خوف وخسارة عمل: كيف تعيش نساء الساحل بعد "أحداث" آذار؟

خوف وخسارة عمل: كيف تعيش نساء الساحل بعد

تقارير وتحقيقات | 21 08 2025

داليا عبد الكريم

تركت أحداث آذار/مارس الفائت في الساحل السوري، أثراً سلبياً على حياة النساء هناك، حيث تراجعت فرص الحصول على التعليم والعمل والتنقل نتيجة التوتر الأمني وتزايد حالات الخطف والاعتداء، إذ تسرّب الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية من اللباس والتنقل إلى العمل والدراسة، وسط مطالبات المجتمع المدني والسلطات المحلية بالحد من المخاطر وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي.

"تركت عملي"

لمى 29 عاماً أُجبرت على ترك عملها بسبب الخوف من تدهور الحالة الأمنية بعد سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر الفائت، وفضلت عدم التأخر بعد مغيب الشمس مخافة "حدوث شيء ما" على حد تعبيرها.

كانت لمى -خريجة كلية الإعلام- مضطرة للعمل في محل ملابس بالة لأنها لم تجد فرصة تدريب ولا عمل باختصاصها. تقول لـ "روزنة" "إن أمورها كانت جيدة وباتت تقتنع بالظروف العامة وانعدام فرص العمل".

تركت لمى عملها بعد سقوط النظام المخلوع نتيجة ضغط أهلها وخوفها من توترات الأوضاع في اللاذقية، إذ رغم تطمينات السلطة الجديدة كان الخوف يرافقها دوماً.

ما تزال لمى حتى اليوم عاطلة عن العمل، كما قالت. وتضيف: "حتى لو لم أترك العمل حينها، كنت سأتركه اليوم فأنا أخاف الخروج حتى إلى البقالية في الجهة المقابلة للشارع، بعد سماع أخبار الاختطاف الكثيرة التي تثير في داخلي الرعب والذعر".


"جرائم حرب"

كان قد شهد الساحل أحداث عنف وقتل في شهر آذار/مارس، وبحسب الرواية الرسمية فإن "فلول النظام" هاجمت عناصر الأمن العام في محاولة انقلابية أكدت الحكومة لاحقاً إجهاضها، لكن اعتباراً من 7 آذار ولمدة 4 أيام شهدت المنطقة مجازر ارتكبتها فصائل منفلتة، اعتبرتها لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا قد ترقى لجرائم حرب.

وبينما وثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن أحداث الساحل حالات تهديد وخطف واعتداءات جنسية استهدفت نساءً من الطائفة العلوية في محافظات الساحل خلال الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى آذار/ مارس 2025، نفى تحقيق لجنة تقصي الحقائق المكلّفة من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، تلقي أي معلومات حول اختطاف نساء أو فتيات من الطائفة العلوية.


تقرير لرويترز: فقدان واختطاف نساء علويات في سوريا.. "لا تنتظروها. لن تعود"

تقرير لرويترز: فقدان واختطاف نساء علويات في سوريا.. "لا تنتظروها. لن تعود"

وتتزايد مخاوف النساء في الساحل السوري بعد ارتفاع حالات الخطف للنساء، إذ وثقت جهات حقوقية ووكالات أنباء عالمية حالات اختطاف لنساء في مناطق مختلفة من الساحل، ما فاقم ظاهرة الخوف وقيد حركة النساء في العمل والتنقل وحتى الحصول على التعليم.

ودفعت عمليات الخطف للنساء الحركة النسوية السياسية السورية لإصدار بيان في نيسان/أبريل الفائت، طالبت فيه بتحقيقات عاجلة وشفافة بحوادث اختفاء النساء، والكشف الفوري عن مصير المختطفات وضمان عودتهنّ سالمات ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم،

خوف من التنقل

بخلاف لمى، كانت سحاب (اسم مستعار) -صحفية عشرينية من دمشق تقيم في اللاذقية- تعيش بحرية وراحة وتمارس عملها الصحفي المعتاد، لكن كل شيء تغيّر بعد تاريخ 6 آذار/مارس.

شكلّت تلك المجازر حداً مفصلياً في حياة سحاب، التي باتت تشعر بالخوف الشديد سواء من التنقل داخل اللاذقية أو حتى بين المدن السورية، تقول: إنها باتت متحفظة في ملابسها، تختارها بعناية كلّما أرادت الخروج من المنزل، ولا إرادياً أصبحت تخاف ممن وصفتهم بـ "المتزمتين".

لم تتعرض الشابة لأي موقف بخصوص ملابسها ولا لأي إزعاج، إلا أنها عاشت وتعيش الخوف بسبب ما تسمعه عبر السوشيل ميديا.

سحاب اليوم لا تمارس حياتها الطبيعية، كما أن الظروف العامة حدّت من عملها الصحفي، وازداد حذرها بعد حادثة الناشط عبد الرحمن الكحيل، وتضيف: "ممكن كون قاعدة مع أي حدا بكافتريا كرمال شغل مثلاً، ويجي عنصر أمن يسألني شو درجة القرابة، شو ممكن جاوبه؟"

تحسب سحاب خطواتها بدقة وحذر، وتبدي امتعاضاً كبيراً من تغيير روتين حياتها قسراً، وتقول: "إن مثل هذه التدخلات تغيّر مجتمعاً بأكمله وليس فقط حياتها وعملها كفرد فيه".


"خسرت دخلي"

أما ماجدة، فأصبح الخوف جزء من يومياتها، "مافي مكان آمن، بخاف من الطريق، ومن الشغل، ومن المجهول"، قالت لـ "روزنة"، وهي شابة ثلاثينية كانت تعمل في إحدى المنظمات بجبلة قبل أن تخسر عملها نهائياً بسبب الإنفلات الأمني.

تعيش ماجدة بإحدى القرى الواقعة على أوتستراد جبلة- اللاذقية، وتحسب حساب كل خطوة، لدرجة أنها تركت عملها فحرمت من استقلاليتها المادية وخسرت دخلها، ومن الحصول على احتياجات لم تكن يوماً رفاهية إنما أساسية، لكن المفاضلة بين أولوياتها دفعها لاختيار البقاء في المنزل، فالأمان كان الخيار الأول، على حد تعبيرها.

إلى جانب خسارة عملها ودخلها المادي، دفعها الخوف لخسارة فرص تطوير نفسها عبر الورشات التدريبية التي كانت تدعى إليها. تقول ماجدة: "الخوف بعد المجازر مو بس من الموت، إنما من الاعتقال ومن الانتهاك ومن الاختفاء والاختطاف وهذا "بيخليني حس حالي مشلولة عن الحياة"، كما قالت.

هل يمكن الحد من الخوف؟

الطبيبة سحر جبور، من مؤسسي تجمع سوريون الذي يعني بالسلم الأهلي والمواطنة والنساء، قالت "إن الحد من مخاوف النساء بعد الأحداث الأخيرة هو من مسؤولية السلطات المحلية في اللاذقية".

جبور، وهي ناشطة مجتمعية منذ العام 2011، أوضحت لـ "روزنة" "أن دور السلطات المحلية يجب أن يبدأ من تعزيز الأمن والاستقرار وتعزيز الوجود الأمني في القرى، كذلك إقامة نقاط تفتيش دائمة عند مداخل القرى والتجمعات السكنية".

تقترح جبور وهي أيضاً -مسؤولة العلاقات العامة لمؤسسة مجلس المرأة السورية للتنمية المرخص حديثاً- تسيير باصات نقل داخلي بين القرى والمدينة، كذلك بين جبلة واللاذقية خصوصاً لطلاب وطالبات الجامعة اللواتي قد يخفنّ ويتخلفنّ عن دراستهنّ.

الناشطة المجتمعية، أضافت أن على السلطات المحلية التعاون مع المجتمع المدني، بتنظيم لقاءات دورية مع النساء للاستماع إلى مخاوفهنّ وشرح الإجراءات المتخذة لضمان سلامتهنّ، ما يساعد على بناء الثقة بين المجتمع والسلطات.

كما دعت إلى توفير الدعم النفسي والاجتماعي للسيدات المتأثرات بالأحداث الأخيرة، خصوصاً للحالات التي تعرضت للعنف أو لتهديد مباشر، مع توفير مراكز في الجامعات لتوفير جلسات دعم نفسي فردية أو من أجل تقديم شكوى عند التعرض لأي حادث.

ومن بين الإجراءات الأخرى، وفق جبور، تسهيل وصول السيدات إلى مراكز الشرطة أو الجهات القانونية عند الحاجة، مشيرةً إلى أهمية دور الإعلام المحلي في نشر الأخبار الحقيقية بعيداً عن الأخبار المضللة التي يجري تناقلها عبر الفيسبوك، مع التأكيد على توثيق الحالات التي يكون فيها عنف ضد النساء. 

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض