تقارير وتحقيقات | 13 03 2026
روزنة
أصدرت اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن سوريا أحدث تقاريرها، اليوم الجمعة، مؤكدة أن سوريا تواجه تحديات عميقة في مسيرتها نحو الحكم الشامل وسيادة القانون والمساءلة، رغم التقدم المحرز والتحديات العميقة.
وقالت اللجنة إنها ناقشت البنود الرئيسية للتقرير مع مسؤولين في الحكومة السورية ومدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات مجتمع مدني خلال زيارة قام بها المفوضون إلى سوريا الأسبوع الماضي.
وتشمل التوصيات الرئيسية التي قدمتها اللجنة في التقرير المساءلة، وإصلاح قطاع الأمن، والتواصل مع المجتمعات المتضررة،مؤكدة في الوقت ذاته أنها "تعترف بعدة خطوات إيجابية مهمة اتخذتها الحكومة باتجاه التحقيق والمساءلة".
وأشارت إلى ما وصفته بـ"التحول الواسع الذي بدأته سوريا"، بما في ذلك إنشاء هيئتي العدالة الانتقالية والمفقودين، وإجراء تحقيقات وطنية في عمليات القتل الجماعي بالساحل والسويداء في شهري آذار/مارس وتموز/يوليو الماضيين.
قلق وحاجة لإصلاح شامل
خلال زيارتها إلى سوريا، أعربت اللجنة عن قلقها إزاء مزاعم استمرار انتهاكات جسيمة في عدة مناطق، بينها أجزاء من محافظات حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، مشيرة إلى أنها تحقق حالياً في هذه الادعاءات.
وشددت على الحاجة الملحّة إلى إصلاح شامل لقطاعي الأمن والقضاء، إلى جانب تنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مع إخضاع جميع أفراد القوات المسلحة والأمنية لتدقيق وتدريب شاملين في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما القادة المدمجين حديثاً.
وقالت المفوضة مونيا عمار إن الزيارة الأخيرة أبرزت "عمق التحديات التي تواجهها البلاد، إلى جانب القوة الاستثنائية للسوريين الذين يعملون بلا كلل لإعادة بناء مؤسساتهم".
وأضافت أن اللجنة تشعر بالتشجيع إزاء استعداد الحكومة السورية للانخراط بشكل بنّاء مع منظومة حقوق الإنسان الدولية، لضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي وقعت في الماضي، ومعالجة الانتهاكات التي حدثت مؤخراً.
وذكر أن الحكومة اعتقلت بين 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وكانون الثاني/يناير 2026 ما مجموعه 6331 فردًا من قوات النظام السابق، أُفرج عن 1158 منهم لعدم كفاية الأدلة، كما اعتقلت 620 عنصرا من تنظيم الدولة.
وأوضح التقرير أن معظم هؤلاء كانوا محتجزين في مرافق احتجاز متهالكة تعود إلى عهد الأسد وتحتاج إلى ترميم، في ظل نقص الموارد المتاحة.
وترى اللجنة أن بعض الفاعلين الحكوميين انتهكوا الحق في التحرر من التعذيب وسوء المعاملة، من خلال تعاملهم مع المحتجزين أثناء القبض عليهم وأثناء الاحتجاز والاستجواب، بما في ذلك الحبس الانفرادي.
انتهاكات قد ترقى لجرائم حرب
وثّق تقرير اللجنة عمليات قتل خارج نطاق القضاء، وتعذيباً وسوء معاملة، ووفيات أثناء الاحتجاز، واختفاءات قسرية وعمليات اختطاف، إضافة إلى انتهاكات لحقوق السكن والأراضي والممتلكات، طالت بشكل خاص مجتمعات يُنظر إليها على أنها دعمت النظام السابق.
وقال التقرير إن القوات المسلحة الحكومية وأفراداً من القطاع الخاص يعملون إلى جانبها قتلوا في مارس الماضي أكثر من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين العلويين، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة.
وذكرت اللجنة أنها رصدت أنماطاً واضحة من الاستهداف على أساس الانتماء الديني والعرق والعمر والجنس، مشيرة إلى أن هذه الانتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني قد ترقى إلى جرائم حرب، وقد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبتت عناصرها في تحقيقات إضافية.
وأضاف التقرير أنه رغم بدء الحكومة اعتقال ومحاكمة 14 من المشتبه بضلوعهم في الانتهاكات، فإن آليات تدريب وتدقيق أفراد الأجهزة الأمنية لا تزال غير كافية، بينما لم تُعالج بعد مسؤوليات كبار المسؤولين والقادة.
وفي حادثة منفصلة بعد أربعة أشهر، قُتل أكثر من 1500 شخص، معظمهم من المدنيين الدروز والبدو، في السويداء منتصف يوليو على يد القوات الحكومية وجماعات درزية مسلحة ومقاتلين قبليين، وفق التقرير.
وقالت اللجنة إنها ستصدر تقريراً منفصلاً عن أعمال العنف في السويداء لاحقاً هذا الشهر.
الثقة أساس لكسر حلقة العنف
وقالت المفوضة فيونوالا ني أولاين: "الناجين السوريين والمجتمعات المتضررة يستحقون العدالة والتعويضات وضمانات عدم تكرار ما حدث"، مضيفة أن «إنهاء الإفلات من العقاب واستعادة الثقة بين المجتمعات وقوات الأمن أمر أساسي لكسر حلقة العنف التي ابتليت بها سوريا لأكثر من عقد".
وأدت عمليات القتل المستهدفة والتعذيب وتدمير أو مصادرة الممتلكات، إلى جانب خطاب الكراهية المتفشي على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى تعزيز انعدام الثقة بالسلطات الجديدة في المجتمعات المتضررة، حسب التقرير.
وأشار أيضاً إلى أنه "ورغم التزامات الحكومة وجهودها الأولية لمحاسبة الجناة، فإن هذه الانتهاكات عمّقت المظالم والانقسامات".
وأشار التقرير إلى أنه رغم السعي الظاهري لدمج جماعات مسلحة متباينة كانت قد حاربت الحكومة السابقة ضمن قوات وزارة الدفاع الجديدة، فإن المخاوف من الإفلات من العقاب تصاعدت نتيجة دمج عناصر فصائل معروفة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، ما خلق بيئة مهيأة لتكرار الانتهاكات، كما تجلت في أحداث آذار/مارس وتموز/يوليو.
على المجتمع الدولي أن يكافح للمساعدة
وتحقق اللجنة حالياً في تقارير عن انتهاكات شمال شرق سوريا، بعد تصاعد القتال بين الحكومة و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، بما يشمل عمليات قتل خارج نطاق القضاء، بينها إعدام محتجزين سابقين لدى "قسد"، إضافة إلى اعتقالات تعسفية وعنف جنسي وانتهاكات لحقوق السكن والأراضي والممتلكات.
كما تواصل اللجنة التحقيق في العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، التي قالت إنها تسببت في أضرار واسعة للمدنيين ونزوح جماعي ودمار كبير.
وأوضحت أن الجيش الإسرائيلي نفذ غارات قتلت وجرحت مدنيين، وداهم قرى في القنيطرة، وهدم منازل وألحقت أضراراً بالبنية التحتية دون ضرورة عسكرية، ونقل رجالاً وفتياناً محتجزين تعسفياً إلى إسرائيل.
وأشار التقرير إلى أن تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) أصبح أكثر نشاطاً في بعض المناطق، محذراً من أن نقل أكثر من 5700 شخص يشتبه بانتمائهم للتنظيم إلى العراق، بينهم أطفال نُقلوا سابقاً إلى سوريا، يثير مخاوف جدية بشأن انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية.
وقال رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينيرو إن "المجتمع الدولي يجب ألا يقف مكتوف الأيدي بينما يكافح السوريون للتعافي من عقود من انعدام القانون"، مضيفاً أن "الدعم المستمر وحده يمكن أن يساعد سوريا على استكمال انتقالها نحو بيئة سياسية تضمن حقوق الإنسان للجميع".
اختطاف النساء والفتيات
رأت اللجنة أن اختطاف 21 امرأة وفتاة، بينهن أربع قاصرات وحالة واحدة لامرأة حامل في دمشق واللاذقية وطرطوس وحماة وريف دمشق وحمص، يوضح حجم الانتهاكات الخطيرة التي تواجه النساء، لا سيما من الأقليات.
وأشارت إلى أن غالبية الجناة ظلوا مجهولي الهوية أو لم تتضح صلاتهم المؤسسية بشكل كامل، فيما ارتبطت بعض الحالات بطلب فدية، وأظهرت حالات أخرى دوافع طائفية أو تورط مجموعات مسلحة أو إجرامية.
خلال فترة الأسر، تعرضت الضحايا للضرب والإهانات الطائفية، كما تم نقل بعضهن قسرا بين مواقع مختلفة، ولم تتمكن العائلات غالبًا من التواصل معهن إلا عبر وسطاء أو طلبات فدية، حسب التقرير.
كما تعرضت ثماني مختطفات على الأقل لعنف جنسي، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والزواج القسري وأشكال أخرى من الاعتداء الجنسي، وعادت بعض الناجيات وهن حوامل، ما يعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان وقد يرتقي إلى جرائم دولية.
ورصدت اللجنة تباينا في استجابة السلطات، بين فتح تحقيقات محدودة في بعض الحالات والتأخر أو نقص الجدية في حالات أخرى، ما فاقم شعور الأسر بالإفلات من العقاب ونقص الحماية.
وشددت على ضرورة إجراء تحقيقات سريعة ومستقلة، وحماية الناجيات، وتوفير الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية، مؤكدة أن أخبار الاختطاف أدت إلى مستويات عالية من الخوف، خاصة بين نساء الأقليات، اللواتي اضطُرن للحد من حركتهن أو ترك الدراسة أو العمل أو تعديل سلوكهن لتجنب الاستهداف.
تؤكد اللجنة أن حجم الانتهاكات المزعومة أكبر بكثير مما يظهر في التقرير، إذ يقتصر العرض على الحالات التي استوفت معايير الإثبات المعتمدة، مع مراعاة اعتبارات الحماية، والقيود الزمنية والمالية الناجمة عن نقص التمويل في الميزانية العادية للأمم المتحدة.
ورأى التقرير أنه رغم بدء تدريب القوات على معايير حقوق الإنسان والقانون الإنساني منتصف 2025، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة، تظل الحاجة قائمة إلى آليات شاملة للمساءلة والتدقيق والاستبعاد المهني وإعادة التأهيل، لضمان منع الانتهاكات مستقبلاً.
ويخلص تقرير اللجنة إلى أن الطريق أمام سوريا لا يزال شاقاً، مع استمرار الانتهاكات وضرورة إصلاح شامل للقطاع الأمني والقضائي، ودور حاسم للمجتمع الدولي في دعم التحول السياسي وضمان حقوق الإنسان لجميع السوريين.



