تقارير وتحقيقات | 9 03 2026
حبيب شحادة
مع تصاعد التوتر والحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران، شهدت الأسواق السورية موجة غلاء وصفها المواطنون بـ "الجنونية"، وسط حالة من فقدان القدرة الشرائية لأغلب السوريين، إذ ارتفعت أسعار أغلب الخضار والفواكه في الأسواق السورية، وسجلت ارتفاعات كبيرة خلال أيام وسط احتدام المنافسة بين التجار وتصاعد شكاوى الناس من ارتفاع حاد في الأسعار وغياب حماية المستهلك عن السوق.
وبينما يأتي ارتفاع الأسعار للمرة الثانية، بعد ارتفاعها في الأولى مع بداية شهر رمضان بنسبة 20 بالمائة، أكد سكان في العاصمة دمشق غياب مديريات حماية المستهلك عن أغلب الأسواق، ورفض موظفي التموين التدخل في التسعير أو تطبيق إجراءات اقتصادية فعالة لضبط الأسواق.
وتقف الحكومة الانتقالية السورية في موقع "المتفرج" ويتحدث المسؤولون عن سوق حر تنافسي لا تحديد فيه للسعر أو الكمية لكن الأسعار في الأسواق تظهر ارتفاعاً حاداً خلال أقل من أسبوع.
وتشير تقارير البنك الدولي، إلى تدهور ملموس وغير مسبوق في رفاهية الأسر السورية، إذ أن حوالي ربع السوريون يعيشون في فقر مدقع، أي غير قادرين على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية الأساسية، ونحو 5.7 ملايين شخص يستهلكون يوميًا أقل من 2.15 دولار، وهو خط الفقر المدقع الدولي.

أسعار متفاوتة ومرتفعة
في سوق باب سريجة الدمشقي والذي يعد سوقاً شعبياً، لم تعد أسعاره "تناسب محدودي الدخل" وفق ما يقول خالد وهو من سكان الحي، مشيراً في حديثه لـ "روزنة": إلى أن أغلب المحال التجارية والغذائية "تسعّر على كيفها"، إذ يُباع كيلو البندورة بأسعار متفاوتة تبدأ من 15 ألف ليرة ويصل إلى 21 ألف ليرة، كما قال.
ويوضح الرجل الخمسيني أن الأسعار ارتفعت فجأة بنسب "غير معقولة وبشكل جنوني"، وسط غياب للرقابة على الأسعار في أغلب أسواق دمشق، بحسب تعبير خالد، وغيره ممن التقتهم "روزنة" ضمن السوق.
قصة خالد ومعاناته مع ارتفاع الأسعار ليست حالة فردية، إنما تشابه واقع آلاف العائلات في دمشق وغيرها من المدن الأخرى وسط متوسط أجور لا يتجاوز الـ 100 دولار أمريكي شهرياً، مضافاً إليها تداعيات الحرب على إيران وتسببها بارتفاع أسعار النفط بنسبة 28 بالمائة، وهو ما نعكس سلباً على واقع الأسعار في سوريا وفق ما قال خبراء اقتصاد لـ "روزنة".
وفي السياق، أوضح الخبير الاقتصادي زياد عربش أن تداعيات الحرب على إيران ستؤثر على الواقع الاقتصادي ومنها ارتفاع أسعار النفط عالمياً، متوقعاً، وفق تصريحات صحفية، رفع الحكومة السورية الانتقالية أسعار المحروقات بنسبة 15 إلى 25%، في حال استمرت الحرب على إيران، وبالتزامن مع ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة في السوق الموازية.
محال وبسطات يشتكون
في المقابل، يعاني أصحاب بسطات الخضار والفواكه وأصحاب المحال من غلاء أجور النقل ومن تحكم تجار الجملة بسعر أغلب البضائع الموجودة بالأسواق، حسب ما قال خلدون وهو صاحب بسطة خضار في حي الشيخ سعد بالمزة.
يقول لـ "روزنة": "خلال اليومين الفائتين ارتفعت تكلفة نقل سيارة الخضار من سوق الهال بالزبلطاني إلى المزة من 120 ألف ليرة إلى 165 ألف ليرة"، وهذه الزيادة يتحملها المواطن من خلال رفع أسعار خضار بسطته بما يتناسب مع بقائه قادراً على العمل، وفق وصفه.

ويبيع أصحاب المحال بضاعتهم بأسعار مرتفعة ومتفاوتة بين محل وآخر بجانبه. وخلال جولة لـ "روزنة" في سوق باب سريجة يمكن ملاحظة التفاوت بشكل واضح، إذ هناك محال تبيع كيلو البندورة بـ 16 ألف وأخرى بـ 21 ألف ليرة، وما يحدث لسعر البندورة ينسحب على غيرها من الخضار والفواكه.
ويبرر هؤلاء ومنهم وليد المبيض، وهو صاحب محل خضار في سوق باب سريجة، رفع أسعارهم نتيجة شرائها من سوق الهال بسعر مرتفع مضافاً إليه ارتفاع أجور النقل خلال اليومين الأخيرين، وكذلك ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية.
ويعاني أصحاب المحال والبسطات من فرض مسؤولي سوق الهال بالزبلطاني على سيارات نقل الخضار إحضار فواتير بكميات وأسعار الخضار والفواكه التي يشترونها، كما قال المبيض وآخرين لـ "روزنة".
وأكد المبيض أن مسؤولي سوق الهال يمنعون أية سيارة خضار وفواكه من الخروج من السوق بلا فاتورة تضمن السعر والكميات وسط عدم توفر تلك الفواتير لدى محال الزبلطاني الذين لا يمنحون فواتير بالأصل، واضطرارهم لشرائها من محل محدد.
ولم يتسن لـ "روزنة" التأكد من حقيقة فرض الفوترة في سوق الزبلطاني من مصادر مستقلة. إلا أن الفوترة تعني أن تتضمن الفاتورة سعر الجملة من سوق الزبلطاني وسعر مبيع لتاجر المفرّق.

لا زراعة محلية
الخبير التنموي أكرم عفيف يرجع إرتفاع الأسعار محلياً إلى التوترات الخارجية التي أثرت على تدفق السلع من مصر والأردن. إلا أن خسائر المزارع في سوريا دفعته للتخلي عن الزراعة، ما قلل من العرض وزاد من الطلب، فارتفعت الأسعار، كما قال لـ "روزنة".
ويوضح في حديثه، أن الوضع المادي السيء للناس دفع المزارع للتراجع عن الزراعة، "إذ هناك بيوت بلاستيكية غير مزروعة خوفا من الخسارة"، ويضرب مثالاً على بائع خضار في إحدى قرى سهل الغاب، والذي تجول في ثلاثة قرى ولم يتمكن من بيع 2 كيلو من البندورة.
وهذه المشكلات مجتمعة تؤدي إلى انهيار القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، وفق عفيف، داعياً إلى إدخال قطاع الزراعة في "غرفة الإنعاش التنموي الاقتصادي" لإيجاد حلول مستدامة، وتوفير قاعدة بيانات للقطاع الزراعي تبين احتياج السوق المحلي وسوق التصدير.
كذلك رغم تحسن الهطل المطري لهذا العام، إلا أن القطاع الزراعي البعلي لم ينهض والزراعات البعلية لم تُزرع، كما قال عفيف لـ "روزنة".
هكذا يبقى المواطن الحلقة الأضعف بين صمت الحكومة الانتقالية وانفلات الأسعار. إذ سجّلت تكاليف جميع الضروريات الأساسية لمعيشة أسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد بنهاية عام 2025 نحو 11.6 مليون ليرة سورية كحد وسطي و7,2 مليون ليرة كحد أدنى، وفق مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة. فهل تتحرك الجهات الرقابية لحماية ما تبقى من قدرة السكان الشرائية أم سيبقى التجار هم الرابح الوحيد من الأزمات والحروب؟
