تقارير وتحقيقات | 13 10 2025
حبيب شحادة
بعد سقوط النظام السوري السابق، شهدت سوريا ولبنان سلسلة زيارات متبادلة تناولت ملفات عدة، على رأسها قضية الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية. وفي آخر زيارة جرت منذ أيام، تم الاتفاق على تسليم جزء من هؤلاء الموقوفين، مع استثناء من "ترتب على جرمهم دم بريء".
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام، يُتوقع أن تُوقّع دمشق وبيروت خلال الأسبوع المقبل اتفاقاً قضائياً، يتبعه زيارة وفد قضائي وزاري سوري إلى سجن رومية للاطلاع على أحوال الموقوفين وواقعهم المعيشي. وتعتمد دمشق في مقاربتها لهذا الملف على تفعيل الإطار القضائي التعاوني بين البلدين، بما يسمح بتسريع المحاكمات، ونقل قسم من الموقوفين إلى سوريا لاستكمال محاكمتهم هناك.
وتأتي هذه التفاهمات عقب زيارة رسمية أجراها وفد سوري إلى لبنان برئاسة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، يرافقه وزير العدل مظهر الويس، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، ومدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية محمد طه الأحمد.
ملف الموقوفين: أولوية
أكد قائد الجيش اللبناني، العماد جوزاف عون، خلال لقائه وزير الخارجية السوري، على ضرورة تعميق العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا عبر تشكيل لجان مشتركة تعنى ببحث الملفات العالقة، ولا سيما الاتفاقيات الموقعة بين البلدين التي تحتاج إلى إعادة دراسة وتقييم.
وحسب تغريدة على موقع الرئاسة اللبنانية قال عون إن “الطريق أمامنا طويل، ومتى صفت النوايا فإن مصلحة البلدين الشقيقين تسمو على كل الاعتبارات، وليس لدينا خيار سوى التفاهم على ما يضمن هذه المصلحة”.
وفي ما يتعلق بالحدود المشتركة، أوضح أن الوضع على الحدود اللبنانية–السورية بات أفضل من السابق، مشيرًا إلى أن الملفات التي تحتاج إلى معالجة، كما نوقشت مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقاءين سابقين في القاهرة والدوحة، تشمل ترسيم الحدود البرية والبحرية، وخط الغاز، وملف الموقوفين، مؤكداً العمل على دراستها بما يحقق المصلحة المشتركة.
رئيس المرحلة الانتقالية وفي رد على سؤال أثناء زيارته على باريس حضرته روزنة: أكد أن الملف معقد وليس بالسهل وسيحتاج وقت لانجازه.
كيف ستجري عملية الإفراج؟
يتطلب إطلاق سراح الموقوفين السوريين في لبنان إيجاد صيغة قانونية والتوقيع على اتفاق تعاون قضائي يسمح بتسليم المسجونين والموقوفين، وفق ما قال نائب رئيس الحكومة الوزير طارق متري الذي يترأس اللجان المشتركة بين البلدين، مشيراً إلى أنه اتفق على اجتماع سيعقد الثلاثاء المقبل في بيروت بين وزير العدل عادل نصار ونظيره السوري مظهر الويس، وفق ما نقلت جريدة "إندبندنت عربية".
وأضاف متري، بأن البداية ستكون بإخلاء سبيل الموقوفين بتهم سياسية تتعلق بمعارضتهم للنظام السوري السابق، ولم يرتكبوا جرائم قتل أو محاولة قتل أو حمل السلاح على الأراضي اللبنانية، وعدد كبير منهم تخطت فترة توقيفه أعواماً، وكانوا ضحية شكاوى ضدهم من قبل "حزب الله"، فيما لم يُتفق على لائحة الأسماء النهائية.
ويشرح متري أن قضية الإفراج عن الموقوفين تحتاج إلى بعض الإجراءات القضائية، كأن يقوم القاضي الذي أصدر مذكرة التوقيف بإصدار قرار إخلاء السبيل، مؤكداً أن السلطة السياسية لا يمكن أن تتدخل في عمل القضاء.
ما عقبات تنفيذ الاتفاق؟
يعتقد المحامي محمد صبلوح وهو مدير البرنامج القانوني لمركز "سيدار للدراسات القانونية" أن الحكومة اللبنانية تسعى لمعالجة ملف الموقوفين السوريين بطريقة فردية عبر قوائم اسمية تستثني متهمين بقتال الجيش اللبناني. مشيراً في حديثه لـ "روزنة" بأنّ هناك سجناء متهمون بقضايا كيدية، وانتزعت اعترافاتهم بالقوة. وبالتالي لا يمكن التمييز بين "متهم بقتال الجيش اللبناني وغير متهم نتيجة فبركة الأدلة خصوصا أن هناك من حكم مؤبد أو إعدام"، وفق قوله.
ولحل مشكلة هؤلاء الموقوفين يقترح صبلوح إصدار مشروع قانون يحدد السنة الجرمية ويخفضها لمرة واحدة لـ 6 أشهر وتحديد من هم محكومين بأحكام مؤبد وإعدام وتعديل الاتفاقيات الموقعة مع النظام السوري السابق ومنها الاتفاقية القضائية لعام 1951 التي تُنظّم التعاون القانوني الخاص بتسليم المجرمين وتنفيذ الأحكام القضائية.
وما قد يعرقل اتفاق الإفراج عن الموقوفين السوريين أن الدولة اللبنانية ما زالت "تنكر الفبركات التي لحقت بالسجناء السوريين، وفق ما قال صبلوح، مؤكداً أن "العدالة لا تتجزأ وليست انتقائية"، وأن الخلاف الرئيسي بين الجانبين السوري واللبناني يكمن في أن الأخير يريد الإفراج عن من انتهت محكوميته أو هي قيد الانتهاء وليس عليهم تهم خطيرة.
وحتى يًحل هذا الملف، يجب على لبنان الاعتراف بالخطأ في معالجة الملف وإعادة معالجته بطريقة إنسانية وليس وفق مصالح آنية، بحسب صبلوح، الذي تساءل ماذا عن الناس التي حكمت مؤبد وإعدام من يرفع الظلم عنها؟
كذلك، من الخطأ الإفراج عن عدد من الموقوفين وترك آخرين، ما يدفع بقية السجناء للقيام بخطوات تصعيدية قد تحدث انفجار داخل السجون في لبنان، وفق صبلوح، مؤكداً أن أي خطأ يرتكب في هذا الملف قد يحدث انفجار نتيجة سوء تقدير لبناني لا يتضمن معالجة شاملة لكل الموقوفين.
كم عدد السجناء السوريين في لبنان؟
يقدر عدد الموقوفين السوريين في لبنان بحوالي ألفي شخص. معظمهم قيد الاحتجاز دون أحكام قضائية، وبعضهم يواجه اتهامات بالإرهاب. وتشير بعض المصادر إلى أنهم يمثلون حوالي 27 بالمئة من إجمالي عدد السجناء. كان سبب اعتقالهم دعم الثورة السورية في بعض الحالات.
أما طارق متري نائب رئيس الحكومة اللبنانية: فقال في تصريح صحفي "إن هناك لوائح أولى للموقوفين دون ذكر عدد محدد وهذه اللوائح تحتاج إلى التنقيح، وبخاصة أن عدداً من الموقوفين السوريين والصادرة في حقهم أحكام لا يزالون في السجن على رغم انتهاء مدة حكمهم".
ويشار إلى أن المئات من الموقوفين السوريين في لبنان كانوا قد نفذوا خلال الأشهر الماضية، احتجاجات تطالب بالإفراج عنهم وإعادتهم إلى سوريا، فيما يشكو البعض الآخر من الظروف القاسية التي يعيشونها في السجون اللبنانية.

