تقارير وتحقيقات | 23 12 2025
حبيب شحادة
تشهد العاصمة دمشق وغيرها من المدن السورية انتشاراً واسعاً لاستخدام الدولار الأمريكي في المعاملات اليومية، إذ حلّ الدولار بدلاً من الليرة السورية في تسعير أغلب السلع والمنتجات خصوصاً الألبسة والمفروشات وإيجارات المنازل والهواتف المحمولة عبر ما بات يعرف بظاهرة "دولرة التسعير" أكثر من كونها "دولرة كاملة" للاقتصاد، وفق خبراء اقتصاد.
وبينما تهدف هذه الآلية في التسعير إلى حماية أصحاب المحال التجارية والتجار من تقلبات وانخفاض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي، يدفع المواطن وذوي الدخل المحدود ثمن تلك الظاهرة التي باتت تستنزف جيوبهم وسط تآكل القدرة الشرائية لليرة السورية.
يأتي توسع هذه الظاهرة بعد سقوط النظام السوري السابق في آواخر عام 2024، ومن ثم إلغاء المرسوم رقم 3 لعام 2020، -كان يمنع تداول الدولار والتعامل به في المبادلات التجارية تحت طائلة عقوبة السجن- ما سمح بانتشار تداول الدولار.
وتعرّف "الدولرة" في الأدبيات الاقتصادية بأنها التخلي كلياً أو جزئياً عن استخدام العملة الوطنية ضمن الاقتصاد واستبدال التعامل بالعملة الوطنية بالدولار أو أي عملة مقبولة دولياً كبديل عنها.
وتحدث وفق ما قال أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية بجامعة دمشق قاسم أبو دست عندما تتراجع قيمة العملة الوطنية إلى مستويات غير مسبوقة، كما حال الليرة السورية.
"دولرة" الأسعار
تتجلى ظاهرة "الدولرة" في الحياة الاقتصادية اليوم وفق رصد "روزنة" في قوائم الأسعار اليومية المتداولة للدولار( يتحكم بها في الغالب صرافون) وكذلك في تسعير أغلب السلع بالدولار وقبض ثمنها دولار وليس ليرة سورية، إلى جانب تسعير سلع أخرى بالدولار وقبض ثمنها ما يعادله بالليرة السورية.
هذا الاعتماد المتزايد على الدولار يعكس حالة عدم اليقين الاقتصادي وضعف السياسات النقدية المتبعة، ما يساهم في تقلبات سعر الصرف وتأثيره على مستويات التضخم في الأسواق المحلية، وفق ما قال الدكتور قاسم أبو دست أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية بجامعة دمشق لـ "روزنة".
يوضح أستاذ العلاقات الاقتصادية، أن التضييق السابق على التعامل بالدولار الأمريكي كان يعيق الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على الدولار، ورغم أن إلغاءه قد يعززها، إلا أن الاعتماد الكبير على الدولار، قد ينطوي على تحديات اقتصادية أخرى، منها تأثر الأسعار والأنشطة الاقتصادية بشكل مباشر بسعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية، وفق تحليله.
وتُعد الدولرة تحديًا للاقتصاد السوري، إذ تؤثر على السياسات النقدية وتزيد من صعوبة إدارة الاقتصاد الوطني، كما أنها قد تعيق جهود تعزيز بيئة الاستثمار المحلي، بحسب أبو دست.
أسعار بالليرة وبـ الدولار
بينما يتقاضى أغلب الموظفين دخلهم بالليرة السورية، كما حال عصام، تسعّر المحال التجارية بضائعها بالدولار الأمريكي، ما يؤثر على قدرة هؤلاء الموظفين ومنهم عصام في شراء ما يحتاجونه من مستلزمات حياتية.
عصام وهو موظف في شركة كهرباء دمشق يقول لـ "روزنة": "إنّ راتبه ثابت بالليرة السورية، ومصروفه تحت رحمة الدولار وتقلباته". موضحاً في حديثه أن أغلب أصحاب المحال باتوا يجيبون عن سعر بضائعهم بالدولار وليس بالليرة.
وعندما ذهب عصام لتصليح جواله قال له صاحب المحل "بيكلف 20 دولار"، مع إمكانية الدفع ما يعادلها بالليرة السورية وفق سعر صرف الدولار في السوق الموازي وليس وفق نشرة البنك المركزي السوري.
ما حدث مع عصام، يتكرر مع غيره من السوريين في مجالات أخرى، إذ باتت أسعار المفروشات تسعّر بالدولار أيضاً، كما قال يحيى الذي تفاجىء بأن إحدى محال المفروشات بدمشق طلب منه دولار وليس ليرة سورية.
ويوضح الرجل الخمسيني أن اضطر لدفع 100 دولار أمريكي ثمن تخت لولده كما سعّره صاحب المحل، رغم أن سعره بالليرة مقابل الدولار مليون ليرة سورية، ما يعني خسارة الرجل لحوالي 150 ألف ليرة سورية كفرق تسعير.
الإيجارات بـ الدولار
لا تقتصر الدولرة على شراء ما يحتاجه الناس، إنما تعدتها إلى إيجارات المنازل أيضاً والتي باتت قيمة بدل إيجارها تسعّر وتُقبض في أغلب الأحيان بالدولار الأمريكي، كما حال بعض المناطق بدمشق كحي المهاجرين.
وهذا ما حدث مع عائلة أبو حسن الذي اضطر لترك منزله المستأجر بعد طلب صاحبه بدل الإيجار بالدولار الأمريكي.
يقول لـ "روزنة": "كنت أدفع شهرياً 3 مليون ليرة سورية كبدل إيجار"، ومع انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار طلب منه صاحب المنزل أن يكون الإيجار بالدولار الأمريكي بقيمة 350 دولار. ما اضطره لترك المنزل والبحث عن خيارات أخرى.
ماذا عن الدخل الشهري؟
بحسب زيادة الرواتب الأخيرة، صدرت في حزيران/يونيو الفائت، أصبح سلم الرواتب والأجور عند بدء التعيين يتراوح بين 75 دولار للفئة الرابعة، و100 دولار للفئة الأولى كمعدل وسطي.
ورغم هذه الزيادة في الأجور ما زال وضع الأسر السورية كارثي وبالكاد يغطي ثلث سلة الغذاء الأساسية لعائلة نمطية وفق دراسة أعدها الخبير الاقتصادي كرم شعار. مشيراً إلى أنه بحلول أيلول/سبتمبر الفائت أصبح الحد الأدنى للأجر 750 ألف ليرة يغطي نحو 34 في المئة من السلة، بعدما كان يغطي 10 في المئة فقط قبل الزيادة.
وبمقارنة الدخل الشهري لأغلب السوريين سواء كانوا يعملون في القطاع الحكومي أو الخاص مع آليات التسعير المتبعة والقائمة على نظام السوق الحر وفي ظل غياب الرقابة الحكومية، تظهر مؤشرات الأسواق وبيانات برنامج الأغذية العالمي أن أول ارتفاع في سلة الإنفاق الدنيا لهذا العام 2025: بلغ 6 بالمائة (2 مليون ليرة) في آب/أغسطس، ثم 7 بالمائة ( 2.2 مليون ليرة) المائة في أيلول/سبتمبر.
وسلّة الإنفاق: هي مؤشر تقريبي لتكلفة المعيشة للأسرة المتوسطة. ويعزى هذا الارتفاع إلى تقلبات سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي صعوداً وهبوطاً، ما أفقد أغلب الأسر قدرتها الشرائية وسط تسعير بالدولار الأمريكي وفي ظل بقاء الدخل ثابتاً بالليرة السورية.
وبينما ثبت البنك المركزي السوري سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي عند 11 ألف ليرة لكل دولار، يتراوح سعر الصرف في السوق الموازي بين 11650 و 11700 ليرة لكل دولار أمريكي، بعد ما كان حوالي الـ 12 ألف ليرة منذ حوالي الأسبوع، وهذه التقلبات في سعر الصرف تؤثر في معيشة الأسر وتسبب زيادات متتالية في الأسعار.
ما رأي من يسعّر بالدولار؟
"نحن ما بدنا نسعّر بالدولار حباً به"، قال أصحاب عدة محال تجارية بمنطقة المزة لـ "روزنة"، ومنهم يحيى وهو صاحب محل أغذية، موضحاً أن لجوئه للتسعير بالدولار الأمريكي عائد لتقلبات سعر صرف الليرة، ولحماية مدخراته واستمرار قدرته على العمل وتعبئة محله بالبضائع.
ويقول: "الأسعار تدفع بالليرة السورية وفق سعر صرفها مقابل الدولار في السوق الموازية وليس وفق نشرة المركزي". مشيراً إلى أنه في حال تسعير بضاعته بالليرة فقط، "بخسر وبسكّر محلي"، كما قال.
وأضاف، بأنه قد يشتري بضاعته بسعر صرف 11500 ليرة لكل دولار مثلاً، لكنها لا تُباع بذات يوم الشراء، ونتيجة تقلبات سعر الصرف، "أضطر لبيع بضاعتي وإعادة تسعيرها وفق سعر الصرف الجديد"، كما أوضح لـ "روزنة".
وينسحب ما يحدث مع أصحاب المحال الغذائية على غيرهم من تجار وأصحاب محال مفروشات وحتى ملاّك المنازل باتوا يقبضون بدل إيجارها أو بيعها بالدولار الأمريكي، كما حصل مع ضياء التي اشترت منزل في المزة 86 بالعملة المحلية وفق عقد البيع لكنها دفعت ثمنه بالدولار الأمريكي، كما قالت لـ "روزنة".
خلل نقدي
تعليقاً على ذلك، أوضح أستاذ العلاقات الاقتصادية بأنّ ما يحدث يمكن تلخيصه بما يلي:
هناك خلل نقدي يعاني منه الاقتصاد، إذ تسعّر السلع بالدولار الأمريكي الغائب عن أيدي الكثير من السوريين ما يعني أن القدرة الشرائية تقاس بعملة أجنبية وليس بالعملة الوطنية.
ويرجع أستاذ العلاقات الاقتصادية ما يجري في السوق المحلي من اعتماد على الدولار الأمريكي لغياب الثقة بالليرة السورية وفقدانها قيمتها كعملة تداول وتبادل. موضحاً أن التبني الواسع للدولار يعكس فقدان الثقة بالنقد المحلي وتحديات السيولة وهو اتجاه قد يرفع مخاطر التضخم إذا لم تُعززه سياسات سعر صرف أكثر اتساقاً.
ويختم حديثه بالقول: "يجب أن تكون هناك أدوات مالية وسياسات واضحة لدعم النقد المحلي وتخفيف الاعتماد الكلي على الدولار".
يشار إلى أن ظاهرة الدولرة ليست جديدة في الاقتصادات المنهارة؛ إذ لجأت إليها دول مجاورة لسوريا مثل لبنان والعراق كوسيلة حكومية لتثبيت الأسعار وضبط التضخّم.
لكن في الحالة السورية ليس هناك تبنى حكومي لـ "الدولرة"، إذ ما تزال الليرة السورية هي وسيلة التعامل الرسمية والقانونية في مختلف المجالات الاقتصادية.

