عدالة انتقالية | 23 02 2026
مارينا منصور
يتحدث رامي "اسم مستعار" عن هذه اللحظة، حين أصبحت المدرسة غير آمنة لبقاء الطلاب فيها، ففُتحت الأبواب وصدر أمر من المدير نقلته المعلمات إلى الطلاب: "لينطلق كلٌّ إلى بيته، المدرسة لم تعد آمنة".
هذا المشهد واحداً من أوجه المعاناة التي عاشها الشعب السوري خلال الخمسة عشرة سنة الأخيرة، لكن المفارقة أن مرتكبوه تم استثناؤهم من الملاحقة والمحاسبة، فعملية العدالة الانتقالية شملت جرائم نظام الأسد فقط، دون التطرّق إلى جرائم بقية الأطراف، وفقاً لمرسوم إحداث هيئة العدالة الانتقالية الصادر بتاريخ 17 أيار عام 2025.
"هدف عسكري"!
خلال اشتداد المعارك بين نظام الأسد والمعارضة، تحولت الساحات السورية إلى ساحات معارك، ولم يعد هناك تمييز بين الأهداف العسكرية والأماكن المدنية، كل مَن عايش هذه المرحلة يتذكر بالطبع صفحة "يوميات قذيفة هاون" التي كان تفقدها لدى السوريين عادة يومية ليعرفوا أين سقطت القذيفة التي سمعوا صوت انفجارها قبل قليل، وليعلموا أسماء الشهداء والجرحى.
سينتيا عازر كانت واحدة من ضحايا القذائف أثناء تواجدها في مدرستها، تقول ل"روزنة": "يوم 15/4/2014 كنتُ في مدرستي "المنار الخاصة" الساعة الثامنة صباحاً مع أصدقائي، سقطت القذيفة في الباحة، ثم وجدت نفسي مغطاة بالدماء وأصدقائي يبكون، والدخان يغطي المكان".
تُبيّن عازر أن إصابتها كانت خطيرة وكان احتمال إصابتها بالشلل كبيراً بسبب وجود شظية قريبة من العمود الفقري و9 شظايا في قدمها، لكنها استطاعت النهوض بخير وسلامة بعد العلاج لتواجه معاناة أخرى وهي الخوف من الموت والأصوات العالية.
وتضيف: "أصبت في قدمي، لم أكن أريد أن أموت، دخلت في اكتئاب حاد، كنت أبكي وأرجف كلما تذكرت الحادثة، لم يكن سهلاً على طفلة بعمر ال9 سنوات أن ترى الأشلاء على الأرض، عانيت ل4 سنوات ثم لجأت لطبيب نفسي وتعالجت من الصدمة".
وتؤكد سينتيا إلى أنها كانت تتمنى محاسبة مَن يقف وراء هذه الجريمة، لأنها وأصدقاءها كانوا أطفالاً لا ذنب لهم، منهم مَن مات ومنهم مَن فقد قدميه، لكن للأسف الآن لا يوجد مَن يحاسبهم.
استُبيحت بصمت
مجازر الساحل والسويداء كانت من النقاط الفارقة بعد سقوط نظام الأسد، وأعادت للذاكرة السورية مشهد الهجوم على قرية معلولا عام 2013.
يروي الأب توفيق عيد، كاهن كنيسة القديس جاورجيوس للروم الكاثوليك بمعلولا آنذاك أنه أثناء الهجوم على المدينة عام 2013 تم إعدام 3 أشخاص بعد ما تم استدعاؤهم من داخل بيوتهم إلى الخارج وإعطائهم الأمان"، واصفاً الموقف بأنه فعل قتل بدم بارد ودون مبرر.
يتابع: "تم خطف 6 أشخاص واقتيادهم إلى المناطق التي يسيطر عليها المسلحون، ثم تم قتلهم بدم بارد في بداية شهر نيسان عام 2014 بعد فشل المفاوضات عن طريق الأمن العام اللبناني، إذ وجد الجيش اللبناني أواخر عام 2016 بقايا جثث على الحدود السورية اللبنانية تبين أنها لخمسة من المخطوفين، أما الشخص السادس فما زال مصيره مجهولاً إلى اليوم".


وتحدث الكاهن عن قيام المسلحين بحرق الكنائس وتكسير الصلبان والأيقونات بالمدينة، مؤكداً أنه تمت مشاهدة أيقونات دير "مار سركيس وباخوس" مكسورة ومرمية على الأرض في تصويرين مختلفين من قبل المسلحين بين شهري أيلول وكانون الأول عام 2013، كما شوهدت الكنيسة بدون الأيقونات في فيلم ثالث تم تصويره في كانون الثاني عام 2014، إذ تمت سرقة الأيقونات، وما زالت مفقودة حتى اليوم.
استثناء 15 مليون سوري
يؤكد الأب مكاريوس قلومة أخ واحد من مختطفي معلولا والذي وجدت جثته فيما بعد، أن استثناء الناس التي عاشت في مناطق سيطرة النظام من العدالة الانتقالية يعني استثناء 15 مليون سوري من المطالبة بحقهم.
يقول: "الشبان الذين خُطفوا وقُتلوا كانوا يدافعون عن مدينتهم، مدينة معلولا المشهورة بكونها إلى اليوم تتحدث اللغة الآرامية لغة السيد المسيح، هم لم يكونوا مع النظام، بل كانوا يدافعون عن عائلاتهم ومقدساتهم".
ويطالب الأب قلومة اليوم بالحقيقة، ففي اللحظة الأخيرة من المفاوضات مع الوفد القطري لاستعادة الشبان، فشلت المفاوضات وتم قتلهم من قبل جبهة النصرة التي كانت آنذاك بقيادة الرئيس الحالي للجمهورية العربية السورية، نريد أن نعرف الحقيقة من الرئيس لماذا فشلت المفاوضات وتمت تصفية المخطوفين؟".

فخ العدالة الانتقائية؟
يوضح مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة محمد العبدلله أن القانون الدولي يحظر بشكل مطلق الاستهداف العشوائي للمدنيين في النزاعات المسلحة واستخدام أسلحة أو وسائل قتال لا تميز بين المدنيين والعسكريين، أي الأسلحة التي لا تملك نظام توجيه دقيق كالصواريخ العشوائية وقذائف الهاون والمسيرات الانتحارية، واستخدام هذه الأسلحة ضد المدنيين يعد جريمة حرب.
وحول استهداف المدارس ودور العبادة، يشير إلى أن هذه الأماكن لها حصانة إضافية وفقاً للقانون الدولي، إضافة إلى أن المدنيين محميين بالدرجة الأولى أينما وجدوا، وإذا طالها قصف عشوائي دون تعمّد استهدافها، أي دون تمييز، تبقى الحالة جريمة حرب وانتهاك للقانون الدولي.
ويفيد مدير مركز العدالة والمساءلة أن عدم شمول هيئة العدالة الانتقالية لجرائم باقي الأطراف غير نظام الأسد أمر مؤسف، لأنه سمح للعديد من الأطراف بالتنصل من مسؤولياتها عن الجرائم التي اقترفتها، ليس فقط الميليشيات التي كانت منضوية تحت فصائل المعارضة من الجيش الحر وجبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام، بل حتى أطراف أخرى مثل داعش، حزب الله، روسيا، إيران، تركيا، والضربات الإسرائيلية التي كان فيها انتهاكات.
يُضيف: "هناك حديث عن أن قانون العدالة الانتقالية قد يشمل أطرافاً أخرى لكن حتى الآن لم يصدر أي شيء في هذا الإطار".
تجارب دولية
وعن تجارب الدول التي يمكن أن نستفيد منها في مجال العدالة الانتقالية، يقول: "تجارب الدول مختلفة، منها مَن نجحت بمراحل معينة وفشلت بأخرى، العدالة الانتقالية يجب أن تتضمن عدالة جنائية أو قانونية، كشف مصير المفقودين أو الحق بمعرفة الحقيقة، إصلاح المؤسسات، تعويض الضحايا وضمان عدم التكرار، وإذا كان هناك انتهاكات للملكيات العقارية كالتهجير أو التهجير القسري والاستيلاء على ممتلكات الناس يجب إعادة الممتلكات لأصحابها أو إنشاء برنامج لإعادتها".
موضحاً: "من التجارب المعقولة، تجربة رواندا، إذ تم إنشاء محكمة دولية خاصة برواندا في دولة مجاورة (تنزانيا) لأسباب أمنية ولضمان أمان القضاة وسير المحاكمة، وتمت مقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأكثر فظاعة والمسؤولين برتب عليا، إذ تمت محاكمة سبعة وأربعين شخصاً، كما تم إنشاء محاكم محلية على مستوى القرى والأرياف لمحاكمة الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم أقل فظاعة، وليسوا ذي رتب عليا".
ويلفت العبدلله إلى أن مراحل عملية العدالة الانتقالية في رواندا شملت برامج تعويضات، واعتذار مع ضمان عدم التكرار ضمن التسوية التي حصلت لاحقاً في كتاب الدستور، وتوافقات محلية لضمان عدم هجوم القبائل على بعضها.
عدالة انتقائية
في سوريا، زار الفقد جميع البيوت، وفقدت كل عائلة عزيزاً، ومع كل هذا الفقد لا يوجد نصر لطرف على آخر، بل نزاعاً خلّف ضحايا وخسائر ودمار، ليبقى الرهان على السلطة الحالية ووعي الشعب، فإما عدالة انتقالية توقف سوريا على قدميها وتعيد الحقوق لأصحابها وتداوي جراح السوريين، وإما عدالة انتقائية تجر البلاد إلى مستنقع من الخراب وتنمي الكراهية بين الجميع.


