تقارير وتحقيقات | 6 01 2026
محمد الحاج
في الوقت الراهن، وعند الحديث عن فنزويلا والتطورات السياسية المتسارعة هناك، يتبادر إلى ذهن بعض السوريين، وجود الجالية السورية هناك، لكن دون معلومات واضحة، متى وصلوا، ما عددهم، أين يقيمون، ما وضع البلد.
في المادة التالية، سنسلط الضوء على رحلة الرواد السوريين إلى فنزويلا، مناطق استقرارهم في المدن والمناطق الريفية، أبرز الشخصيات السورية‑الفنزويلية في السياسة والثقافة والفن، وتأثير الأزمة الاقتصادية على حياتهم وحياة الفنزويليين عامة.
السوريون يصلون فنزويلا.. "بلاد النعمة"
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ونتيجة صراعات ناجمة عن الاستعمار الفرنسي والانكليزي، قرر عدد قليل من المهاجرين الشبان خوض رحلة طويلة إلى دول أمريكا الجنوبية، وكانت الوجهة الرئيسية إلى الأرجنتين والبرازيل.
لكن، كانت وجهة بعض هؤلاء الشباب أملاً في حياة أفضل، إلى فنزويلا، التي أسماها كريستوف كولومبوس "La Tierra de Gracia" أو "بلاد النعمة" والمعروفة أيضاً بـ"بلد النفط".
أول السوريين الذين وصلوا إلى فنزويلا من المسيحيين (الموارنة والكاثوليك والأرثوذكس) والمسلمين والدروز، حسب موقع "elnacional".

مدينة بالانسيا في فنزويلا - إنترنت
الرواد السوريون في فنزويلا.. وقرار الاستقرار
كان غالبية المغامرين الأوائل المعروفين باسم "الرواد" إلى البلاد اللاتينية البعيدة، من الشباب العزب من سوريا ولبنان وتركيا، سافروا بالسفن عبر المحيطات، برحلة طويلة جداً وشاقة للغاية.
واقتصر التواصل مع العائلات في سوريا لجيل "الرواد" على الرسائل مرة واحدة كل شهرين، بأحسن الأحوال، وهو وقت لم يكن كافياً أحياناً لوصول رسالة المهاجر بحراً، وتلقي رد العائلة، وإعادتها عبر نفس الطريق.
سرعان ما تمكن الشبان من الاندماج بالثقافة الفنزويلية، متجاوزين تحديات اللغة والأعراف والتقاليد المختلفة جذرياً، وسرعان ما تحول هدفهم من تحسين وضعهم الاقتصادي والعودة إلى سوريا، إلى رغبة في جلب العائلة وبناء حياة جديدة في هذه الأرض المليئة بالفرص.

المهاجرون العرب في أمريكا اللاتينية (غير محددة الدولة) - origenes.online
أين يقيم السوريون في فنزويلا؟
تركز المجتمع السوري في فنزويلا بالمدن الكبرى والمناطق الحضرية، حيث تتاح لهم فرص اقتصادية أكبر وشبكات دعم اجتماعي أوسع. ومن أبرز المدن التي استقر فيها السوريون:
كاراكاس: العاصمة، حيث يوجد أكبر عدد من الأسر السورية، وخاصة في الأحياء التي يسهل الوصول فيها إلى الأسواق والتجارة والخدمات.
ماراكايبو: أهم ميناء على الساحل الشمالي الغربي، استقر فيه العديد من المهاجرين السوريين العاملين في التجارة والخدمات.
فلنسيا وباركيزيميتو: مدن صناعية وتجارية جذبت السوريين الباحثين عن فرص عمل واستثمار.
لا غويارا: بوابة الموانئ الرئيسة، استقر فيها قطاع من المهاجرين للتجارة والاستيراد.
بويرتو لا كروز: مدينة ساحلية ذات نشاط تجاري وميناء مهم، استقر فيها عدد من العائلات السورية.
بالإضافة إلى المدن الكبرى، اختار بعض المهاجرين — خصوصاً من الخلفيات المسلمة والدروز — العيش في المناطق الريفية مثل:
كالابوزو
فاليه دي لا باسكوا
مناطق أخرى أقل كثافة

العاصمة الفنزويلية كاراكاس - إنترنت
أسماء سورية - فنزويلية بارزة
برز أبناء الجالية السورية في فنزويلا في مجالات السياسة والثقافة والفنون والمجتمع، وأصبح بعضهم أسماء معروفة على الساحة الوطنية والدولية.
من بين هؤلاء طارق زيدان العيسمي، السياسي البارز من أصل سوري الذي شغل مناصب مهمة في الحكومة الفنزويلية، بما في ذلك نائب رئيس جمهورية فنزويلا بين 2017 و2018، بالإضافة إلى مناصب وزارية في الداخلية والعدل ووزير للنفط ، وهو ابن أب سوري وجذوره من السويداء.
وفي نيسان العام الماضي، اعتقلت السلطات الفنزويلية طارق العيسمي، الذي استقال من منصبه كوزير للنفط في 2023، في إطار التحقيق بقضية فساد في "شركة النفط الوطنية الفنزويلية" المملوكة للدولة.

في عالم الموضة، برز أسامة ايشتاي، مصمم أزياء فنزويلي من أصول سورية، حقّق شهرة واسعة في الولايات المتحدة، وارتدت تصاميمه نجوم عالميون مثل تيرا بانكس ولاورين لندن وعُرضت مجموعاته في فعاليات مثل أسبوع الموضة في لوس أنجلوس.

مريم حبش سانتوتشي، هي عارضة أزياء وطالبة طب أسنان فنزويلية من أصل سوري، توّجت ملكة جمال فنزويلا 2015 ومثّلت البلاد في مسابقة ملكة جمال الكون 2016. والدها من مدينة طرطوس السورية، وهي تتقن الإسبانية والعربية والإيطالية بفضل تراثها المتعدد.
مليون سوري في فنزويلا.. البلاد المتعبة
يقدر عدد الأشخاص من أصل سوري في فنزويلا بحوالي مليون نسمة، ويشكلون الغالبية العظمى من الجالية العربية في البلاد.
ويطلق البعض لقب "فنزويلا الصغرى" على مدينة السويداء التي زارها الرئيس الفنزويلي الراحل تشافيز في 2009، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى وجود نحو 60 ألف سوري يحملون الجنسية السورية في سوريا حالياً، بمحافظات حلب وطرطوس والسويداء وجرمانا بشكل رئيسي.
على الرغم من الاندماج الاجتماعي والثقافي، واجه السوريون والفنزويليون من أصول سورية تحديات اقتصادية كبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية التي ضربت فنزويلا خلال العقد الأخير، بما في ذلك التضخم ونقص السلع الأساسية.
منذ عام 2014 وحتى منتصف عام 2024، غادر أكثر من 7.7 مليون فنزويلي وطنهم، أي ما يعادل نحو 20 ٪ من السكان، واستقرت الغالبية في دول الجوار وأمريكا اللاتينية وأماكن أخرى حول العالم، مما يجعلها واحدة من أكبر موجات النزوح في التاريخ الحديث للمنطقة.
اقتصادياً، شهدت فنزويلا مرحلة من التضخم المفرط في السنوات السابقة بلغت مستويات غير مسبوقة، حيث وصلت أرقام التضخم إلى مستويات ضخمة بلغت مئات الآلاف في المائة خلال أوقات الذروة، ما قبل تحسين جزئي للوضع النقدي في 2024–2025.
ويبدو أن السوريين في فنزويلا أمام مرحلة جديدة في مستقبل "بلد النعمة" المتعبة الغارقة بالفقر، وعينهم بعضهم على أرض الأجداد التي تصارع هي الأخرى للوقوف على قدميها.