حقوق اللاجئين السوريين والقانون الدولي: هل يسقط حق اللجوء بسقوط النظام؟

حقوق اللاجئين السوريين والقانون الدولي: هل يسقط حق اللجوء بسقوط النظام؟

عدالة انتقالية | 23 02 2026

لودي علي

ملايين السوريين ممن فروا من الحرب والاضطهاد يواجهون اليوم تحديات قانونية وضغوط سياسية ورغم أن البعض عادوا طوعاً لوطنهم لايزال الملايين أمام مصير مجهول وسط مخاوف من إجبارهم على العودة بطرق مختلفة، لاسيما وأن كثيراً منهم لا يمتلكون مقومات العودة الآمنة بعد.

رغم ذلك تضغط بعض الدول باتجاه إعادة تقييم الحماية التي حصل عليها السوريين أو تقليصها على الأقل، وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن تغيير السلطة يمكن أن يغيّر "وضع اللاجئ" يؤكد القانون الدولي أن التغيير السياسي وحده لا يعتبر سبباً لإسقاط صفة اللجوء، إنما هناك العديد من العوامل الأخرى التي يجب أن تتحقق لتسقط صفة اللجوء، منها الأمان وحماية الحقوق الأساسية واستدامة ضمانات الحماية.

حجم الأزمة

على الرغم من عودة عدد كبير من السوريين إلى البلاد إلى أن النسبة الأكبر لم تعد بعد ووفق تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، عاد ما لا يقل عن 526100 سوري من الخارج خلال النصف الأول من عام  2025، مع انخفاض عدد اللاجئين وطالبي اللجوء السوريين على مستوى العالم إلى 5.6 مليون بحلول منتصف عام 2025، وقد استمرت عمليات العودة في التسارع خلال الأشهر اللاحقة، وبحلول منتصف سبتمبر، عاد حوالي مليون سوري إلى ديارهم من الخارج.

في الوقت نفسه جاء في مسح أعدته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتعاون مع البنك الدولي حول تصورات اللاجئين ونواياهم للعودة إلى سوريا 2025، أن بعض اللاجئين يعبرون عن "الأمل بالعودة يوماً ما"، إلا أن النية الفعلية للعودة خلال الـ 12 شهراً القادمة تبقى منخفضة في كثير من البلدان، بينما قسم كبير منهم لا يخطط للعودة في العام القادم ويفضل الانتظار.

"حوالي 27% فقط من اللاجئين السوريين أعربوا عن نيتهم العودة خلال العام القادم ما يعني أن حوالي 73% لا ينوون العودة ضمن هذه الفترة، و80% من اللاجئين يأملون بالعودة يوماً ما لكنه أمل بعيد المدى"

الفئات القانونية للاجئين السوريين

رغم التوصيف الإعلامي الموحد للاجئين السوريين إلا أن الواقع القانوني أكثر تعقيداً، فهناك فئات مختلفة يصنف ضمنها السوريين الذين فروا من البلاد:

  • الحاصلون على جنسية الدولة المضيفة: لا يعتبرون لاجئين بعد الحصول على الجنسية ويحصلون على حماية كاملة كمواطنين.
  • لاجئون مع حماية لجوء كاملة: هذه الفئة حصلت على صفة لاجئ سياسي وفق اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين والبروتوكول اللاحق لعام 1967، بسبب خوف مبرر من الاضطهاد وهنا صفة اللجوء لا تسقط تلقائياً بسقوط النظام .
  • لاجئون مع حماية إنسانية أو فرعية: هذه فئة لا تُمنح صفة اللاجئ السياسي، لكنها تُمنح الحماية بسبب المخاطر ، وهم معرضون لإجراءات مراجعة أكثر صرامة خاصة مع الحديث عن تحسن الوضع في سوريا.
  • سوريون تحت الحماية المؤقتة: في بعض الدول ُمنح اللاجئون السوريون وضع “الحماية المؤقتة”، تشمل حقوق إقامة مؤقتة وخدمات أساسية، لكنه ليس بصفة لاجئٍ بموجب اتفاقية 1951، ووضعهم يعتمد على الدول المضيفة مثل تركيا ولبنان، وهم أكثر الفئات هشاشة حالياً.

هل يلغى سقوط النظام صفة اللجوء؟

تتعارض الضغوط التي تمارسها بعض دول اللجوء لإجبار اللاجئين على العودة بحجة سقوط النظام مع المبادئ القانونية الدولية. وتوضح المحامية ديما موسى أن إنهاء صفة اللجوء لا يتحقق بمجرد تغير السلطة، بل يرتهن بزوال مسببات الخطر فعلياً.

ويستوجب ذلك تقييماً شاملاً للظروف في بلد الأصل، يركز على معايير حاسمة مثل: مستوى الأمان الشخصي، كفاءة الحماية المؤسساتية، واستدامة الاستقرار الأمني والحقوقي."مضيفة أن تغيير السلطة في بلد الأصل غير كافٍ، ويجب النظر فيما إذا كان التغيير السياسي شكلياً أو حقيقياً، ويضمن أن الدولة أصبحت قادرة وراغبة فعلاً في حماية مواطنيها.

"وفق اتفاقية 1951، إنهاء الحماية يشترط زوال الأسباب الجوهرية والمستدامة للاضطهاد"

ويحق للدول المضيفة مراجعة ملفات اللاجئين، لكن وفق شروط يفرضها القانون أما التقييم الجماعي فهو سلوك غير قانوني، والعودة القسرية لا تكون فقط عبر الترحيل المباشر، بل تشمل وضعه في ظروف تجعل بقاءه مستحيلاً، كحرمانه من السكن أو العمل أو الخدمات الأساسية.

وقف عمليات الإعادة القسرية

أما موقف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن العودة إلى سوريا فكان واضحا حيث شجعت على العودة وأعلنت عن استعدادها لدعم الطوعية منها، إلا أنها في الوقت نفسه أكدت على ضرورة أن تكون العودة طوعية حصراً، خاصة في ظل الظروف غير المستقرة وغير الواضحة، ودعت إلى وقف عمليات الإعادة القسرية .

عودة مشروطة

تقول ميس وهي لاجئة في ألمانيا: لا أفكر في العودة ولا أنكر أنني اتخوف من أن اضطر للقيام بذلك، بعد عشر سنوات هنا تقريباً لم أعد اتقبل العودة إلى بلد تنقصها كثير من الخدمات، وغير آمنة إلى حد ما، لم أحصل على الجنسية ولا اعتقد أنه سيتم ترحيلنا يوماً إذا استمرت الظروف على ما هي عليه، لازلت أحلم بالعودة لكنها مشروطة، سأعود يوماً إذا تحسنت الظروف فقط.

أما رجاء فهي تتوق للعودة من لبنان بعد كل هذه السنوات من العيش الصعب حسب تعبيرها، إلا أنها تتخوف من الوضع المعيشي في سوريا تقول: تأقلمنا على الحياة هنا وكل يوم هناك الكثير من الشائعات عن ترحيلنا قسراً لا نعرف مدى جديتها لكن كيف نعود؟ لم يعد لدي بيت بسبب الحرب ولا أعرف ان كنت سأجد عملا استطيع به أن اعيل أطفالي الثلاثة مع غياب والدهم، لا استطيع أن أعود إن لم يكن هناك دعم مادي كافي سواء من مفوضية اللاجئين أو من الدولة السورية.

عاد أبو خالد مع أسرته مؤخراً من تركيا وكان قد وُعد بمبلغ ستقدمه له المفوضية على دفعتين، يقول: حتى الآن بعد ست شهور تقريباً لم أحصل على شيء، هناك من حصل على المبلغ ولا أعرف المعايير نحاول التواصل مع المفوضية في سوريا إلا أنهم لا يجيبون على الأرقام المخصصة.

وهنا تقول موسى: عندما يختار اللاجئ الانتظار وعدم العودة الآن، فهو يمارس حقاً قانونياً مشروعاً بموجب القانون الدولي فلا يجوز إجباره على اتخاذ قرار العودة.

كيف تضغط الدول

الضغوط التي يتعرض لها السوريون اللاجئون اليوم كبيرة لاسيما مع شائعات كثيراً وبعض التصريخات التي تثير الحفيظة، حيث قال المستشار الألماني فريدريش ميرز موفي وقت سابق إن السوريين لم يعد لديهم أي أساس للجوء في ألمانيا، وبالتالي يمكن البدء بعمليات الإعادة إلى أوطانهم وقد أشار إلى إمكانية ترحيل من يرفض العودة طواعية.

هذا الموقف يُظهر تصعيداً في السياسة لكنه يتعارض مع المبادئ الدولية التي تشترط أن تكون مراجعة الوضع القانوني مرتبطة بتقييم فردي لكل حالة، وليس استنتاجاً عاماً بأن جميع السوريين قد فقدوا أسباب الحماية.

أما تركيا التي تستضيف عدد كبير من اللاجئين السوريين تحت نظام الحماية المؤقتة، فوضع اللاجئين فيها يستند إلى تشريعات داخلية ويمكّنهم من الإقامة المؤقتة والخدمات الأساسية، لكنه لا يمنحهم صفة اللاجئ بموجب اتفاقية 1951 .

وهذه الوضعية القانونية المعتمدة في تركيا تجعل اللاجئين السوريين في موقع هشّ قانونياً مقارنةً بمن حصل على صفة لاجئ سياسي في دول الاتحاد الأوروبي.

لبنان ليس طرفاً في اتفاقية 1951، ويعيش السوريون هناك غالبا في وضع قانوني غير رسمي إذ لا يتمتعون بحماية لجوء رسمية وبالتالي يعتبرلبنان من أكثر البيئات القانونية تعقيداً للمهجرين السوريين، ما يجعل أي مراجعة أو تشجيع للعودة أشد تأثيراً عليهم.


بانتظار العدالة الانتقالية

غياب العدالة الانتقالية واستمرار الإفلات من العقاب يزيدان من المخاطر على العائدين، فعدم كشف مصير المفقودين وتعويض الأضرار المادية تشكل حاجزاً قانونياً وواقعياً أمام العودة الآمنة.

وفي هذا السياق تقول المحامية إن هذه العوامل مرتبطة بشكل مباشر بجوهر الحماية بموجب القانون الدولي، الذي لا ينظر فقط إلى وقف القتال أو تغير السلطة، بل إلى القدرة على ضمان الحقوق الأساسية، فغياب العدالة الانتقالية يعني استمرار خطر الانتقام أو تكرار الأذى والإفلات من العقاب، وانعدام الثقة بمؤسسات الدولة وبالأخص تلك التي كانت مسؤولة عن الانتهاكات.

كما أن عدم كشف مصير المفقودين واستعادة الملكيات يخلق حالة قانونية مرتبطة بشكل مباشر بانعدام الأمان الشخصي والاجتماعي والاقتصادي والقانون، أي أن غياب هذه العوامل تُعتبر مؤشرات على أن شروط العودة الآمنة لم تتحقق بعد، ما يوجب استمرار الحماية الدولية.

المصير المعلق

بين النصوص القانونية الصارمة والواقع الإنساني الهش يقف اللاجئون السوريون اليوم عند مفترق، فبين من عاد بحثاً عن بداية جديدة، ومن اختار الانتظار خوفاً من المجهول، ومن يُدفع نحو العودة تحت ضغط الظروف، يبقى المصير معلقاً.

القانون الدولي لا يكتفي بتغير السلطة، بل يقيس تغير الظروف والقدرة على الحماية وضمان الحقوق، وبوجود عدالة تمنع تكرار المأساة، وهكذا سيظل ملايين السوريين عالقين بين وطن لم يستعد عافيته بالكامل، وعالم يطالبهم باتخاذ قرار العودة قبل أن تكتمل شروطها.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض