تقارير وتحقيقات | 23 02 2026
حبيب شحادة
"الخضار أغلى، الفواكه أغلى، الرواتب لا ترتفع وتتأخر، والجيوب تفرغ"، هذا حال رمضان السوريين في أغلب المدن، إذ ارتفعت أسعار أغلب السلع وسط تفاوت قليل بين منطقة وأخرى، وتراجع في القدرة الشرائية، ما دفع الناس لإعادة الشراء بـ "الحبة"، وليس بالأوقية أو الكيلو.
وبينما تؤكد وزارة الاقتصاد أن الأسعار "ليست مرتفعة وانخفضت 20 بالمائة منذ عام"، وأن المشكلة في قدرة المواطن الشرائية، يشير خبراء اقتصاد إلى أن الأسعار ارتفعت بأكثر من 20 بالمائة مع قدوم شهر رمضان. فالمسؤولون يتحدثون عن سوق حر تنافسي لا تحديد فيه للسعر أو الكمية. لكن الأسعار في الأسواق تظهر ارتفاعاً كبيراً خلال أقل من أسبوع.
هذا التناقض بين الخطاب الاقتصادي الحكومي وبين الواقع يضع المستهلك أمام تحديات معيشية صعبة بعد تخلي وزارة الاقتصاد عبر مديريات التجارة الداخلية عن سياسة ضبط الأسعار، وفق ما قال مدير المكتب الإعلامي للتجارة الداخلية وحماية المستهلك عبد الله حلاق في تصريحات صحفية.
تخفيض الاستهلاك
تشير التصريحات الرسمية لمديريات التجارة الداخلية إلى تفعيلها للرقابة التموينية على الأسواق خلال شهر رمضان لرصد الأسعار وتنظيم المخالفات.
غير أن أم عصام وهي سيدة في الستين من عمرها تعيش في حي باب سريجة الدمشقي ترى بأن هذه الإجراءات لم تنعكس على الأسعار المتغيرة يومياً.
تقول لـ "روزنة": "كان سعر كيلو البندورة 8000 ليرة، وفي رمضان ارتفع إلى 12 ألف ليرة، والفليفلة بـ 18 ألف ليرة والليمون بـ 25 ألف ليرة، بعد أن كانت أسعارهما أقل بحوالي الأربعة آلاف ليرة". وما أثار استغرابها ارتفاع سعر باقة البقلة من 3000 ليرة إلى 15 ألف ليرة.
وتوضح في حديثها أنها اضطرت لتخفيض كميات الخضار والفواكه إلى أكثر من نصف الكميات التي كانت تشتريها في رمضان العام الفائت 2025، مشيرةً إلى أن أسعار اللحوم والدجاج كذلك مرتفعة ولا تتناسب مع قدرتها الشرائية، ما دفعها للشراء بالقطعة سواء للخضار والفواكه، وحتى اللحوم والدجاج.
وبينما تتقاضى أم عصام راتب تقاعدي لا يتجاوز الـ 900 ألف ليرة سورية شهرياً، سجّلت تكاليف جميع الضروريات الأساسية لمعيشة أسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد بنهاية عام 2025 نحو 11.6 مليون ليرة سورية كحد وسطي و7,2 مليون ليرة كحد أدنى، وفق مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة.

ورصد "مؤشر قاسيون" أنه رغم ارتفاع الحد الأدنى للأجور الرسمية بنسبة 200% في منتصف 2025، إلا أنه يظل غير قادر على تلبية سوى ثلاثة أيام تقريباً من حاجة الأسرة للاستهلاك بالحد الأدنى، ما يعكس فجوة شاسعة بين الدخل والإنفاق الضروري.
قصة أم عصام ومعاناتها مع ارتفاع الأسعار في رمضان، ليست حالة فردية، إنما تشابه واقع آلاف العائلات في دمشق وغيرها من المدن الأخرى. مضافاً إليها أزمة الغاز الأخيرة وارتفاع سعر الأسطوانة إلى 300 ألف ليرة في السوق السوداء وسط عدم توفرها بسعرها الحكومي 121 ألف ليرة، وفق رصد "روزنة".
ارتفاع بنسبة 20 %
أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة قال إن أسعار اللحوم ارتفعت "بنسبة 20% خلال أسبوع، بينما زادت أسعار المواد الغذائية بنسبة 15%"، مرجعاً السبب وفق تصريح صحفي إلى زيادة الإقبال وتحكم التجار بنسب الربح.
وتصل تكلفة وجبة الإفطار لعائلة مكونة من 4 أشخاص إلى 200 ألف ليرة سورية، كما قال.
وبحسب جولة لـ "روزنة" في أسواق عدة منها سوق باب سريجة، فقد تراوحت أسعار الخضار مثل البندورة بين 10 و15 ألف ليرة، والخيار بين 10 و12 ألف ليرة، والكوسا بين 15 و20 ألف ليرة، والبطاطا بين 7 و12 ألف ليرة.
أما سعر الفواكه فبلغ سعر كيلو الموز 15 ألف ليرة، والتفاح 25 ألف ليرة، والبرتقال 13 ألف ليرة، والفريز 20 ألف ليرة.

كم تبلغ تكلفة الصيام اليومية؟
تتراوح تكلفة الحد الأدنى من الطعام لعائلة من خمسة أفراد، على وجبة السحور والتي باتت تقتصر على الضروريات فقط بحسب تصريحات صحفية لـ أمين سر جمعية حماية المستهلك بين 70 إلى 100 ألف، ما يعني عبئًا شهريًا يتراوح بين 2.1 إلى 3 ملايين ليرة خلال 30 يوماً.
أما وجبة الإفطار الرئيسة، فقد تحولت إلى كابوس يومي، فتكلفتها الدنيا تتراوح بين 150-200 ألف لكل وجبة، ليصل إجمالي نفقات الإفطار خلال الشهر إلى ما بين 4 إلى 6 ملايين ليرة.
وتشير تقارير البنك الدولي، إلى تدهور ملموس وغير مسبوق في رفاهية الأسر السورية، إذ أن حوالي ربع السوريون يعيشون في فقر مدقع، أي غير قادرين على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية الأساسية، ونحو 5.7 ملايين شخص يستهلكون يوميًا أقل من 2.15 دولار، وهو خط الفقر المدقع الدولي.

حركة بيع منخفضة
ليس فقط المستهلك من يتذمر من ارتفاع الأسعار مع قدوم شهر رمضان، إنما هناك باعة وأصحاب محال تجارية يعانون من ركود في الأسواق وفي حركة الشراء التي وصفها وليد المبيض، وهو صاحب محل خضار في سوق باب سريجة بأنها "ضعيفة والأسوء منذ سنوات".
ويقول لـ "روزنة": الناس تمشي في السوق وتبحث عن أرخص الأسعار وسط تجاهلها للجودة أو النوعية"، مشيراً إلى أن محله يعاني من قلة البيع لجودة الخضار والفواكه "نخب أول"، وفق تعبيره.
ويوضح أن الناس عادت للشراء بالقطعة والحبة بعد أشهر من التخلي عن تلك الطريقة. قائلاً: أحياناً أبيع حبة بندورة بألف ليرة، وكذلك الفليفلة وغيرها من الخضار والفواكه. مردفاً أن الغلاء وارتفاع الأسعار غيّر عادات الشراء وأثر على حركة البيع في السوق، إذ لم تعد الناس "تموّن" ولا تشتري كميات كبيرة وإنما كل يوم بيوم، كما قال.
وهكذا تفرض الأوضاع الاقتصادية المتردية وارتفاع الأسعار تحديات يومية لـ أم عصام وغيرها من السوريات اللواتي يعشهنَ "أيام صعبة"، وفق تعبيرها، وسط محاولتها الحفاظ على ما تبقى من طقوس وعادات رمضانية يومية ضمن حدود دخلها الشهري.
