تقارير | 27 01 2026
كاتيا داغستاني
أثار تعميم صادر عن محافظة اللاذقية جدلاً واسعاً في الأوساط النسوية والإعلامية، بعد أن دعا جميع إدارات الدولة ومؤسساتها وهيئاتها وشركاتها في المحافظة إلى إبلاغ العاملات بعدم وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي، تحت طائلة المساءلة القانونية.
وجاء في نص التعميم الموقع من محافظ اللاذقية محمد عثمان، والموجه إلى مديريات المناطق والوحدات الإدارية، ضرورة الالتزام بالقرار دون توضيح الأسس القانونية أو الإدارية التي استند إليها.

ويأتي هذا التعميم بعد أشهر من مطالبات مماثلة لمحافظ اللاذقية، إذ كان قد دعا في أيار الماضي، خلال اجتماعات منفصلة مع ممثلين عن ثلاث طوائف مسيحية، إلى تعميم ارتداء النساء لـ"البوركيني" في المسابح والشواطئ المختلطة، معتبراً أن بعض أنماط اللباس "تؤثر سلباً على الأخلاق العامة"، في إشارة إلى حادثة قال إنها تتعلق بابنه، وفق ما نقل عنه ناشطون وقتها.
لماذا المكياج؟
قرار منع المكياج خلال الدوام الرسمي، قوبل برفض واسع من قبل نساء عاملات في قطاعات مختلفة التقتهن روزنة، واعتبرن أنه يمثل تدخلاً مباشراً في الحريات الشخصية، واستهدافاً غير مبرر للنساء دون غيرهن.
"منع المكياج تحديداً غير مبرر"
رشا ممرضة تبلغ 38 عاماً، قالت لروزنة إن القرار "تدخل في الحرية الشخصية"، مضيفة: "لو صيغ القرار على أساس الالتزام بمظهر رسمي أو لائق لكان مقبولاً أكثر، لكن منع المكياج تحديداً غير مبرر، أنا محجبة ولا أضع الكثير من المكياج أصلاً، لكن هذا لا يعني أنني مع القرار، بل أرفضه بالمطلق".
وتساءلت عن سبب تطبيق القرار في محافظة اللاذقية فقط دون غيرها من المحافظات.
بدورها، اعتبرت سها (اسم مستعار)، صحفية تبلغ 32 عاماً، أن القرار يتجاهل أولويات أكثر إلحاحاً في المحافظة، وقالت: "أحب وضع مكياج خفيف وبسيط، وهذا خيار شخصي، 'الاحتشام في اللباس مطلب مفهوم في العمل'، لكن التدخل في المكياج غير مقبول، هناك مشاكل خدمية ومعيشية أكبر بكثير من شكل النساء، وعلى المحافظة الانتباه لسلم الأولويات".
"'الاحتشام في اللباس مطلب مفهوم في العمل'، لكن التدخل في المكياج غير مقبول"
قرار يكرس الطبقية
أما راحيل، معلمة مدرسة بمدينة جبلة في الأربعينات من عمرها، فذهبت أبعد في موقفها، مؤكدة أنها لن تلتزم بالقرار حتى لو أدى ذلك إلى فصلها من العمل، وقالت: "هذا تمهيد لفرض الحجاب بطريقة غير مباشرة، لماذا اللاذقية فقط؟".
وأضافت أن القرار يحمل بعداً طبقياً، موضحة أن "من تستطيع دفع تكاليف عمليات التجميل والفيلر والبوتوكس قد لا تحتاج المكياج، بينما من لا تملك المال يفرض عليها التنازل عن أبسط أشكال الزينة".
بدورها لارا 36 عاماً معلمة مدرسة في مدينة اللاذقية، فقالت لروزنة إنها تضع عادة القليل من الروج والماسكرة، وأضافت بأنها ستتوقف عن وضعهما بحال كان هناك ضرر على وظيفتها، وشاركت راحيل الرأي بخصوص الفيلر والبوتكس، وبأنهما متاحان لمن تمتلك المال وبالتالي فإن القرار سيكرس الطبقية في المجتمع أكثر، على حد تعبيرها.
ورغم رفضهن للقرار من حيث المبدأ، أكدت جميع النساء اللواتي تحدثن لروزنة أنهن سيلتزمن بعدم وضع المكياج في حال كان ذلك سيؤثر على استمرارية عملهن أو يعرض وظائفهن للخطر، باستثناء راحيل التي شددت على تمسكها بموقفها ورفضها الامتثال للقرار حتى لو أدى ذلك إلى فصلها من العمل.
تدخل في الحريات
اعتبر الناشط رامي فيتالي أن صيغة القرار "خاطئة من أساسها"، وقال عبر صفحته على فيسبوك إن التعميم يتضمن "تدخلاً مباشراً في الحريات الشخصية ومخالفة للدستور"، مضيفاً أن الصيغة المقبولة كان يجب أن تكون توصية عامة بالالتزام بمظهر لائق، وليس منعاً صريحاً وتحت المساءلة القانونية.
وأشار فيتالي إلى أن "حتى بعض الرجال يستخدمون مستحضرات تجميل لإخفاء 'عيوب منفرة'"، متسائلاً عن الفرق بين المكياج وصبغ الشعر أو عمليات التجميل.
"القرار يمثل تدخلاً في الشؤون الشخصية للنساء في المجال العام السوري"
وقال الصحفي كمال شاهين إن القرار يمثل تدخلاً في الشؤون الشخصية للنساء في المجال العام السوري، ورأى أن ما يحدث اليوم في القطاع الحكومي قد يمتد لاحقاً إلى الفضاء العام والشارع.
وحذّر شاهين من أن ذلك قد يشكل تراجعاً في وضع المرأة السورية وما حققته خلال السنوات السابقة من نقلات نوعية وانتزاعها لعدد من حقوقها التي نصّت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
واعتبر أن الحكومة تريد إعادة النساء إلى “عصر” تعتقد فيه أنها قادرة على تشكيله وفق مزاجها وتصورها لإدارة الدولة.
وأضاف شاهين أن هناك آلاف المشكلات الأخرى التي يعاني منها السوريون، وكان الأجدر بمحافظ اللاذقية الاهتمام بها بدلاً من الانشغال بقرارات مثل منع المكياج.
اتركوا النساء وملابس النساء
الناشطة النسوية سوسن زكزك وصفت القرار بأنه "تدخل سافر في حياة النساء وفي الحرية الشخصية لكل امرأة لا يحق لأحد أن يتدخل في الشكل الذي تريد المرأة أن تظهر به".
وأضافت لروزنة أن "الحقوق الشخصية مضمونة لجميع المواطنين والمواطنات رجال ونساء وهي جزء أساسي من حقوق الإنسان التي تقع حقوق النساء في صلبها"، مشيرة أن الإعلان الدستوري ينص على التزام الدولة بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، معتبرة أن القرار يتناقض معها بشكل مباشر.
وختمت بالقول: "اتركوا النساء وملابس النساء وما تريد أن تقوم به النساء، دعوهنّ وشانهنّ".
بدورها قالت الناشطة الحقوقية، ريما فليحان"، إن القرار بحال كان صحيحاً "يشكل مؤشراً خطيراً على توجه السلطة"، معتبرة أنه يعكس محاولة لـ"إعادة تشكيل شكل المجتمع السوري وتغيير هويته"، ويمثل "انتهاكاً واضحاً للحريات الشخصية للنساء".
وأضافت أن "لا يحق لأي جهة أو سلطة التدخل في هذه الحريات"، ووصفت القرار بأنه "تعسفي وغير مبني على أي أسس قانونية"، وتساءلت فليحان عن الآلية القانونية التي سيتم اعتمادها لمحاسبة النساء غير الملتزمات بالقرار، قائلة: "على أي قانون ستتم هذه المحاسبة؟"، معتبرة أن ما يجري يعكس "نزعة سلطوية ذكورية في استسهال التحكم بالنساء والمجتمع دون أي ضوابط قانونية أو احترام لحقوق النساء وحقوق الإنسان"، ودعت إلى التراجع الفوري عن القرار.
القرار مؤكد
حديث ولغط حول سحب القرار من عدمه وحذفه من صفحة الفيسبوك الخاصة بالمحافظ، لكن مدير العلاقات الإعلامية في محافظة اللاذقية نور الدين بريمو أكد صحة صدور القرار لروزنة، إلا أنه قال إنه "لا يوجد أي تصريح رسمي إضافي بخصوصه"، دون تقديم توضيحات حول خلفياته أو آليات تطبيقه.
وصدر توضيح للقرار من مديرية اعلام اللاذقية، يؤكد صحة القرار، وأن الهدف منه تنظيم المظهر الوظيفي وتجنب المبالغة بوضع المكياج.

ويستند منتقدو ومنتقدات القرار إلى المادة 12 من الإعلان الدستوري السوري، التي تنص على أن الدولة "تصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته"، كما تعتبر أن جميع الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية "جزءاً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري".
