دمشق: الكهرباء المليونية تغيّر كل شيء.. عن نمط الحياة تحت "فوبيا الفواتير"!

دمشق: الكهرباء المليونية تغيّر كل شيء.. عن نمط الحياة تحت

محتج يرفع لافتة خلال مظاهرة ضد غلاء فواتير الكهرباء بدمشق- روزنة

تقارير وتحقيقات | 11 02 2026

روزنة

"نغسل مرة واحدة في الأسبوع، ونشغّل السخان مرتين فقط، ولدينا جدول محدد للاستحمام، وابنتي تستخدم مجفف الشعر بشكل مقنن ومسؤول، صابتنا فوبيا فواتير!"، بهذه الكلمات تصف أم محمد (54 عاماً) النظام الصارم الذي بات يحكم حياتها داخل منزلها في دمشق.

تقول السيدة لروزنة اليوم الأربعاء إن فاتورة الكهرباء الأخيرة أجبرتها على تغيير نمط عيشها بالكامل، لتدخل وأسرتها في حالة ضغط نفسي دائم وحسابات يومية لكل دقيقة تشغيل.

وشهد الشارع السوري موجة غضب تمثلت بوقفات احتجاجية في دمشق والسلمية، بعدما صُدم كثيرون بفواتير وصلت إلى نحو مليون ليرة سورية، أي ما يعادل راتب موظف حكومي تقريباً.

وجاءت فاتورة دورة شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر كأول اختبار فعلي لقرارات وزارة الطاقة الصادرة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والتي حدّدت تعرفة جديدة لمبيع الكيلوواط الساعي، في رفع وصل إلى 60 ضعفاً عن التعرفة السابقة.

في هذه المادة، نسلّط الضوء على تجربة عائلتين سوريتين بوصفهما نموذجاً لنمط الحياة الجديد الذي فرضته الفواتير المرتفعة، بعد سنوات من التقنين والانقطاع المتكرر و"الأمبيرات" وغيرها من المصطلحات التي شكّلت جزءاً من يوميات السوريين خلال سنوات الحرب.

الاستهلاك ذاته… والفاتورة تفوق الراتب!

بدت علامات الصدمة واضحة على وجه أم محمد، المقيمة في حي المزة بدمشق، وهي تغادر مركز الجباية من دون أن تدفع فاتورة الكهرباء. حالها يشبه وضع عشرات المواطنين الذين ينسحبون يومياً من أمام كوة الدفع بعد الاطلاع على قيمة الفواتير الجديدة.

تخبر روزنة أنها لم تصدق الأرقام الواردة في فاتورتها الأخيرة، فقد كان استهلاك منزلها سابقاً نحو 930 كيلوواط ساعي، وكانت قيمة الفاتورة لا تتجاوز 17 ألف ليرة سورية.

أما اليوم، ومع بقاء الاستهلاك ضمن المعدل نفسه تقريباً، قفزت الفاتورة في منزل أم محمد إلى نحو مليون ليرة سورية، أي ما يفوق راتب زوجها المتقاعد البالغ 800 ألف ليرة.

تعيش السيدة الخمسينية مع زوجها وابنتها في شقة مساحتها نحو 110 أمتار مربعة، مؤكدة أن "الأسرة لا تستخدم أي أجهزة رفاهية، بل تقتصر على الأساسيات: براد، غسالة، إنارة وسخان مياه. ورغم توفر الكهرباء في منطقتنا بين 8 و12 ساعة يومياً، ارتفعت قيمة الفاتورة بشكل غير مسبوق".

وتتساءل أم محمد في حالة من الحيرة: "إذا كانت الفاتورة بهذا الحجم مع هذا العدد من ساعات التغذية، فماذا سيحدث لو توفرت الكهرباء 24 ساعة؟".

وقسم القرار الصادر عن وزارة الطاقة في تشرين الثاني/أكتوبر الماضي، التعرفة إلى أربع شرائح: "الأولى: أصحاب الدخل المحدود (الغالبية)، بسعر 600 ليرة للكيلوواط الواحد، مدعومة من الحكومة بنسبة 60%، والثانية: أصحاب الدخل المتوسط والمرتفع والمشاريع الصغيرة، بسعر 1,400 ليرة للكيلوواط".

وضمت الشريحة الثالثة "المُعفون من التقنين (المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع التي تحتاج إلى كهرباء على مدار الساعة)، بسعر 1,700 ليرة للكيلوواط"، والرابعة "المعامل والمصانع ذات الاستهلاك العالي (معامل الصهر وغيرها)، بسعر 1,800 ليرة للكيلوواط".

وكانت التعرفة قبل سقوط النظام موزعة على خمس شرائح تبدأ من 10 ليرات للكيلوواط (حتى 600 كيلوواط شهرياً) وتصل إلى 1,350 ليرة (لما فوق 2,501 كيلوواط).

اقرأ أيضاً: دمشق: زيادة سعر الكهرباء ترفع أسعار السلع ويغلق مصانع.. ودعوات للاحتجاج

وقفة احتجاجية على تعرفة الكهرباء الجديدة في سوريا- روزنة

نمط حياة جديد والكثير من المحظورات

في ظل الواقع الجديد، اضطرت العائلة إلى تغيير نمط حياتها بالكامل، وسط الكثير من المحظورات ونظام ساعات محدد ما يضيف أعباءاً نفسية كبيرة.

تشير أم محمد إلى إن السخان المائي لم يعد يعمل يومياً، بل مرتين أسبوعياً فقط، حيث يستحم أفراد الأسرة وفق جدول محدد. ويعمل السخان عادة لمدة ساعة في كل مرة تشغيل.

أما الغسالة فتستخدم مرة واحدة أسبوعياً، مع تجميع الملابس لتشغيلها دفعة واحدة، مشيرة إلى أنهم لا يمتلكون جلاية صحون أو فرن كهربائي أو فريزر منفصل، كما يعتمدون على الغاز في الطهي.

تقول لروزنة: "حتى ابنتي، أصبحت تقلل من استخدام مجفف الشعر إلى الحد الأدنى!".

وفي ما يتعلق بالإضاءة، تفكر الأسرة باستبدال معظم المصابيح بمصابيح LED الموفرة للطاقة، كما تحرص على فصل الشواحن والراوتر والتلفاز عند عدم الاستخدام لتجنب الاستهلاك الخفي للكهرباء.

وبعد أيام من قرار رفع التكلفة، وقعت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وزارة الطاقة السورية الاتفاقيات النهائية لإنشاء أربع محطات كهرباء مع تحالف شركات بقيادة "أورباكون القابضة"، ذلك بعد خمسة أشهر على توقيع مذكرة التفاهم بين الطرفين.

قد يهمك: سوريا: توقيع اتفاقية الكهرباء مع "أورباكون" رسمياً.. والتفاصيل شحيحة!

توقيع اتفاقية للكهرباء في سوريا- وزارة الطاقة السورية

"خفضنا الاستهلاك.. وتضاعفت الفاتورة!"

من المزة إلى حي المهاجرين بدمشق، حيث تعيش عائلة زياد (66 عاماً) المكونة من ستة أفراد في منزل تبلغ مساحته 85 متراً مربعاً، إذ يوضح رب الأسرة لروزنة أن استهلاكهم في الدورة السابقة قبل رفع التعرفة بلغ نحو 1900 كيلو واط ساعي، وكانت الفاتورة حينها تقارب 350 ألف ليرة.

لكن بعد رفع الأسعار، ومع تقليص الاستهلاك إلى 940 كيلو واط فقط، تجاوزت الفاتورة مليون ليرة سورية. ويقول زياد: "خفضنا الاستهلاك إلى النصف تقريباً، ومع ذلك تضاعفت الفاتورة ثلاث مرات".

وتستخدم العائلة التدفئة الكهربائية بشكل محدود جداً، حيث يتم تشغيل المدفأة لمدة ساعة أو ساعتين فقط يومياً خلال أشد أيام الشتاء، فيما يعمل سخان المياه لمدة 30 إلى 45 دقيقة يومياً فقط، وأما الغسالة فتشغل مرتين أسبوعياً، ويتم كي الملابس مرة واحدة أسبوعياً لمدة ساعة تقريباً.

ويشرح زياد لروزنة في محاولة لتبرير عدم منطقية أرقام الفاتورة الأخيرة، أن العائلة تملك فرناً كهربائياً لكنه نادراً ما يستخدم، بينما يعتمدون على الغاز في معظم أعمال الطهي، كما لا يملكون مكيفات هواء، لكنهم يستخدمون المراوح صيفاً.

وتؤكد الأسرة أن الأجهزة الإلكترونية مثل التلفاز والراوتر تبقى موصولة بالكهرباء معظم الوقت بسبب حاجة الأطفال للإنترنت والدراسة، وهو ما يضيف استهلاكاً غير ملحوظ لكنه مستمر.

تتراوح الرواتب في سوريا بين 100 و300 دولار شهرياً. ووفق هذه الأرقام، فإن فاتورة كهرباء بقيمة مليون ليرة تعادل ما بين 230 إلى 250 بالمئة من متوسط راتب الموظف الحكومي، فيما تتجاوز معدلات الفقر حسب التقديرات الأممية حاجز التسعين بالمئة ويواجه 14.5 مليون سوري الانعدام الغذائي.

حلول بديلة.. قسرية

تشير العائلتان إلى أن توفر الكهرباء بين 8 و12 ساعة يومياً يفرض استهلاكاً قسرياً منخفضاً، إذ يتم تشغيل معظم الأجهزة في أوقات محددة تتزامن مع وصول التيار.

ويرى زياد أن التقنين لا يساعد على تقليل الفاتورة بقدر ما يفرض ضغطاً زمنياً على العائلات، حيث تضطر لتشغيل عدة أجهزة في وقت واحد.

ورصدت روزنة أن العديد من السوريين في دمشق يفكرون بشراء أجهزة موفرة للطاقة مثل البرادات والغسالات والمكيفات من نوع Inverter، والتي تستهلك كهرباء أقل على المدى الطويل. لكن الأسعار المرتفعة تشكل عائقاً كبيراً.

وحول ذلك يقول زياد إنه فكر بشراء براد موفر للطاقة، لكنه وجد أن سعره يتجاوز عدة ملايين من الليرات، وهو مبلغ يفوق قدرته المالية الحالية، بينما تشير أم محمد إلى أن معظم الناس يدركون أهمية الأجهزة الموفرة للطاقة، لكنهم غير قادرين على تحمل تكلفتها الأولية.

ومن الحلول التي يقترحها بعض السكان استخدام "الغسالات المركزية" في الأبنية السكنية لتقليل استهلاك الكهرباء وتوزيع التكلفة بين السكان، إلا أن هذه الفكرة لا تزال محدودة الانتشار، وسط شكاوى من غياب التوعية الكافية حول كيفية احتساب التعرفة الجديدة أو طرق ترشيد الاستهلاك.

ويعتبر من رصدنا آراؤهم خلال إعداد المادة أن التقنين الكهربائي الحالي يؤثر بشكل مباشر على نمط الاستهلاك، إذ يجبر الأسر على استخدام الأجهزة خلال فترات محدودة، ما يؤدي أحياناً إلى ضغط الأحمال الكهربائية في أوقات قصيرة وزيادة الاستهلاك اللحظي.

لم تعد الكهرباء مجرد خدمة أساسية، بل تحولت إلى عبء اقتصادي يعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية داخل المنازل. بات تشغيل السخان أو الغسالة قراراً محسوباً، وتحوّلت ساعات التغذية إلى جدول صارم يحدد إيقاع اليوم.

تُظهر قصتا أم محمد وزياد كيف أصبح التيار الكهربائي عاملاً يعيد تعريف ما هو ضروري وما يمكن الاستغناء عنه، في ظل معادلة قاسية تجمع بين ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، لتصبح الفاتورة الشهرية اختباراً حقيقياً لقدرة الأسرة على الصمود.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض