بلديات ريف دمشق… بين فوضى القرارات والصلاحيات غير القانونية

بلديات ريف دمشق… بين فوضى القرارات والصلاحيات غير القانونية

تقارير وتحقيقات | 7 02 2026

حبيب شحادة

بين ليلة وضحاها استيقظ سكان في بلدات بريف دمشق على تعاميم "أخلاقية" ذُيلت بأختام رسمية تحظر الاختلاط وإقامة الحفلات الموسيقية، ومنع بيع ملابس نسائية من قبل الذكور، عبر قرارات ليس لها سند قانوني وتخالف الإعلان الدستوري المؤقت الذي يعد المرجعية العليا التي تضبط الحريات العامة ويحدد صلاحية السلطات.

في 3 شباط/فبراير الجاري أصدر رئيس بلدية وادي بردى قراراً يمنع إقامة حفلات رقص مختلطة بين الجنسين في المطاعم الشعبية، بذريعة "الحفاظ على القيم الثقافية والسلوكية المحلية"، تحت طائلة الإغلاق والختم بالشمع الأحمر.

وبينما أثار القرار جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، برر رئيس بلدية وادي بردى أحمد شن علي القرار بأنه جاء استجابة لشكاوى الأهالي من الضجيج والموسيقى الصاخبة، وضبطاً لسلوكيات وُصفت بأنها "دخيلة" على ثقافة المنطقة، وفق ما قال في تصريحات صحفية.

وجاء قرار منع الحفلات بعد تسجيل مصور تضمن مشاهد رقص من حفل أقيم في أحد مطاعم وادي بردى، ما أثار اعتراض البلدية التي قررت منع استقبال المجموعات السياحية المختلطة.


ويأتي قرار بلدية وادي بردى ضمن سلسلة قرارات مشابهة أثارت جدلًا مؤخراً، من بينها قرار مجلس مدينة التل الصادر في 24 كانون الثاني/يناير الفائت، والذي يتدخل في طبيعة ما يُباع داخل المحال التجارية، بما في ذلك الملابس النسائية، والذي منع بيعها من قبل الذكور.

قرارات تعسفية

تحاول بعض بلديات ريف دمشق إعادة التحكم بحياة السوريين بلا سند قانوني، وتحت ذرائع "دينية"، ما يطرح تساؤلات جدية حول "دولة القانون" مقابل سلطات أمر واقع محلية تحوّلت إلى جهات تشريعية تفرض نمطاً معيناً بدلاً من ممارسة دورها الرئيسي في تقديم الخدمات المحلية لسكانها، وفق ما يرى خبراء في الإدارة المحلية.

وهذه الفوضى "التشريعية" لا تثير الجدل فقط حول الحريات الشخصية، بل اعتبرها كثيرون مخالفةً للإعلان الدستوري لناحية انتهاك الحريات الفردية ومنها حق العمل وبيع مختلف أنواع السلع سواء كانت نسائية أو غيرها.

كذلك، تفتح تلك القرارات الباب لمسألة قانونية، إذ كيف يمكن لمجلس محلي وُجِد لخدمة الناس أن يتحول إلى سلطة موازية لها قوانينها الخاصة بعيداً عن الإعلان الدستوري المؤقت. وهل هذه المجالس المحلية تمارس تطبيق مشوّه لـ اللامركزية الإدارية لصالح فرض وصاية اجتماعية تحت غطاء حكومي؟

قرارات تخالف القانون 107

تعليقاً على ذلك، ترى المحامية نور جزائرلي أن آلية صدور هذه القرارات غير قانونية، فهي لا تنسجم مع قانون الإدارة المحلية رقم 107 عام 2011، وتحديداً في المادة 25 منه والتي تسمح للمجالس المحلية باتخاذ قرارات في مجالات محددة منها حفظ الصحة العامة وتنظيم المهن والحرف.

وتقول لـ "روزنة": إنه وفقاً للقانون 107 يمكن للبلدية تنظيم أوقات عمل المحال التجارية وشروط ترخيصها وليس لها الحق في إصدار قرارات تمنع فئة معينة (الذكور) من ممارسة مهنة مرخصة قانونياً (بيع الملابس) لأن ذلك يعد تشريعاً جديداً يقيد حق العمل المكفول في الإعلان الدستوري المؤقت.

أما فيما يتعلق بمنع الاختلاط والحفلات، فإن قانون الإدارة المحلية لم يتضمن أي نص يمنح المجالس المحلية والبلديات سلطة منع الاختلاط، كما قالت جزائرلي، مضيفةً، أن القانون سمح للمجلس المحلي بتنظيم الحفلات من حيث المكان والزمان وتراخيص الإشغال بموجب صلاحيات الراحة العامة.

أكثر من ذلك، هناك رقابة على عمل المجالس المحلية، في المادة 115 من القانون 107، والتي تنص: "أن قرارات المجالس المحلية يجب ألا تخالف القوانين والأنظمة النافذة في الدولة". وفي حال صدرت قرارات مخالفة تعتبر باطلة، ويمكن الطعن فيها أمام محكمة القضاء الإداري، وفق جزائرلي.

نساء في اللاذقية يرفضن تعميماً رسمياً يمنع المكياج في أماكن العمل

نساء في اللاذقية يرفضن تعميماً رسمياً يمنع المكياج في أماكن العمل

ضرر اقتصادي


تأثير قرار مجلس مدينة التل محدود، وفق ما قالت بشرى وهي من سكان التل لـ "روزنة".

بينما قد يتضرر الاقتصاد والسياحة بقرار بمنع إقامة الحفلات والاختلاط في بعض مناطق ريف دمشق التي تعتمد على السياحة الداخلية والخارجية، وتدفع أصحاب مطاعم إلى الإغلاق، يبقى تأثير قرار مجلس مدينة التل محدود، وفق ما قالت بشرى وهي من سكان التل لـ "روزنة".

وأضافت في حديثها بأن أغلب محال بيع الملابس النسائية تعمل بها نساء وليس ذكور، مشيرةً إلى أن قرار بلدية التل لن يكون له تأثير كبير على حركة البيع لعدم وجود ذكور في أغلب تلك المحال.


لكن رغم ذلك يعد قرار منع فئة معينة من العمل في بيع ملابس نسائية خرق لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الذي نص عليه الإعلان الدستوري المؤقت، ويوصف بأنه قرار "تعسفي"، كما قال المحامي تحسين حسن لـ "روزنة".

ويؤكد حسن في حديثه، على أن الإعلان الدستوري المؤقت يشير بوضوح لحماية الحريات العامة من أي تضييق غير مبرر تحت ذريعة اجتماعية أو إدارية لا تستند إلى نص دستوري صريح، مشيراً إلى تلك القرارات تفتقر للمشروعية لتعارضها مع مبدأ المساواة والعدالة المنصوص عليهما في الإعلان الدستوري المؤقت.

لا "تقييد" للسياحة

من جانبه نفى رئيس بلدية وادي بردى أن يكون القرار معيقاً السياحة ويحد من الحريات العامة، مدعياً أنه يهدف إلى تنظيم الحريات بما يتوافق مع قيم المنطقة وعاداتها وتقاليدها.

أما وزير السياحة السوري مازن الصالحاني فقال: إنّ القرار "فُهم بطريقة غير دقيقة، وأُخرج عن سياقه الحقيقي". وأوضح في حديث صحفي أنّ "المقصود لم يكن منع الحفلات بحدّ ذاتها، إنّما معالجة حالة محدّدة، جرى في خلالها تجاوز واضح في إحدى الحفلات التي أُقيمت من ضمن منطقة غير مرخّصة لمثل هذا النوع من الفعاليات".

وبينما يهدف قانون الإدارة المحلية لتمكين المجتمعات من إدارة شؤونها الخدمية والتنموية، وفق ما قال حسن، فأنه لم يمنحها سلطة "تشريعية"، أو "وصائية، تفرض قيود على الحريات الشخصية، وفق تعبيره.

ويتخوف حسن من خلق تلك القرارات الإدارية غير القانونية حالة من التشتت التشريعي والإداري ومحاولات تطبيق لا مركزية إدارية "مشوّهة"، وفق وصفه بين منطقة وأخرى. ويطالب بتدخل وزارة الإدارة المحلية لضبط تلك التجاوزات وضمان بقاء عمل البلديات ضمن إطارها الخدمي بعيداً عن تقييد الفضاء العام.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض