تقارير وتحقيقات | 10 03 2026
روزنة
رغم تعهد والدها أمام وجهاء عشائر بعدم التعرض لها، انتهت قضية فتاة من ريف حلب بمقتلها على يد شقيقها، عقب وساطات قبلية ومحاولات لحمايتها استمرت عدة أيام، في جريمة ارتُكبت بذريعة ما يُعرف بـ"جرائم الشرف" وأثارت صدمة واسعة في المجتمع المحلي.
وخلال 48 ساعة، حاولت روزنة الحصول على تفاصيل إضافية حول مقتل الفتاة في منطقة تل الضمان بريف حلب الجنوبي، إلا أنها واجهت حالة من التكتم ورفض عدد من المصادر الإدلاء بمعلومات أو التعليق على القضية، لـ"حساسية الموضوع"، وفق ما قاله بعضهم.
ما التفاصيل؟
قال مصدر محلي لروزنة، اليوم الثلاثاء، إن فتاة من قرية الصيّاح في منطقة تل الضمان بريف حلب الجنوبي غادرت منزل عائلتها برفقة شاب من قرية العطشانة المجاورة. والفتاة هي ابنة أحد شيوخ ووجهاء قبيلة اللهيب في المنطقة، أديب (ج).
ردّ أفراد من القبيلة على ذلك باحتجاز ثلاثة أو أربعة شبان من عشيرة البوشيخ التابعة لقبيلة البوشعبان، التي ينتمي إليها الشاب، حسب المصدر.
وأضاف أنه بعد تدخل وسطاء، لجأت الفتاة إلى أحد شيوخ ووجهاء المنطقة، فيصل (أ) من قرية أرجل، الذي رفض تسليمها إلى عائلتها خشية تعرضها للقتل بذريعة ما يُعرف بـ"جريمة الشرف".
وفي وقت لاحق، تدخل مستشار رئيس سوريا لشؤون العشائر والقبائل، جهاد عيسى الشيخ المعروف بـ"أبو أحمد زكور"، إلى جانب وجهاء من قبيلة البكارة، بصفة وسطاء، إذ جاء التدخل بهدف حماية الفتاة والتوصل إلى اتفاق مع والدها يقضي بعدم التعرض لها، وفق المصدر.
وخلال اجتماع عُقد في إحدى المضافات، تعهد والد الفتاة أمام الحاضرين بعدم المساس بها، وأعلن أنه قرر تزويجها من ابن عمها المقيم في لبنان.
قد يهمك: جريمة كاملة الأركان.. "جرائم الشرف" يقرّها القانون ويرفضها الشرع

"ما تقربون صوب البنت"
ويظهر في مقطع مصور متداول أحد وجهاء قبيلة البكارة وهو يطلب من والد الفتاة عدم إيذائها، قائلاً: "أستحلفك بالله ما تقربون صوب البنت (...) خلي تقوى الله، بنتك عفيفة. نشكي أمرنا لله"، مشدداً على ضرورة احترام تدخل "أبو أحمد زكور" و"صون أمانته" وطلبه عدم التعرض للفتاة.
كما تعهد الأب أمام الحاضرين بعدم التعرض لابنته، وأرسل رسالة – يُعتقد أنها موجهة إلى أبناء القبيلة – يطلب فيها إطلاق سراح المحتجزين وعدم التعرض للفتاة أو للشخص الذي سيُعقد قرانها عليه (ابن عمها).
من جهته، فضّل مصدران من مجالس القبائل السورية عدم التعليق لروزنة على القضية، مشيرين إلى "حساسية الموضوع وأفضلية عدم طرحه عبر الصحافة"، وفق ما قاله أحدهما.
قتل الفتاة
بعد تسليم الشبان المحتجزين إلى قوى الأمن الداخلي، ومع شعور عام بأن القضية التي استمرت لنحو أربعة أيام خلال الأسبوع الماضي قد انتهت، انتشر في المنطقة "خبر صادم للمجتمع المحلي ووجهاء العشائر"، إذ أقدم شقيق الفتاة على قتلها بعد عودتها إلى منزل العائلة، بحسب المصدر المحلي.
ولم يتمكن المصدر من تحديد طريقة القتل أو مكان وقوع الجريمة.
كما لم يتسنَّ لروزنة التحقق عبر مصدر مستقل من مصير الشقيق المتهم بالقتل، وسط أنباء عن فراره إلى لبنان.
وأكد المصدر المحلي، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن حالة من التعاطف سادت في المجتمع المحلي مع قضية الفتاة، مشيراً إلى أن كثيرين حمّلوا والدها مسؤولية رئيسية في ما جرى، باعتباره نقض تعهده أمام الوجهاء بحمايتها وعدم التعرض لها، على حد قوله.
"مأساة إنسانية أليمة"
في بيان صادر عن "المجلس الأعلى لقبيلة البوشعبان"، استنكرت القبيلة جريمة قتل الفتاة، ووصفتها بأنها "مأساة إنسانية أليمة استنكرتها جميع الأوساط القبلية".
وأكد البيان أن القبيلة ليست طرفاً في النزاع، الذي يخص عشيرة البوشيخ – التي ينتمي إليها الشاب – وقبيلة اللهيب التي تنتمي إليها الضحية.
وحمل البيان "مجلس القبائل في حلب" مسؤولية أخلاقية ومجتمعية أكبر في القضية، باعتباره الجهة "الراعية للعلاقات القبلية"، معتبراً أن تدخل الوسطاء "لم يكن بالحكمة والكفاءة المطلوبتين"، وأن المجلس لم يتمكن من احتواء الموقف والوصول إلى تسوية تضمن عودة الفتاة سالمة إلى عائلتها.
ودعا المجلس إلى حقن الدماء ومنع أي تصعيد إضافي، والعمل على "معالجة آثار هذه المأساة بحكمة وروية، ووضع آليات فعالة لمنع تكرار مثل هذه الأحداث في المستقبل".
ولم يصدر حتى لحظة نشر المادة أي بيان من وزارة الداخلية السورية أو من قوى الأمن الداخلي في حلب، فيما تحاول روزنة الحصول على تعليق رسمي حول القضية.

بيان حول جريمة فتاة تل الضمان - "المجلس الأعلى لقبيلة البوشعبان"/فايسبوك
ماذا يقول القانون السوري؟
في تصريح سابق لروزنة حول جريمة قتل ارتُكبت بذريعة ما يُعرف بـ"الشرف وغسل العار" في منطقة منبج، قال المحامي محمود حمام إن مثل هذه الجرائم "مجرّمة قانوناً ومحرّمة شرعاً في مختلف الشرائع"، مشيراً إلى أن القانون السوري ألغى العذر المخفف الذي كان يُمنح سابقاً لمرتكبي ما يُعرف بـ"جرائم الشرف".
وأوضح أن التعديلات القانونية التي أُقرت عام 2011 شددت العقوبة ورفعت الحد الأدنى لها إلى خمس سنوات.
وأضاف: "يُحاسَب مرتكب الجريمة على أساس القتل العمد أو القصد الجنائي وفق ظروف كل قضية، وقد تصل العقوبة إلى الإعدام أو السجن المؤبد أو الأشغال الشاقة، بينما تقرر المحكمة الحكم النهائي بعد التحقيق والاستماع إلى الشهود ودراسة ملابسات القضية".
وفي 12 آذار/مارس 2020، أقرّ مجلس الشعب السوري إلغاء المادة (548) من قانون العقوبات، والتي كانت تمنح أحكاماً مخففة أو أعذاراً لمرتكبي ما يُعرف بـ"جرائم الشرف".
ويعني إلغاء هذه المادة عدم منح أي تخفيف خاص في العقوبة لمرتكبي هذا النوع من الجرائم، ومحاسبتهم وفق الأحكام المطبقة على جرائم القتل الأخرى.
وكان قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949 يمنح القاتل بدافع ما يسمى "الشرف" إعفاءً من العقوبة. وفي عام 2009 عُدّل النص ليعاقب الفاعل بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين.
وفي عام 2011 صدر المرسوم التشريعي رقم (1) الذي ألغى النص السابق، ونص على عقوبة الحبس من خمس إلى سبع سنوات في الحالات التي يُستفاد فيها من العذر المخفف.
اقرأ أيضاً: "يابا لا تقتلني".. منبج: جرائم مستمرة بحق نساء بدون حصانة ولا قانون يحميهن

وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، تم توثيق مقتل 38 امرأة وفتاة في سوريا بذريعة ما يُعرف بـ"جرائم الشرف" منذ بداية عام 2024 وحتى 9 حزيران/يونيو من العام نفسه، في مناطق مختلفة من البلاد.
كما أفادت منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" أنه بين عامي 2019 وتشرين الثاني/نوفمبر 2022 تم تسجيل أكثر من 185 حالة قتل تحت هذه الذريعة في سوريا، مع ترجيحات بأن تكون الأعداد الفعلية أعلى نتيجة عدم الإبلاغ عن العديد من الحالات.