عدالة انتقالية | 7 05 2026
لودي علي
الإرث ثقيل والشرخ المجتمعي عميق، لكن العدالة لا بديل عنها ليحصل الضحايا على حقوقهم ويضمن المجتمع عدم تكرار الانتهاكات والجرائم الممنهجة.
وفي هذه المرحلة المفصلية من حياة البلاد، يبرز "قانون العدالة الانتقالية" كواحد من أهم الاستحقاقات الوطنية.
القانون الذي وصلت صياغته إلى مراحلها النهائية، من المفترض أن يكون الضامن القانوني لتعبر البلاد إلى استقرارها بسلام..
توصيات المجتمع المدني
أعلنت مجموعة من منظمات المجتمع المدني السوري وروابط ناجين/ات وعائلات المختفين/ات قسراً وضحايا مختلف الانتهاكات في سوريا توصيات المؤتمر الأول للعدالة الانتقالية في سوريا والتي تمحورت حول إطلاق مسار واسع للمحاسبة القانونية وتطبيق العدالة الانتقالية على المدى القصير لمنع انزلاق البلاد إلى اقتتال أهلي، وعلى المدى الطويل لبناء قطيعة مع عهد الانتهاكات وبناء دولة قائمة على القانون والحقوق.
وتوجهت ضمنها إلى حكومة تصريف الأعمال، فطالبتها بعدم إصدار قانون للعدالة الانتقالية بشكل أحادي، بل العمل على مبادئ عامة بمشاركة كافة أصحاب وصاحبات المصلحة.
راديو روزنة استطلع آراء مجموعة من الفاعلين في المشهد الحقوقي والمدني، حول أبزر النقاط التي يجب على القانون القادم ألا يغفلها..
الدعم الشامل
تطرح رولا بغدادي المديرة التنفيذية لمؤسسة دولتي مجموعة من النقاط حول ما يجب أن يتضمنه قانون ومسار العدالة الانتقالية في سوريا وهي:
- أن يكون مسار العدالة شامل وغير تمييزي، وأن يكون جميع الضحايا متساويين بغض النظر عن الجهة المنتهكة.
- النص على الدور المركزي للضحايا في مسار العدالة الانتقالية، وضرورة النص على مشاركتهم في جميع محطات المسار، والاعتراف بالضحية غير المباشرة وبشكل خاص من النساء.
- النص على الدعم الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والصحي للضحايا والناجين وعائلاتهم، على أن يكون هذا الدعم طويل الأمد بسبب الآثار الجسدية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تدوم مدى الحياة، إضافة إلى تقديم الدعم القانوني المجاني للضحايا وبشكل خاص للنساء.
- تقديم الدعم النفسي المتخصص أثناء عملية التحقيق.
- أن ينص القانون على مشاركة وازنة للنساء في لجان الحقيقة، وهيئات التعويض، والمجالس الإدارية والمحاكم، على ان لا تقل نسبة حضور النساء عن 30%.
- أن يتم تبني آليات تعزز وصول النساء إلى العدالة، مثل سرية المحاكمات، تخصيص غرف في المحاكم للنظر في قضايا العنف ضد النساء لا سيما الخطف والعنف الجنسي، ويفضل أن يكون أغلب المحققات والقاضيات وممثلات الإدعاء في هذه الغرف من النساء.
- تقديم تدريب لكافة القضاة والقاضيات وممثلي/ات الإدعاء العام على آليات التعامل مع الضحايا وضحايا العنف ضد النساء وضحايا الخطف والعنف الجنسي.
- تقديم الدعم النفسي المتخصص للنساء.
أشد العقوبات
أحد أهم النقاط التي يجب الاعتماد عليها في قانون العدالة الانتقالية وفقاً المحامي ينال موسى هي ما نصه الاعلان الدستوري فيما يتعلق بتجريم تمجيد الأسد وأعوانه، وتمجيد أي شخص أو فعل أو فترة زمنية لحقبة النظام البائد يجب أن يتم تجرم (حتى من يمجد تلك الفترة) بعقوبات جنائية لا تقل عن خمس سنوات سجن.
ويضيف: وفي حال دفعت تلك الأفعال إلى التحريض الطائفي أو الاقتتال يجب أن تكون العقوبة الاعتقال المؤبد وألا يشملها أي عفو.
كما يجب ألا يشمل التقادم العقوبات التي جرت في زمن النظام البائد، وأن تكون العقوبات تدريجية وألا تستثني أي أحد، فتاريخياً تم إنزال أشد العقوبات بحق المنتمين إلى الأنظمة السابقة على اختلاف أهميتهم وهذا ما يجب أن يحدث اليوم.
موضحاً، نظرية المساهمة الجرمية تقول إن مرتكبي الجرم هم الفاعل والشريك والمحرض والفاعل المعنوي والمتدخل، والعقوبة تكون واحدة للجميع.
ويطرح موسى مثالاً الأشخاص الذين يقومون بفعل الاعتقال، (لم يقتلوا ولم يعذبوا لكنهم تسببوا في ذلك) لذلك يجب معاقبة الجميع بأشد العقوبات.
ضمان الاستقلالية والحيادية
ولضمان النزاهة والعدالة ترى المحامية والمديرة التنفيذية لمنظمة نون لبناء السلام شيرين سعيد، أن أهم ما يجب أن يتضمنه القانون هو محاكم مختصة بكوادر مدربة على القانون الدولي وحقوق الانسان، كما يجب أن يشمل نطاق العدالة كل من ارتكب الجرائم بحق المدنيين خلال حكم الأسد من كل الأطراف.
من جانب آخر تلفت سعيد إلى ضرورة وجود مختبرات مجانية لفحص DNA للتعرف على الضحايا والكشف عن المقابر الجماعية بإشراف الأمم المتحدة أو خبراء سوريين مع خبراء أممين.
كما من الضروري إشراك الناس وأهالي الضحايا في التخطيط والرقابة على العملية، ووجود محكمة دستورية تراقب العملية بأكملها، وضمان استقلالية وحيادية الهيئات التي تعمل على ملف العدالة الانتقالية.
جندرية العدالة
تؤكد الباحثة القانونية نور عويس من مؤسسة "حقي" أن العدالة لا تستقيم دون مساواة كاملة بين الجنسين، ليس فقط في النصوص، بل في آليات التطبيق والضمانات التنفيذية مطالبة بـ:
أن يتضمن القانون معالجة صريحة للمواد التمييزية التي لاتزال قائمة في القوانين السورية، مثل بعض أحكام قانون الأحوال الشخصية التي تنتقص من أهلية المرأة القانونية، وأحكام قانون العقوبات التي خففت تاريخياً العقوبة عن جرائم تُرتكب بحق النساء، إضافة إلى التمييز في قوانين الجنسية والعمل، لاسيما وإن ضمان حقوق المرأة كمواطنة كاملة الأهلية، دون انتقاص من قدرتها القانونية أو السياسية أو المجتمعية، هو شرط أساسي لأي عدالة انتقالية حقيقية. فالمرأة ليست فئة تحتاج إلى حماية فقط، بل شريكة كاملة في بناء الوطن، وأي قانون يتجاهل ذلك يكرّس الظلم بدل معالجته.
المبادئ الحاكمة
يركز المختص في القانون الجنائي الدولي مدير مؤسس "من حقي" المعتصم الكيلاني على ما وصفه بـ "المبادئ الحاكمة غير القابلة للتفاوض"، ويرى أن القانون من الضروري أن يراعي:
الشمولية وعدم التمييز: مساواة جميع الضحايا في الكرامة بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو الديني أو الجغرافيا أو الجهة المسيطرة سابقاً.
بالإضافة إلى مبدأ الضحايا في قلب العملية أي الانتقال من العدالة التي تركز على الدولة إلى العدالة التي تركز على الضحايا والتي تضمن للضحية الحق في المعرفة، المشاركة، الجبر، وعدم التكرار.
ويرى الكيلاني أن من الضروري إنشاء هيئة وطنية للحقيقة ينص القانون على جعلها مستقلة دستورياً بجدول زمني واضح، لها صلاحية الوصول للأرشيفات وحماية الشهود، ووظيفتها كشف أنماط الانتهاكات وتحديد المسؤولين وتوثيق الذاكرة الوطنية.
وفيما يتعلق بالمساءلة وعدم الإفلات من العقاب يشدد المختص في القانون الدولي على ضرورة النص صراحةً على حظر العفو عن الجرائم الجسيمة، مؤكداً أنه لا يجوز العفو أو التقادم في جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، والتعذيب والاختفاء القسري. ولتحقيق ذلك، يدعو إلى تعددية مسارات المساءلة، بحيث يسمح القانون بمزيج من المحاكمات الوطنية، والآليات القضائية الخاصة أو المختلطة، مع ضرورة التعاون الوثيق مع القضاء الدولي وتفعيل الولاية القضائية العالمية.
وبالنسبة لملف الضحايا، يرى الكيلاني أن جبر الضرر يجب أن يكون نظاماً شاملاً لا يُختزل في التعويض المالي فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة التأهيل الصحي والنفسي، ورد الاعتبار القانوني، وتوفير ضمانات اجتماعية في التعليم والسكن والعلاج، وصولاً إلى إحياء الذاكرة الوطنية.
مؤكداً على ضرورة ربط العدالة الانتقالية بـ ضمانات عدم التكرار كأساس للسلم الأهلي. ويلزم القانون في هذا الصدد بإصلاح مؤسساتي جذري للقضاء وأجهزة الأمن، وتفعيل آليات العزل الوظيفي لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
الفجوات القانونية
تتحدث دانة جركس (من مؤسسي مبادرة خيام الحقيقة) ومن أهالي المغيبين قسراً عن ملاحظات روابط الضحايا على مسودة القانون، مشيرة إلى:
الغموض في بعض المفاهيم مثل غياب ذكر صريح للضحايا من النساء، وعدم وضوح ما تتضمنه مفاهيم مثل "الجرائم الجسيمة".
بالإضافة إلى أن القانون بصيغته الحالية يضع عبء ملاحقة المتسببين والبحث عن الأدلة على عاتق الضحايا، دون توضيح لمدى التزام الدولة بمنحهم الوصول لملفات وأدلة نظام الأسد.
وبشكل شخصي ترى جركس أن من الضروري بعد إقرار القانون بنسخته النهائية أن يكون هناك خطة تنفيذية واضحة وإطار زمني أولي ومراجعات وتقييمات دورية للمسار، وآليات مسائلة المعنيين وان يتم هذا الأمر بأسرع وقت ممكن لتجنب حصول المزيد من الانتهاكات والضحايا.
مبادئ العدالة والحقيقة والإنصاف
مسار العدالة الانتقالية مسار متكامل القانون جزء منه، مجموعة من منظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا أعدت ورقة تنص على المبادئ العامة لتطبيق العدالة والحقيقة والإنصاف في سوريا، باعتبارها الحد الأدنى من التوافق المطلوب لإرساء مسار شامل للعدالة، يكفل إنصاف الضحايا وأسرهم وتحقيق العدالة وضمان عدم تكرار الجرائم والانتهاكات في المستقبل.
وهذه المبادئ هي:
الالتزام بمسار عدالة شامل وغير تمييزي
مركزية دور الضحايا وحقهم/ن في المشاركة
تأكيد قيادة النساء في مسارات العدالة الانتقالية
رفض الإفلات من العقاب
القيادة والملكية السورية الشاملة لمسار العدالة
تنسيق فعال ورؤية جماعية من أجل عدالة انتقالية شاملة وشفافة
الالتزام بحق معرفة الحقيقة
الالتزام بإعادة إعمار عادل لا يكرس الانتهاكات
العدالة الانتقالية مسار طويل لا لحظة عابرة
شراكة دولية داعمة لمسارات العدالة والحقيقة والإنصاف بقيادة سورية
بانتظار القانون..
قانون العدالة الانتقالية واحد من أهم الخطوات المنتظرة في هذه المرحلة الحساسة، ولابد أن يتضمن كل النصوص التي من شأنها أن تنقل البلاد إلى بر الأمان، لذا من الضروري أن يكون قانوناً يلبي احتياجات السوريين.. ينصف الضحايا ويضمن عدم تكرار الانتهاكات ويراعي القوانين الدولية ذات الصلة.


