كيف يؤثر انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار الأمريكي على معيشة الأسر السورية؟

كيف يؤثر انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار الأمريكي على معيشة الأسر السورية؟

تقارير وتحقيقات | 4 04 2026

حبيب شحادة

يشهد سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي تراجعاً واضحاً منذ قرابة الأسبوع، في مؤشر يراه خبراء اقتصاد مقياس لقدرة السوريين الشرائية، إذ يرتبط سعر صرف الليرة بعلاقة طردية وفورية مع أسعار السلع التي ارتفعت بنسبة 2 بالمائة بالدولار و4 بالمائة بالليرة مقارنة بتشرين الأول 2025، وفق تقرير أممي.

وفي شباط/فبراير الفائت، كشف تقرير أممي صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عن استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة في سوريا، بسبب تراجع قيمة العملة المحلية وتزايد الضغوط التضخمية، ما زاد من تدهور معيشة السكان.

وبحسب التقرير، بلغ متوسط كلفة سلة المواد الغذائية الأساسية الصغيرة والمتوسطة على المستوى الوطني نحو 169 دولاراً أميركياً ما يقارب 2 مليون ليرة سورية. وسُجلت الكلفة الأعلى في وسط وجنوبي سوريا عند 175 دولاراً، تلتها مناطق شمال شرقي سوريا بـ172 دولاراً، بينما انخفضت في شمال غربي سوريا إلى 156 دولاراً.

ويأتي هذا التدهور في سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي في ظل تصاعد تكلفة استيراد موارد الطاقة بعد الحرب الأمريكية. الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من ارتفاع أجور الشحن وأسعار النفط بنسبة 25 بالمائة. 

وبينما بلغ سعر صرف الليرة أمام الدولار الأمريكي 12370 ليرة سورية لكل دولار، في السوق الموازية، ما يزال البنك المركزي السوري يسعّر الدولار بـ 11100 ليرة، وهذه الفجوة بين السعرين تخلق حالة من عدم اليقين، وتدفع التجار إلى "دولرة" أسعارهم لحماية مدخراتهم من التقلبات المفاجئة.

"تضخم هيكلي"

يرى الدكتور في العلاقات الاقتصادية الدولية بجامعة دمشق قاسم أبو دست أن الفجوة بين السعر في السوق الرسمي والموازي يدفعها المواطن نتيجة رفع التجار أسعارهم بالتزامن مع انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار الأمريكي.

ويشرح في حديثه لـ "روزنة"، أنّ فجوة السعرين تؤدي لزيادة تكاليف المواد الغذائية على الناس جراء ارتفاع أسعار السلع مباشرةً، ما يؤدي إلى الضغط على تكاليف المعيشة لذوي الدخل المحدود.

ولا يستبعد أبو دست تأثير الحرب على إيران في استمرار رفع أسعار السلع نتيجة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وتكاليف الشحن والنقل والتوزيع.

وسبق لحاكم المركزي أن تعهد في تصريحات اعلامية بأن المصرف "لن يتهاون في مواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار النقدي" وأن المضاربة "ستواجه بإجراءات صارمة تتناسب مع خطورتها على الاقتصاد الوطني".

وجاء كلام الحاكم مع طرح العملة الجديدة في السوق بداية العام 2026، وشدد حينها على أن "استقرار سعر الصرف يُعدّ هدفاً استراتيجياً لمصرف سوريا المركزي، وأن المؤشرات النقدية الأساسية لا تبرّر أي ارتفاعات حادّة أو غير منطقية".

لكن واقع السوق اليوم يخالف توقعات الحاكم، إذ ارتفع سعر الصرف لليرة من 11600 إلى إلى 12500 خلال أقل من أسبوع.

في السياق، أكد التقرير الأممي، أنّ التضخم الاقتصادي لا تزال العامل الحاسم في دفع تكاليف السلع الأساسية إلى الارتفاع، ما يعكس حالة من التضخم الهيكلي المرتبط بضعف الإنتاج المحلي وارتفاع الاعتماد على الواردات، إلى جانب هشاشة سلاسل التوريد.

وأشار إلى أن الإنفاق اليومي يشكل ضغط معيشي وعبء لم يعد يقتصر على الغذاء، إنما يشمل مواد النظافة وغيرها من المستلزمات الأخرى.

وتعاني الأسواق بحسب التقرير من ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل في آن واحد، فيما لا تزال بعض الأسواق تعمل بشكل جزئي أو تحت ضغط متزايد، ما يفاقم من هشاشتها، ويدخل الأزمة المعيشية في مرحلة أكثر تعقيداً تتجاوز مجرد تقلبات الأسعار إلى خلل عميق في توازن السوق والقدرة الشرائية، وفق التقرير. 

تدهور معيشي

"نعيش واقع غير مسبوق وسط فجوة هائلة بين الدخل والمصروف"، وفق ما تقول أم عصام وهي سيدة في الستين من عمرها تعيش في حي باب سريجة الدمشقي.

وتتقاضى أم عصام راتب تقاعدي لا يتجاوز الـ 900 ألف ليرة سورية شهرياً، ولا يغطي 10 بالمائة من احتياجات أسرتها الأساسية، فضلاً عن تكاليف الأدوية وغيرها من المستلزمات الأخرى.

هذا الواقع الاقتصادي المتردي دفع أم عصام وغيرها من الأسر السورية إلى التخلي عن اللحوم والفواكه وحتى الألبان، كما قالت، مشيرةً في حديثها إلى أنها تعيش وعائلتها "تقشف غذائي قسري"، وفق تعبيرها.

من جهته، قال خلدون محمد، وهو موظف حكومي، "إنّ انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار أفقد الناس قدرتها على شراء حتى الخبز"، موضحاً في حديثه لـ "روزنة"، أن عائلته المكونة من 6 أشخاص لم تعد تملك قدرة الاستمرار في العيش بينما دخله لا يتجاوز المليون و200 ألف ليرة شهريا.

وأشار إلى أنه يؤمن احتياجات عائلته عبر الاستدانة من بقالية الحارة التي يعيشها بها في إحدى عشوائيات العاصمة دمشق، على أنه لم يعد يشتري بـ "الحبة" أو الأوقية"، إنما الشيء الضروري جداً، وأن عائلته استغنت حتى عن بعض الخضار والبقوليات وتعيش تحت الحد الأدنى لمستوى المعيشة.


وسجّل "مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة" ارتفاعاً في تكاليف جميع الضروريات الأساسية لمعيشة أسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، وبينما قُدّر الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بـ7,816,764 ليرة، سجّل وسطي التكاليف نحو 12.5 مليون ليرة سورية.

وعليه، ورغم رفع الحد الأدنى للأجور في زيادة الرواتب الأخيرة ليصبح مليون و200 ألف ليرة شهرياً، ألا أنه يظل غير قادراً على تلبية سوى ثلاثة أيام تقريباً من حاجة الأسرة للاستهلاك بحدها المتوسط، وأقل من خمسة أيام بحدها الأدنى، ما يعكس فجوة شاسعة بين الدخل والإنفاق الضروري، بحسب مؤشر "قاسيون".


ارتفاع كلفة الغذاء

ارتفعت أسعار اللحوم (الحمراء والدجاج) بنحو 18.7%، إذ ارتفع سعر الـ75 غرام منها من نحو 10,425 ليرة في نهاية كانون الأول، إلى نحو 12,375 ليرة في نهاية آذار، بينما ارتفعت أسعار الخضار بنسبة 3.7%، وانتقل سعر 65 غرام منها من 3,375 ليرة في نهاية كانون الأول، إلى 3,500 في نهاية آذار.

أما الفواكه الموسمية فارتفعت بنسبة 19.5%، إذ انتقل سعر 60 غرام منها من 2,733 ليرة في نهاية كانون الأول، إلى 3,267 ليرة في نهاية آذار، بحسب مؤشر "قاسيون".

بينما بقيت "الأجور لا تغطي سوى 10% من وسطي المعيشة"، و"التكاليف ارتفعت فعلياً بنسبة قاربت 7.7% خلال ثلاثة أشهر" (كانون الثاني وشباط وآذار).

تسعير "وقائي"

يلجأ تجار في العاصمة دمشق إلى رفع أسعار بضائعهم بمجرد انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار، وذلك لتأمين سيولة بقصد شراء بضائع جديدة بأسعار الصرف المرتفعة، كما قال لـ "روزنة"، يحيى وهو صاحب سوبر ماركت غذائية بمنطقة المزة.

ويوضح يحيى أن انخفاض قيمة الليرة يرفع تكاليف النقل على الموزعين الذين يرفعون أسعارهم أيضاً، ما ينعكس مباشرة في سلسلة كاملة من رفع الأسعار حتى تصل إلى جيب المستهلك.

ويشرح أنه اضطر لرفع الأسعار ضمن محله تخوفاً من حدوث انخفاض آخر في قيمة الليرة التي تشهد تذبذباً واضحاً في سعر صرفها أمام الدولار الأمريكي، إذ انخفضت قيمة الليرة لما يقارب الـ 12500 ليرة لكل دولار أمريكي ومن ثم عادت للاستقرار عند 12300 ليرة.

ويقتصر دور التموين ومديريات حماية المستهلك على إلزام التجار بتسعير بضائعهم ووضع لوائح سعرية في أماكن واضحة للزبون أو كتابة السعر على كل مادة، بحسب ما قال يحيى، موضحاً أن مديريات التموين لم تعد تتدخل في التسعير. 

ويرى اقتصاديون أن استمرار تدهور سعر صرف الليرة دون تدخل من البنك المركزي سيضع المزيد من الأسر السورية أمام تحديات تأمين لقمة العيش، خصوصاً أن السوق المحلية شهدت ارتفاع أسعار تسبب في موجة غلاء عانى منها أغلب السوريين.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض