني، لأن الثقة وحدها لا تكفي لحماية الحقوق.
مخاطر الوكالات العامة في بيع العقارات
تُعتبر الوكالات العامة من أكثر أسباب ضياع الأملاك شيوعاً، لأن الوكيل قد يمتلك صلاحيات واسعة تخوله بيع العقار أو التصرف به.
وفي بعض الحالات يستغل الوكيل هذه الصلاحيات ليقوم ببيع العقار دون علم المالك، نقل الملكية لنفسه أو لأقاربه، وإجراء عدة عمليات بيع متتالية.
ولذلك يُنصح دائماً بتجنب الوكالات العامة قدر الإمكان، تنظيم وكالة خاصة ومحددة الصلاحيات، وإضافة عبارة تستثني حق بيع العقار إن لم يكن ذلك مقصوداً.
هل يحق لصاحب البيت طرد الساكن بالقوة؟
يعتقد البعض أن امتلاكهم للعقار يمنحهم الحق في إخراج أي شخص منه بالقوة، لكن القانون يرفض ذلك بشكل واضح.
فحتى لو كان الشخص يشغل العقار دون حق، لا يجوز استخدام العنف، أو تغيير الأقفال بالقوة، أو قطع الماء أو الكهرباء، أو التهديد أو الاعتداء لأن ذلك قد يعرّض المالك نفسه للمساءلة القانونية.
والحل الصحيح دائماً هو اللجوء إلى القضاء واستصدار حكم قانوني بالإخلاء.
قضية "الفروغ" والعقود القديمة… أزمة قانونية واجتماعية
يُعتبر ملف الفروغ والعقود الإيجارية القديمة من أكثر الملفات تعقيداً في سوريا، خاصة في المحلات التجارية القديمة.
وتقوم فكرة الفروغ على وجود مالك للعقار، وشخص يملك "حق الفروغ" أو حق الانتفاع بالمحل.
وقد أدى استمرار العقود القديمة لعشرات السنين إلى نزاعات كبيرة بين مالكي العقارات وأصحاب الفروغ والمستأجرين الحاليين.
وتُطرح عدة حلول لمعالجة هذه الأزمة، منها:
- منح فترة انتقالية قبل إنهاء العلاقة الإيجارية.
- تقديم تعويضات عادلة.
- إنشاء صناديق دعم للفئات المتضررة.
ماذا تفعل قبل شراء أي عقار؟
لحماية نفسك من الاحتيال أو النزاعات المستقبلية، يجب القيام بعدة خطوات أساسية قبل شراء أي عقار:
1. استخراج قيد عقاري حديث
للتأكد من:
هوية المالك الحقيقي.
وجود حجوزات أو رهون أو دعاوى.
سلامة الوضع القانوني للعقار.
2. التأكد من صفة البائع
هل هو:
المالك نفسه؟
وكيل قانوني؟
أحد الورثة؟
3. مراجعة الإشارات الموجودة على العقار
بعض الإشارات القانونية قد تمنع نقل الملكية أو تسبب مشاكل لاحقاً.
4. تنظيم عقد قانوني محكم
ويجب أن يتضمن آلية الدفع، موعد التسليم، شروط الفراغ ونقل الملكية، حقوق والتزامات الطرفين.
ويُفضّل دائماً تنظيم العقد عبر محامٍ مختص لضمان الحقوق بشكل كامل.
تبقى الملكية العقارية من أهم الحقوق التي يحميها القانون، لكن الحفاظ عليها يتطلب وعياً قانونياً وتوثيقاً دقيقاً لكل التصرفات والعقود.
وفي ظل ازدياد النزاعات العقارية في سوريا، لم تعد الثقة وحدها كافية، بل أصبح الالتزام بالإجراءات القانونية ضرورة أساسية لحماية الحقوق ومنع ضياع الأملاك.
وأي تعدٍّ على العقار، مهما كانت أسبابه، يجب أن يُعالج عبر القضاء والقانون، لأن استرداد الحقوق يبدأ دائماً بالطرق القانونية الصحيحة.
تابع الحلقة مع المحامي غياث دبور، ضيف "القانون بقول" مع مارينا منصور.