تقارير وتحقيقات | 12 12 2025
محمد الحاج
شهدت سوريا خلال العام الأول بعد سقوط النظام السابق تحولات اقتصادية متعددة ومتناقضة، شملت خطوات نقدية مثيرة للجدل، ووعود استثمارية ضخمة، وإصلاحات في نظام الرواتب.
وبينما تحاول الحكومة الانتقالية إعادة استقرار الاقتصاد المنهك، تظهر تحديات كبيرة تتمثل في التضخم المرتفع، ضعف البنية المؤسسية، وتباين وجهات النظر بين الخبراء والمواطنين.
هذا التقرير يرصد أبرز الملفات الاقتصادية للعام الفائت، ويستعرض الجهود المبذولة، والجدل الذي رافقها، والفرص المحتملة لإعادة بناء الاقتصاد السوري.
العملة الجديدة في سوريا.. الخبراء منقسمون!
ما إن كشف المصرف المركزي السوري في آب/أغسطس عن نيته إصدار أوراق نقدية جديدة بعد حذف صفرين من الليرة بهدف استعادة الثقة بالعملة، حتى شهد تبايناً واسعاً في آراء السوريين والخبراء حول جدوى الخطوة وتوقيتها.
فبينما يرى فريق من الاقتصاديين أن حذف الصفرين قد يحمل أثراً نفسياً إيجابياً ويساهم في تخفيف الفوضى النقدية، يعتبر آخرون أن القرار مكلف وغير مدروس، ويأتي في ظروف اقتصادية غير مهيأة مع استمرار التضخم وضعف البنية المصرفية.
وبداية الشهر الجاري، أعلن المصرف المركزي أنه لم يحدد موعداً نهائياً لطرح العملة الجديدة، قبل أن يؤكد الحاكم عبد القادر الحصرية في تصريح لرويترز أن الإصدار المرتقب سيشمل ثماني فئات نقدية، إذ ستكون العملة الجديدة بمثابة "إشارة ورمز للتحرر المالي".
اقرأ أيضاً: حذف صفرين من الليرة السورية.. كيف علق خبراء اقتصاديون؟

التضخم في سوريا: من 170 بالمئة إلى 15 فقط!
وفي مقابلة، بداية الشهر الجاري، بمناسبة مرور عام على سقوط النظام السابق، قال حاكم المصرف عبد القادر حصرية إن حجم التضخم انخفض من 170 بالمئة "ليلة السقوط" إلى 15 بالمئة فقط.
وسبق أن صرح حاكم المصرف في سوريا قبل نحو أسبوع، لرويترز، أنهم يعملون على إيجاد أساليب للحصول على تقديرات دقيقة للناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أن سوريا لا تملك بيانات اقتصادية موثوقة.
والتضخم هو ارتفاع مستمر في أسعار السلع والخدمات، ما يقلل من القدرة الشرائية للنقود، ويزيد تكاليف المعيشة على المواطنين.
وفي نشرة للمركز السوري لبحوث السياسات حول التضخم في سوريا، نشرت في شباط/فبراير الماضي، أكدت أنه رغم انخفاض معدل التضخم المدفوع بانخفاض العديد من السلع والعدمات، وتحسن الليرة السورية، لا تزال الأجور غير كافية لتغطية خطوط الفقر واستمرار التحديات الاقتصادية للأسر السورية.
الاستثمار في سوريا: وعود كبيرة ينالها التشكيك!ركز رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع على ملف الاستثمار، والتقى على مدار الأشهر الماضية بعدد من رجال الأعمال السوريين والعرب والأجانب.
لكن تعرضت فعاليات توقيع مذكرات تفاهم استثمارية، لتشكيك حول جدية بعضها، في ظل بروز أسماء شركات تتهم بأن لا تاريخ لها في تنفيذ مشاريع كبيرة بمئات ملايين الدولارات كما أعلنت.
قدمنا عبر موقعنا الإلكتروني على مدار العام الفائت تقارير تتضمن معلومات تفصيلية عبر المصادر المفتوحة، حول الجهات التي أعلن عن توقيعها لمذكرات تفاهم تنفيذ مشاريع استثمارية بمليارات الدولارات.
اقرأ أيضاً: ضخ سعودي لـ6 مليارات دولار في سوريا.. ماذا نعرف عن استثمارات المملكة؟

ومن أبرز مذكرات التفاهم التي تحولت إلى اتفاقيات نهائية، توقيع وزير الطاقة محمد البشير في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، عقود تنفيذية لإنشاء 8 محطات لتوليد الكهرباء بقدرة إجمالية تبلغ 5 آلاف ميغا واط، مع تحالف شركات تقوده "أورباكون القابضة"، رئيس مجلس إدارتها، السوري القطري رامز الخياط.
وتبلغ قيمة الاستثمار التي أعلن عنها عند توقيع "مذكر التفاهم الاستراتيجية" بسبعة مليارات دولار أمريكي، فيما يتيح -حسب وزير الطاقة- أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة و200 ألف غير مباشرة.
ووقع تحالف شركات بقيادة "أورباكون" أيضاً، الشهر الفائت، العقود النهائية الخاصة بالاستثمار في تطوير وتوسعة وتشغيل مطار دمشق الدولي، بقيمة إجمالية بلغت 4 مليارات دولار.
اقرأ أيضاً: سوريا: توقيع اتفاقية الكهرباء مع "أورباكون" رسمياً.. والتفاصيل شحيحة!

وفي تقرير لمجموعة البنك الدولي هذا العام، أكد أن الحرب في سوريا أدت لانهيار الاستثمار الخاص والعام على حد سواء.
وانكمش الاستثمار من نسبة 19.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في سوريا بين 2006 و2010، إلى 14.2 بالمئة بين 2011 و2022، وهو مستوى منخفض مقارنة بالاقتصادات الهشة والمتأثرة بالصراع.
ولم يتضح بعد إذا كانت مذكرات التفاهم الموقعة على مدار الأشهر الماضية، أصبحت لاغية أم أن بعضها سيتحول لعقود تنفيذية، في ظل تشكيك خبراء بجدية بعضها وإشارة آخرين لانتظار مستثمرين إزالة عقوبات "قانون قيصر" بشكل نهائي، لتوقيع الاتفاقيات النهائية.
المرتبات: زيادة ووعود واحتجاجات!
شهد العام الفائت الذي أعقب سقوط النظام السابق وهروب الرئيس المخلوع بشار الأسد، زيادة وحيدة في المرتبات بنسبة 200 بالمئة في حزيران/يونيو، فيما كانت الوعود الأولية بزيادة 400 بالمئة.
وقال وزير المالية محمد برنية لموقع "الجزيرة" القطري، في أيلول/سبتمبر الماضي، إن زيادة المرتبات "حسّنت القوة الشرائية لموظفي القطاع العام بمعدل يتراوح بين 3 و4 أضعاف، مستفيدة من تحسن سعر الصرف وإضافة التعويضات".
وأكد الوزير إلى أن المرحلة الثانية من خطتهم بزيادة المرتبات "المقررة للعام القادم، ستشمل زيادات نوعية تستهدف قطاعات محددة مثل القضاء والتعليم والصحة والرقابة والأمن والدفاع"، مشيراً إلى زيارة بمقدار 10 أضعاف لمرتبات بعض الوظائف في السلك القضائي.
"أما المرحلة الثالثة فتتضمن إصلاحات جذرية في قانون الخدمة المدنية، تشمل إلغاء نظام العاملين الموحد ووضع هياكل رواتب مرنة تراعي خصوصية كل وزارة"، حسب الوزير برنية.
وشهد العام الفائت، العديد من الاحتجاجات وحالة من السخط ضد إجراءات فصل وصفت بـ"التعسفية" بحق موظفين، قالت الحكومة الانتقالية أنها أتت في إطار مكافحة "الموظف الشبح"، قبل أن تتراجع نسبة واسعة من الوزارات عن قرارات الفصل.
وفي سياق متصل، أصدرت وزارات خلال العام الماضي قرارات تقضي بإعادة الموظفين الذين فصلوا لأسباب مرتبطة بمشاركتهم في الثورة السورية.
ويستهلك 24.8 بالمئة من السوريين، أي نحو 5.7 مليون شخص، أقل من خط الفقر الدولي للبلدان منخفضة الدخل، البالغة 2.15 دولاراً أمريكياً للفرد باليوم الواحد، حسب تقديرات وردت في تقرير لمجموعة البنك الدولي.
وبعد سقوط النظام وسيطرة الإدارة الجديدة على العاصمة دمشق، وضع 78 بالمئة من سكان سوريا و60 بالمئة من اقتصاد البلاد تحت سيطرة الحكومة الانتقالية، فيما لا تسيطر إلا على 9 بالمئة فقط من إنتاج النفط، وتبقى الغالبية العظمى منه تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية".
ويرى خبراء أن نجاح السياسات الحكومية في تحقيق الاستقرار المالي وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، يعتمد على تنفيذ الخطط بفعالية، وتوفير الشفافية، واستعادة الثقة بين الأطراف المختلفة.
وبذلك، سيكون العام المقبل اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة الانتقالية على تحويل الوعود إلى واقع ملموس ينعكس إيجاباً على حياة السوريين اليومية.
