تقارير وتحقيقات | 23 02 2026
روزنة
مع حلول شهر رمضان، تتباين الأوضاع المعيشية للأهالي في مختلف مناطق سوريا، في ظل مواجهة صعوبات يومية بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار وتقلبها المستمر.
وأجرت روزنة مقابلات مع مدنيين في مناطق مختلفة، للاطلاع على المواد الأساسية التي يمكن تأمينها أو التي يعجزون عن شرائها، وللاستماع إلى آرائهم حول ارتفاع الأسعار، وأساليب مواجهتهم لها، ورضاهم عن الرقابة الحكومية في ضبط الأسواق.
لا حلويات ولا عزائم.. بطاطا وفتوش ورز فقط
يقول أبو مالك (اسم مستعار) من ريف دمشق لروزنة، اليوم الاثنين، إنه لا يستطيع شراء اللحوم أو الدجاج "هي عدو" (مصطلح محلي استخدم بالحرب عند خسارة منطقة عسكرياً).
ويعتمد في الأيام الأولى من رمضان على الرز أو البرغل فقط، مضيفاً: "الكبة لبنية والشاكرية كما اعتدنا أن تكون طبخات بيضا… ما في… سودناها هذه السنة! (...) صحن تسقية، صحن فول، وإلى جانبها أكلة رز مع بطاطا أو فتوش. واحدة منهما. شوية جاج مع لبن أو رز بلبن بدل الشاكرية، وبس".
ويتابع حول الأطباق الثانوية التي اعتاد السوريون أن تزين موائدهم خلال رمضان: "لا توجد فواكه بعد الإفطار، ولا حلويات، ولا حتى أكلة موالح. نسيناها! معروك ما حسنانين نجيب سعرها 50 ألف ليرة، يعني نصف يوميتك تقريباً".

أسواق القامشلي في رمضان - روزنة
ويشير أبو مالك إلى أن كل شيء ارتفع سعره، "حتى أغراض الفتوش"، موضحاً بسخرية من فكرة شراء الإفطار من المطاعم: "الناس نسيوها، حتى لم يعد أحد يعزم أحد. شغلتين مو قادر الواحد يحطها ببيته لحتى يعزم".
وأضاف: "بالنسبة لي ولكثيرين، الرز هو الرقم واحد. نسوي مقلوبة رز بالشعيرية، أو مع البزاليا أو الفول، أي شيء مع الرز، المادة الأساسية الأولى، وبعدها البرغل أو الفريكة (…) أنا وزوجتي عندنا صبيين، الله يكون بالعون. كثير من الناس لا تستطيع تأمين ما تريد. يحطوا عالسحور من فطور اليوم اللي قبله، ومن السحور لفطور اليوم الثاني".
ويهاجم أبو مالك التجار الذين يحاولون كسب أكبر قدر ممكن من الأهالي عبر رفع الأسعار "على حساب الناس"، واصفاً الوضع بتعبير محلي: "كتير كتير غلا! تجارنا يلاعبوا الشياطين بمجرد ما يدخل رمضان".
كما يحمل الحكومة مسؤولية الغلاء وقراراتها المتكررة التي أضرت بالمواطنين "تدريجياً بعد سقوط النظام"، قائلاً: "الواحد ما عم يتأقلم مع الغلاء، ما باليد حيلة. شو بدي أحكي، أملنا كان فيهم كبير، لكن التاجر ما عليه رقابة. ما تغير شيء، رشاوي متل أيام النظام السابق"، وفق تعبيره الغاضب.
اقرأ أيضاً.. تسعير بالدولار ودخل بالليرة: معادلة ترهق جيوب السوريين

سوق الهال في دمشق - روزنة
نفكر باللقمة.. والتجار "ينهشوا نهش"
يقول أبو أحمد (اسم مستعار) من اللاذقية، إن رمضان الحالي أجمل من ناحية الراحة النفسية بعد أن عاشت المحافظة أحداث الساحل في العام الماضي، ما أدى لاضطراب أمني وحرمان الأهالي من المياه والكهرباء.
وأضاف: "لكن بالنسبة للأسعار هناك غلاء فاحش، أبداً أبداً غير مقبول، نتمنى أن يكون هناك ضبط للموضوع. لم نعد نفكر بالخطوة القادمة في رمضان، حقيقة أصبحنا نفكر بكل لقمة!".
ويتقاطع رأي سليم (اسم مستعار) مع ما ذكره أبو أحمد، إذ يؤكد في حديثه مع روزنة أن التكاليف مع دخول شهر رمضان الحالي تضاعفت على عائلته، قائلاً: "اللحوم والخضروات أصبحت من المواد النادرة، ودخل المواطن لم يعد كافياً".
وفي مقارنة مع العام الماضي، يوضح أن مبلغ 100 ألف ليرة كان يكفي عائلته ليومين، بينما يحتاج اليوم إلى 150 ألف ليرة لليوم الواحد، "وبالكاد نؤمن بها الأساسيات، إذ استغنينا عن اللحوم والفواكه بعد الإفطار".
وطالب سليم وزارة التموين والمسؤولين بالتعامل بحزم مع التجار، معبّراً عن غضبه بالقول: "التجار ينهشون المواطن نهشاً، نعيش يوماً بيوم، ونريد حلاً بأسرع وقت ممكن".
وأجرت روزنة جولة في سوق الهال بالعاصمة دمشق، اليوم الاثنين، حيث أكد عدد من التجار أن أسعار المواد في سوق الجملة "لا تزال مقبولة ومستقرة نسبياً"، في حين تشهد أسواق البيع بالمفرق ارتفاعاً ملحوظاً، نتيجة إضافة هوامش ربح وتكاليف تشغيل تؤدي أحياناً إلى مضاعفة سعر المادة مقارنة بسعرها الأصلي في سوق الجملة.
اقرأ أيضاً: قرار جديد يلزم بتدوين السعر النهائي للمستهلك في سوريا..والتجار يعترضون

سوق الهال في دمشق - روزنة
شهر إدارة الميزانية
بدوره، يرى عادل (اسم مستعار) أن الوضع بشكل عام في رمضان الحالي أفضل من السابق "لكن ليس على كل الناس"، موضحاً: "الأسعار أكبر من قدرة غالبية الأهالي، هناك فجوة كبيرة بالدخل وتكاليف المعيشة، لقد أصبح رمضان شهر إدارة ميزانية وليس شهر تنوع الأكلات".
وأشار إلى أن المشكلة ليست بالأسعار فقط لكن بتقلبها وتغيرها بشكل شبه يومي "بعض المواد متوفرة أكثر من قبل، لكن المشكلة بالأسعار، ولا زالت مرتفعة مقارنة بالرواتب. لا يوجد أي تحسن بالقوة الشرائية".
وحول الواقع المعيشي مع دخول شهر رمضان، يقول: "الحركة بالأسواق أضعف، والعزائم خفت، فيما الجمعيات الخيرية تلعب دوراً أكبر. الناس تميل للبساطة صراحة، وتعتمد على التقشف بدل على التنويع في الموائد، فالحلويات مثل قطايف وبقلاوة أصبحت كماليات، أما اللحم والفروج فأصبحا عبئاً".
ويضرب عادل أمثلة حول أساليب التكيف مع غلاء الأسعار، من خلال تقليل العزائم، وشراء كميات قليلة بشكل يومي، والاعتماد على البقوليات بدلاً من اللحم والفروج، إضافة لإلغاء فكرة الطعام الجاهز والاعتماد على الطبخ المنزلي.
ولفت إلى أن أسعار السمن والزيت وحتى بعض الخضروات مرتفعة على الأهالي، في حين لا يزال العدس والفول والحمص، على سبيل المثال، ضمن المتاح لشريحة جيدة من السكان.
المشكلة بالنقود.. وحدها التي لا تتوفر
يقول أحمد من ريف معرة النعمان الشرقي إنه عاد إلى قريته مع العائلات النازحة والمهجّرة، ليجدها مدمّرة ومنهوبة ("مُعفّشة").
وفي ظل فقدان خدمات المياه والكهرباء والرعاية الصحية، تشهد المنطقة ارتفاعاً "جنونياً" في الأسعار، إلى جانب فقدان مواد أساسية، كغاز الطهي، مع اعتماد كامل المنطقة على موزّع واحد فقط يبيع 200 جرة فقط.
ويضيف أحمد: "بالنسبة لي، إذا عملت أستطيع تأمين وجبتي الإفطار والسحور، لكن في اليوم الذي لا أعمل فيه نعيش على الحواضر".
وأشار هو الآخر إلى مسألة ارتفاع الأسعار والفروقات، قائلاً: "نتمنى أن يكون هناك حل جذري، فقد تجد كيلو اللحم في محل بسعر 650 ليرة تركية، وفي آخر بسعر 600 ليرة، والأمر ذاته ينطبق على الخضروات والفواكه، وحتى أسعار الأدوية تشهد فروقات كبيرة".
من جانبه، يرى عدنان (اسم مستعار) أن رمضان الحالي يختلف بشكل جذري عن السابق الذي قضاه في المخيم، قائلاً: "الحمد لله، أنا حالياً في منزلي بين أهلي وأقربائي وجيراني، لم أعد بعيداً عنهم. من هذه الناحية تحسنت الأمور بشكل كبير".
وعن الواقع المعيشي، يرى أن الأساسيات متوفرة، "لكن المشكلة بالنقود، فهي الوحيدة غير موجودة"، في ظل الغلاء الذي شهدته مناطق الساحل خلال الأيام الثلاثة الماضية، حيث ارتفعت أسعار الخضروات كما ازدادت أسعار واللحوم قرابة 10 بالمئة، من نحو 130–140 ألف ليرة سورية إلى حوالي 160 ألف ليرة.

أسواق القامشلي في رمضان - روزنة
ويستمر الغلاء وارتفاع الأسعار في فرض ضغوط اقتصادية كبيرة على الأسر، ما يجعل الرقابة الحكومية وضبط الأسواق ضرورة عاجلة لضمان حصول المواطنين على احتياجاتهم الأساسية والحد من الفوارق في الأسعار بين الأسواق المختلفة، كما يشدد سوريون.