تقارير وتحقيقات | 11 04 2026
روزنة
في كل صباح، قبل أن تخرج أم عصام من بيتها في دمشق، تفتح محفظتها وتعدّ ما تبقى فيها من أوراق نقدية. تحسب، وتعيد الحساب، ثم تضع قائمة مختلفة عن تلك التي كانت تضعها العام الماضي — قائمة أقصر، وأكثر قسوة.
وبينما يعيش نحو أكثر من 90 بالمئة في سوريا تحت خط الفقر حسب التقارير الدولية، لا يزال سياق الأمن الغذائي في سوريا يعاني من تداعيات الحرب التي نتج عنها أضرار واسعة في البنية التحتية وانهيار اقتصادي عمّق أزمة الغذاء في البلاد.
وبعد سقوط النظام السابق، دخلت البلاد مرحلة تتسم بتعدد مراكز السلطة وتفكك الحوكمة، وفق تقرير شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة الصادر في 10 أبريل الجاري.
لا يزال سياق الأمن الغذائي في سوريا يعاني من تداعيات الحرب السورية التي نتج عنها أضرار واسعة في البنية التحتية وانهيار اقتصادي تزامن مع تدهور القدرة الشرائية التي عمّقت أزمة الغذاء في البلاد. على أنه بعد سقوط النظام السابق دخلت البلاد مرحلة تتسم بتعدد مراكز السلطة وتفكك الحوكمة، وفق تقرير لشبكة الإنذار المبكر بالمجاعة.
وتحدث التقرير الصادر عن الشبكة في 10 نيسان/أبريل الجاري، عن أثر تدهور القدرة الشرائية في تعمق أزمة الغذاء في سوريا، وأثر الفيضانات وارتفاع الأسعار، وهشاشة قطاع الطاقة وارتفاع تكلفة الأسمدة وتأثيرها على الزراعة.
تآكل القدرة الشرائية
اضطرت أم عصام إلى تخفيض كميات الخضار والفواكه إلى أكثر من نصف ما كانت تشتريه في رمضان 2025. "زمان كنت اشتري كيلو بندورة وكيلو خيار. هلق بشتري حبتين من هاد وحبتين من هاد." أما اللحوم والدجاج، فباتت تشتريهما بالقطعة لا بالكيلو — إن اشترتهما أصلاً. "ما عاد في وجبة كاملة على الطاولة. بحسب مين أكثر محتاج من ولادي وبوزع."
أم عصام ليست استثناءً. فقد أدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال رمضان — خاصة الدجاج والخضراوات — إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود، إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر السورية.
وكانت "روزنة"، قد أشارت في تقارير سابقة لها من بينها "رمضان في دمشق… أسواق ممتلئة وجيوب فارغة"، إلى أن ارتفاع أسعار السلع أدى إلى تراجع في القدرة الشرائية، ما دفع الناس لإعادة الشراء بـ "الحبة"، وليس بالأوقية أو الكيلو.
وأكد تقرير FEWS NET أن انخفاض المساعدات الإنسانية وارتفاع الأسعار الموسمية زادا من تضييق الخناق على الأسر. وإن كانت أسعار الدواجن والخضروات قد ارتفعت في مارس قبل أن تتراجع لاحقاً مع تحسن الإمدادات، فإن هذا التراجع جاء متأخراً بالنسبة لكثيرين.
كيف يؤثر انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار الأمريكي على معيشة الأسر السورية؟
الفيضانات تُقوّض النشاط الزراعي
رغم الفيضانات الموسمية الشديدة التي شهدتها البلاد في مارس الفائت، لا تزال آثار انعدام الأمن الغذائي قائمة في شمال شرق سوريا. إذ تسببت الفيضانات في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور في نزوح ما يُقدَّر بنحو 6000 شخص، ووفاة خمسة أشخاص على الأقل، وإلحاق أضرار أو تدمير حوالي 2400 منزل، وغمر نحو 1500 هكتار من الأراضي الزراعية — ما يعني خسارة مئات الأسر لمصدر رزقها قُبيل موسم الحصاد.
كما جرفت مياه الفيضانات ذخائر غير منفجرة إلى المناطق الزراعية والسكنية، ما حوّل بعض الحقول إلى مناطق خطرة يصعب الاقتراب منها. وتزامن ذلك مع استمرار هجمات تنظيم "داعش" وانعدام الأمن المحلي واستهداف ناقلات النفط الذي قيّد الوصول إلى الأسواق.
وفي شمال غرب سوريا، أثّرت الأمطار الغزيرة في حلب وإدلب على أكثر من 19 ألف شخص وألحقت أضراراً بنحو 3400 منزل، وغمرت قرابة 2300 هكتار من الأراضي الزراعية.
وزادت هذه الفيضانات من حدة الخسائر الناجمة عن فيضانات فبراير، ما أدى إلى تكرار فشل المحاصيل وتراجع الطلب على العمالة الزراعية. كما أوقفت الأمطار أعمال البناء التي تُعدّ مصدر دخل رئيسياً للأسر الفقيرة والنازحين.
وأشار التقرير إلى أن توفر الأسمدة بقي مستقراً، لكن ارتفاع تكاليفها وضعف السيولة دفعا إلى تقليص المساحات المزروعة.
تفاقم أزمة الوقود
في مطبخ أم عصام، تعلو شعلة الغاز ببطء وتنخفض — علامة على أن الأسطوانة تقترب من نهايتها. حين تنتهي، ستجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانتظار في طابور طويل بسعر المعتمد البالغ 125 ألف ليرة، أو الدفع للسوق السوداء بضعف هذا المبلغ.
وتفاقمت أزمة الوقود في دمشق وحلب بشكل واضح، إذ اضطر كثير من السكان إلى اللجوء للسوق السوداء للحصول على الغاز. وتشير مصادر "روزنة" إلى أن مندوبي سيارات الغاز يتلاعبون بالتوزيع عبر المحسوبيات والبيع بأسعار تتجاوز السعر الحكومي، وهو ما لم يتسنَّ التحقق منه بشكل مستقل.
وعلى مستوى أشمل، يكشف التقرير أن قطاع الطاقة السوري لا يزال هشاً ومعتمداً على الخارج، إذ يُستورد الوقود أساساً من العراق وعبر اتفاقيات إقليمية مع الأردن ومصر.
وفي آذار الماضي، علّقت مصر صادرات الغاز لإعطاء الأولوية للطلب المحلي، ما أدى إلى تفاقم انقطاعات الكهرباء وارتفاع الاعتماد على مولدات الديزل وأسعار الوقود. ورغم أن التقرير لم يرصد تأثيرات فورية للصراع الإقليمي على الأمن الغذائي، فإنه حذّر من تداعيات غير مباشرة عبر ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والري والكهرباء.
اختفاء مفاجىء للغاز بدمشق يعيد مشاهد الانتظار و"الطوابير" إلى الواجهة
ويعتمد توليد الكهرباء جزئيًا على الغاز الطبيعي الذي يُنقل عبر خط أنابيب الغاز العربي من مصر مرورًا بالأردن، إلا أن الإمدادات غير مستقرة. ففي مارس/آذار، علّقت مصر صادرات الغاز لإعطاء الأولوية للطلب المحلي، في حين ظلت الإمدادات البديلة العابرة عبر الأردن محدودة. ونتيجة لذلك، تفاقمت انقطاعات الكهرباء، ما زاد الاعتماد على مولدات الديزل، ورفع الطلب على الوقود وأسعاره.
ورغم أن سوريا لا تستورد الوقود أو الغاز مباشرة من دول الخليج المصدرة، إلا أنها كما أوضح تقرير الشبكة لا تزال عرضة لتحركات الأسعار العالمية التي تنتقل عبر وسطاء إقليميين، ما يُبقي الضغط التصاعدي على أسعار الوقود المحلية قائمًا.
ولم يرصد التقرير أية تأثيرات فورية للصراع الإقليمي على انعدام الأمن الغذائي، لكنه حذّر من تداعيات غير مباشرة قد تعمّق القيود على الغذاء والدخل. وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والري والكهرباء يفاقم الضغوط الاقتصادية.
في نهاية كل يوم، تعود أم عصام إلى بيتها بأكياس أخف مما اعتادت، وتجلس أمام طاولة المطبخ لتوزّع ما اشترته على أيام الأسبوع. هذا الحساب اليومي الصامت — الذي تعيشه ملايين الأسر السورية — هو الوجه الحقيقي لأزمة الأمن الغذائي التي لا تظهر دائماً في الإحصاءات.

