تقارير وتحقيقات | 24 01 2026
اللاذقية - داليا عبد الكريم
تعمل رفيقة الأطرش لساعات طويلة، تبدأ فجراً ولا تنتهي قبل حلول المساء، ورغم ذلك، لا يتجاوز دخلها وأفراد عائلتها في اليوم 40 ألف ليرة (أقل من 4 دولارات) من العمل في ورق العنب وبيع الفطائر على التنور، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتأمين الخبز وبعض الاحتياجات الأساسية.
تستيقظ الأطرش في الساعة الرابعة صباحاً، لتعد العجين، ومن ثم الانطلاق مع زوجة ابنها إلى التنور القريب لبدء عملها في إعداد الفطائر وتجهيزها.
توفي زوجها منذ سنوات طويلة، ما حمّل الأطرش عبء العائلة وحدها، إذ تولت تربية أولادها والاعتناء بهم، وسندتهم كما "يسند التنور جمره"، وفق وصفها. ورغم إصابتها بالسرطان قبل عامين وخوضها رحلة علاج طويلة انتهت بشفائها، إلا أنها ما تزال بحاجة أدوية شهرية تتجاوز قيمتها 500 ألف ليرة.
وتقول لـ "روزنة": "ما بدي شي، بس كون قادرة ضل واقفة ع رجلي"، وهي تستعد لوضع رغيف خبز جديد في التنور بقريتها اسطامو بريف اللاذقية.
وبعد الانتهاء من إعداد الفطائر وبيعها تحصل الأطرش على على أجرها من صاحب التنور، ثم تتوجه إلى منزلها، لمتابعة عمل جديد، إذ تعمل على توضيب ورق العنب وترتيبه مع زوجات أبنائها في المنزل، وتحصل من هذا العمل على 1200 ليرة لكل كيلو من ورق العنب، وبالكاد تستطيع السيدة إنهاء بين 30 إلى 35 كيلو يومياً مع مغيب الشمس.
وبحسب وزير الاقتصاد والصناعة في الحكومة الانتقالية نضال الشعار، فأن البطالة في سوريا تفوق 60 بالمائة. وأن نحو 2.7 مليون شاب في سوريا لا يجيدون القراءة أو الكتابة أو أداء أي عمل وبلا تعليم، "ما يستدعي إطلاق برامج تأهيل شاملة، تشمل إنشاء مصانع ومدارس ومراكز تدريب لدمجهم في سوق العمل"، وفق قوله.
دخل متقطع
بخلاف الأطرش، تعمل فاطمة على تنور تعود ملكيته لها بالقرب من منزلها، وتقول: "في السابق كنت أعمل في بيع الفطائر يومياً، لكن مع تراجع القدرة الشرائية خفّ الطلب، فتوقفت عن العمل ثم عدت للعمل على الطلب".
تنتظر فاطمة الطلبات كي تأتيها وغالباً ما تأتي في نهاية الأسبوع، "أحياناً يكون الدخل جيداً ومرات كثيرة يتوقف العمل"، كما قالت لـ "روزنة".
ولا يقتصر عمل فاطمة على بيع الفطائر، إنما تعمل على إحضار الحطب من الأحراش القريبة، وحمله مسافة ليست بالقليلة إضافة إلى الأعمال المنزلية، وكل ذلك لتأمين احتياجات عائلتها.
ولا يختلف حال النساء الأخريات في القرى المحيطة كثيراً، إذ تعمل عشرات السيدات في التنانير أو تسطير ورق العنب وحتى قطاف ورق الغار، مقابل أجور زهيدة في ظل ظروف عمل شاقة وغير مستقرة.

يؤكد هذا الواقع ما جاء في دراسة أعدتها الأستاذة الجامعية نبال الجوراني، تحت عنوان "عمل المرأة في القطاع غير الرسمي"، نشرت في مجلة جامعة اللاذقية للبحوث والدراسات العلمية عام 2022.
وشملت الدراسة 20 امرأة من الريف والمدينة، وبينت أن 90% من النساء المشاركات أكدن أن دخولهن لسوق العمل غير الرسمي ساعد في تحسين معيشة أسرهن، لكن دون تحقيق حماية اقتصادية حقيقية أو استقلال فعلي.
كما أظهرت الدراسة أن معظم المشاركات يعانين من غياب المكان المناسب للعمل، وكثيرات منهن اشتكين من ضغط الأدوار بين العمل المنزلي والعمل المأجور.
بحث عن الاستقلالية
في زاوية أخرى من ريف اللاذقية، وتحديداً داخل غرفة صغيرة في منزلها، تجلس نسرين منهمكة بتسطير ورق العنب وفرز أوراقه، لا تحمل على كتفيها قصة ترمل أو تنور مشتعل، بل عبئاً آخر، وظيفة معلقة بلا دوام وبلا راتب.
وكانت تعمل السيدة الأربعينية، بوظيفة بنظام المياومة في مؤسسة الريجة. لكن منذ سقوط النظام المخلوع توقف راتبها لشهرين، ثم عاد بشكل غير مستقر. تقول لـ "روزنة": "آخر مرة قبضت فيها كانت بحزيران، وكانوا راتبين، ومن وقتها كل يوم بيخبرونا هالاسبوع، ومرّت أسابيع وما قبضنا".
وبعد طول صبر وانتظار قررت نسرين ألا تنتظر راتباً قد لا يعود، فبدأت العمل من منزلها بتسطير ورق العنب، مقابل 1200 ليرة للكيلو الواحد.

عمل في الحرف اليدوية
أما، ديمة 38 عاماً ولميس 45 عاماً اللواتي يعملنّ في منزلهنّ داخل مدينة اللاذقية بأعمال يدوية حرفية، إذ يحضر صاحب العمل القطع الحرفية المصنوعة من الخشب ويطلب إليهما تزيينها بالصدف، مقابل 5000 ليرة سورية (نصف دولار تقريباً) لكل قطعة.
وبحسب السيدتين فإن القطعة الواحدة تحتاج لنحو ساعة من العمل، أي أن عمل 6 ساعات يمنح كل واحدة منهنّ دخلاً لا يتجاوز 3000 ليرة يومياً، وهو أقل من سعر ربطة خبز (ثمنها 4000 ليرة).
وتظهر شهادات مختلفة لنساء حصلت عليها "روزنة" من الريف والمدينة، مدى هشاشة موقع النساء في سوق العمل غير الرسمي، وهو ما تؤكده بيانات إقليمية أيضاً، فقد أشار تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية عام 2023، إلى أن 62% من النساء العاملات في المنطقة العربية يعملن في وظائف غير رسمية، مقارنة بـ 42% من الرجال، ما يعكس اتساع الفجوة في الحماية والحقوق.
ويعد قطاع العمل غير الرسمي بأنه مصيدة اقتصادية للنساء، حيث يُنظر لهنّ كيد عاملة رخيصة يمكن استغلالها دون الحاجة إلى توفير حقوق قانونية لهنّ.
المرأة بلا حماية
ما يجمع بين الأطرش، وفاطمة، ونسرين، كذلك ديمة ولميس، ليس فقط ضيق الحال، بل غياب أي حماية قانونية أو اعتراف رسمي بعملهن، فهنّ يعملن خارج أي إطار منظم، دون أجر ثابت، أو ساعات محددة، أو ضمان صحي.
المديرة التنفيذية لمنظمة جذور لبناء قدرات منظمات المجتمع المدني السوري، ربى غانم، تصف واقع عمل النساء ـ "بالمزري"، وتقول لـ "روزنة" أنه لا يوجد قانون لتنظيم سوق العمل غير الرسمي في سوريا، كذلك لا وجود لنقابات تحمي النساء، أو تحديد حد أدنى للأجور".
وأضافت أن "إجازات الأمومة وتعويضات نهاية الخدمة أو حتى تعويضات الإصابات غائبة تماماً، في ظل صعوبة رفع القضايا وتقديم الشكاوى، والاستغلال الكبير من صاحب العمل، الذي يحدد الأجر ومدة العمل التي يريدها"،.
وتوضح غانم أن "الرجل في المجتمع الذكوري البطريركي يسيطر على دخل المرأة، الذي يذهب في كثير من الحالات للزوج أو الأب أو الشقيق، أي أن السلطة الاقتصادية تظل بيد الرجل، حتى لو كان دخل المرأة أعلى من دخله".
وترى غانم، أن "الحماية الحقيقية للنساء العاملات لا يمكن أن تتحقق ما لم يصدر قانون خاص بسوق العمل غير الرسمي، ينظم ساعات العمل ويحدد الأجور، ويفرض عقوبات في حال تعرضت المرأة لأي استغلال أو انتهاك سواء كان جسدياً أو معنوياً أو مادياً".
وتؤكد مديرة منظمة جسور، على أنه على الدولة أن تتحمّل مسؤوليتها في إصدار التشريعات التي تنظم هذا السوق وتمكّن النساء من تأسيس أو الانضمام إلى نقابات مستقلة، تتفاوض بالنيابة عنهن مع أصحاب العمل، ضمن اتفاقيات ثلاثية تشمل الدولة والنقابة ورب العمل، لضمان شروط عمل عادلة تشمل الأجور والتقاعد والتأمين.