مدونات | 29 11 2025
كاتيا داغستاني
في لحظة كان يُفترض أن تكون “وطنية”، انفجر الإنترنت بالأسئلة: لماذا بدت بعض مشاهد المسيرات أقرب لإحياء ذاكرة العنف من تعزيز المصالحة؟
هذا السؤال تصدّر نقاشات السوريين بعد المسيرات الحاشدة التي شهدتها عدة مدن بدعوة من رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع تحت شعارات “الوحدة الوطنية” و“رفض التقسيم”. لكن الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي حملت إشارات رمزية أثارت إرباكًا واسعًا، وفتحت الباب أمام جدلٍ جديد حول معنى “الرموز” في المشهد السياسي السوري.
فبينما أرادت السلطة الانتقالية تقديم صورة جامعة، اعتبر مراقبون أنّ بعض المشاهد حملت رسائل طائفية أو قومية تعيد إلى الواجهة ذاكرة سورية مثقلة بالعنف الرمزي: من حادثة نزع الحجاب القسري في الثمانينيات، إلى قصّ الشوارب ورمزية المقص خلال أحداث السويداء، وصولًا إلى “صندوق البويا” التي بدت لكثيرين كحلقة جديدة في سلسلة من محاولات ضبط الجسد والهوية في المجال العام.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن وحدة وطنية، وصور يعيد السوريون قراءتها من زاوية الذاكرة الجمعية، ظهر سؤال أكبر: هل نتجه نحو مصالحة فعلية، أم نحو إعادة تدوير أدوات السلطة ولكن بواجهة جديدة؟
في ما يلي أبرز ثلاث لقطات أثارت الجدل:
من إدلب… خطاب تهديدي موجّه إلى العلويين
رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، دعا السوريين والسوريات بالتزامن مع ذكرى انطلاق عمليات "ردع العدوان" إلى التنادي بالوحدة الوطنية والتمسك بالهوية السورية، والتي كانت في سياق الرد على الدعوات بالفيدرالية والاستقلال في اللاذقية والسويداء من بعض الأطراف السياسية.
لكن هذه الدعوات قوبلت على الأرض بشكل مختلف، وبدل التأكيد على شعار الوحدة الوطنية حملت الخاطابات في بعض المدن دعوات تحريضية وتهديدات ضد المكون السورية الأخرى. ولعل أبرزها، مقطع مصوّر من مسيرة في إدلب، اظهر فيه مقتطفات من خطاب تحريضي أمام الجموع المتجمهرة في الساحة يحمل التهديد والوعيد ضد الطائفة العلوية.
ورغم التهديدات العلنية في الخطاب، يطرح سؤال جدي على للهيئة السياسية في مدينة ادلب حول محاسبة صاحب الخطاب العنفي الموجه تجاه مكون أساسي في بناء الدولة السورية.
في دمشق… صندوق بويا يتحول إلى “رمز للإهانة والتمييز”
وليس بعيداً عن القصر الجمهوري في دمشق، أثار ظهور مشارك يحمل "صندوق بويا" دون لافتات توضيحية ردود فعل متباينة. فسّر عدد من الناشطين الكرد والمراقبين المشهد باعتباره إشارة مسيئة للمواطنين الكرد.
يرتبط "صندوق البويا" تاريخيًا بما يُعرف بـ"مكتومي القيد"، في إشارة إلى الكرد السوريين الذين حُرموا من الجنسية بعد إحصاء جرى في محافظة الحسكة عام 1962، ما اضطرهم للعمل في مهن حرفية.
وهي ليست المرة الأولى على استخدام رمزية صندوق البويا عند أول مشكلة سياسية ضد "قوات سوريا الديمقراطية" كتنظيم سياسي-عسكري كأولى.

وتزداد حساسية هذا التأويل عند وضعه في سياق التوتر القائم حالياً بين الحكومة السورية الانتقالية و"قسد"، ولا سيما الخلافات حول إدارة المناطق ذات الغالبية الكردية، في سوريا، وتقاسم النفوذ، وملفات الإدارة المحلية والموارد. وهي قضايا لم تُحسم بعد رغم محاولات متفرقة للتهدئة أو فتح قنوات تفاوض، ما يجعل أي إشارة رمزية تُقرأ بسهولة باعتبارها موقفًا من هذا النزاع.
وبرغم محاولات البعض تفسير المشهد على أنه موجّه ضد “قسد” كجهة سياسية-عسكرية، أظهر التفاعل الشعبي أن دلالاته تجاوزت هذا المستوى إلى المساس بالهوية الكردية عموماً.
لافتات “بيت جن”… تضامن يتحوّل إلى معيار للولاء
"بيت جن بترفع الراس"... و"بين من يقاوم الاحتلال ومن يطالب به" لم تكن مجرد شعارات عابرة في المسيرات الأخيرة التي قُدّمت رسميًا على أنها تعبير عن دعم بلدة بيت جن بعد الهجمات الإسرائيلية، بل تحولت إلى مرآة تعكس التاريخ الطويل للخطاب السياسي الذي هيمن على سوريا لعقود.
ورغم أن الحدث صُوّر بوصفه لحظة وطنية جامعة، تلقّى كثيرون تلك الهتافات كرسائل مُشفَّرة تعيد إنتاج ثنائية خطرة: مناطق "تقاوم الاحتلال"، مقابل أخرى يُلمّح إليها بأنها "تبحث عن حمايته".
هذا التأويل لم يأتِ من فراغ؛ فمنذ سبعينيات القرن الماضي بنى النظام السياسي السوري، بقيادة عائلة الأسد، سرديته المركزية على تمجيد خطاب "المقاومة" بوصفه معيار الوطنية الأوحد—خطاب استخدم ليس فقط لإضفاء قداسة على السلطة، بل أيضًا لترسيخ حالة من التعالي السياسي والأخلاقي على المجتمع.
ومع كل تصعيد عسكري أو أزمة داخلية، كان النظام يعود إلى هذه الثنائية ليقدّم نفسه "حامي الوطن" و"المقاوم"، مقابل وسم المعارضين—بمختلف اتجاهاتهم—بتهم جاهزة: "عملاء"، "متخاذلون"، "خارجون عن الصف الوطني". هكذا تحوّل مفهوم المقاومة من قضية سيادية جامعة إلى أداة لفرز المجتمع وإخضاعه، وإلى معيار يمنح الشرعية أو يسحبها وفقًا لموقع الأفراد والجماعات من السلطة.

وفي هذا السياق، بدا للكثيرين أن الشعارات التي رفُعت في المسيرات الأخيرة لم تنفصل عن هذا الإرث الخطابي، بل أعادت إحياءه بطريقة تُشعر جزءاً من السوريين بأن اللحظة الوطنية المفترضة ليست سوى امتداد لخطاب قديم طالما استُخدم لإقصائهم أو التشكيك في انتمائهم.
غياب التصريحات الرسمية
حتى وقت نشر هذا التقرير، لم تصدر تصريحات رسمية من الحكومة الانتقالية تعلّق على المشاهد المثيرة للجدل، ولم يتضح ما إذا كانت هناك إجراءات مخططة لوضع ضوابط أكثر صرامة للفعاليات العامة المقبلة.
كانت تصريحات رسمية سابقة قد شددت على أن المرحلة الانتقالية تهدف إلى "تضميد الجراح" و"استعادة اللحمة الوطنية"، دون أن توضح الآليات المحددة لتحقيق ذلك.
بحسب أبحاث في علم الاجتماع والعلوم السياسية، إن العنف الرمزي — أي استخدام الرموز، الصور، أو الخطابات التي تحمل إساءة أو تمييزًا تجاه مجموعة بعينها — لا يقتصر على إيذاء فرد أو مجموعة فحسب، بل يحمل آثارًا واسعة على رأس المال الاجتماعي (social capital)، أي شبكة الثقة والتعاون التي تربط بين مكونات المجتمع.
وحسب دراسات أكاديمية عندما تُوجّه إساءات أو رموز مميزة ضد فئةٍ ما مرتبطة بالعنف، أو عندما تُحتوى الفعاليات العامة برسائل تُثير خطاب التفرقة أو التهميش — كما قد يحدث مع شعارات أو رموز تحمل دلالات طائفية/عِرقية أو إثنية — فإن ذلك يؤدي إلى تآكل الثقة بين المجموعات.
وقد وثّقت الدراسات أن انتشار خطاب الكراهية والتحريض — سواء عبر الإعلام التقليدي أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي — يساهم بفاعلية في ضعف التماسك الاجتماعي وتقويض مفهوم “الوطن المشترك”.
في السياق السوري، هذا يعني أن رموز مثل “صندوق البويا” أو شعارات تُستخدم في مسيرات يُفترض أنها وطنية، لكنها تُحمّل دلالات مضمَّرة عن التمييز أو الإقصاء، ليست مجرّد “تفاصيل” رمزية عابرة — بل هي إعادة إنتاج لإرث من العنف الرمزي قد يعيد فتح جراح الماضي، ويزرع بذور الشك وعدم الثقة بين مكونات المجتمع.
وهذا بدوره يضعف أي مشروع حقيقي لـ "عقد اجتماعي جديد": لأن العقد لا يُبنى على شعارات وحدوية فقط، بل على ثقة متبادلة، قبول بالآخر، واعتراف متبادل بالحقوق والمواطنة — وهذه القيم لا تنمو في بيئة تتسم بالتمييز الرمزي أو خطاب الكراهية.
أسئلة مفتوحة
تطرح المشاهد المثيرة للجدل من مسيرات الجمعة عدة تساؤلات: كيف ستتعامل السلطات مع مثل هذه الحوادث مستقبلاً؟ وهل ستُوضع ضوابط أوضح للفعاليات العامة؟ وما هي الآليات المتاحة لضمان احترام جميع مكونات المجتمع السوري؟
هذه الأسئلة تبقى مفتوحة في انتظار تطورات المرحلة الانتقالية وكيفية تعامل الحكومة مع التحديات المرتبطة ببناء عقد اجتماعي جديد في بلد متعدد الهويات والمكونات.
في بلد متعدد الهويات، تصبح الكلمة والرمز والصورة قادرة على حمل معانٍ تفوق حجمها بكثير. وما ظهر يوم الجمعة يشير بوضوح إلى أن الطريق نحو عقد اجتماعي جديد ما يزال هشاً ومتعرجاً، وأن الخطاب الوحدوي لن يترسخ ما لم يُترجم فعليًا إلى ضبط للخطاب العام ومساءلة للممارسات التمييزية داخل المجالين السياسي والشعبي.

