تقارير وتحقيقات | 28 07 2025
علياء الأحمد
فقدَ حسن، وهو عسكري سابق من سكان ريف اللاذقية قدرته على تأمين حليب طفلته ذات الـ5 أشهر، وطفله الأكبر البالغ من العمر عامين يعاني من سوء تغذية حاد. يعيش الرجل في منزل أهله وزوجته لدى منزل أهلها منذ شباط/فبراير الفائت ويتدبرون أمورهم "بقدرة قادر" على حد تعبيره.
لا يجرؤ، الرجل الثلاثيني كما غالبية زملائه من عناصر جيش النظام السابق على الخروج من منزله للعمل كونه يحمل "بطاقة تسوية"، ويخشى العبور فيها على الحواجز. يقول لـ"روزنة": "لا أدري ما قد يحدث، لم أجرب سابقاً، ولا أحد يشجعني، وكل زملائي مثلي لا أعرف أحداً منهم غامر مثل تلك المغامرة".
وكانت الإدارة الجديدة للبلاد قد افتتحت بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول / ديسمبر الفائت، مراكز "تسوية" جديدة لعناصر الجيش السوري السابق الذين خدموا في عهد بشار الأسد في محافظات الساحل وحمص ودمشق. وتقدم الآلاف من ضباط وعناصر النظام السابق للتسويات وسط عدم توفر رقم دقيق حول عدد من أجرى التسوية.
تمنح تلك التسويات بطاقات أمنية مؤقتة لكل مقاتل وضابط قدم إليها، صالحة لمدة ثلاثة أشهر، وتُعفي حامليها من الملاحقة القضائية وتتيح لهم السفر والتنقل وتحميهم من التعرض لهم خلال هذه الفترة.
وكان من المفترض أن تنتهي صلاحية بطاقات التسوية مع بداية آذار/مارس، قبل أن يتم تمديدها لاحقاً حتى إشعار آخر.
وفي شهر شباط/فبراير الفائت، نقلت قناة الجزيرة عن إدارة العمليات العسكرية في اللاذقية، أن عدد العناصر الذين أجروا تسوية أوضاعهم وصل إلى 75 ألف عنصر، ما يشكل 80% من المنتسبين في المحافظة.

بطاقات التسوية: تقيد العمل
كان حسن قد ترك جيش النظام بشكل غير رسمي من خلال ما كان يعرف بـ ظاهرة "التفييش"، في العام 2015. وذهب إلى قريته بريف اللاذقية للعمل مقابل حصول رئيسه المباشر على راتبه، إضافة إلى مبلغ شهري قدره 600 ألف ليرة سورية.
عمل الشاب الثلاثيني كسائق تاكسي ثم سائق سرفيس داخل اللاذقية، "سحبت قرضاً من البنك وقمت بإكساء منزلي الذي ورثته عن والدي، وتزوجت وأسست عائلة وكان كل شيء على ما يرام، حتى السادس من شباط/فبراير 2023، حيث أودى الزلزال بمنزلي"، وخسر كل ما يملكه، وفق قوله.
هذا الواقع اضطره لاستئجار منزل بانتظار حصوله على سكن بديل كمتضرر من زلزال شباط/فبراير. لكنه لم يحصل على ذاك السكن، ومع ذلك كان يستطيع إعالة عائلته.
لكن، بعد ثلاثة أشهر من سقوط النظام السابق، لم يتمكن حسن من العمل، ما اضطره لترك منزله المستأجر بمبلغ 400 ألف ليرة شهرياً، "غادرت زوجتي للسكن لدى ذويها مع أطفالي وأنا أسكن في منزل أهلي"، قال الرجل، موضحاً أن "بطاقة التسوية" تحرمه من العمل حيث لا يستطيع التنقل والخروج من منزله خشيةٍ تعرضه للاعتقال، فضلاً عن رفض كثير من أرباب العمل تشغيله كونه لا يملك هوية مدنية (بطاقة شخصية)
تواصلت "روزنة" مع 30 شخصاً يمتلكون "بطاقة تسوية" في اللاذقية، أكدوا جميعهم أنهم لا يخرجون من منازلهم إلا ضمن المحيط الضيق، وكلهم بلا عمل ينتظرون الحصول على الهويات المدنية، وهذا الحال ينطبق على أغلب زملائهم الذين يتواصلون معهم في باقي المحافظات والذين يعيشون الواقع ذاته.
وهكذا، فرضت هذه البطاقات بعد سبعة أشهر من سقوط النظام قيوداً تمنع حاملها من التنقل والعمل، وترتب وضعاً مجتمعياً صعباً يعوق عودة الحياة الطبيعية لهم. إذ يعاني هؤلاء من فقدان مصادر دخلهم، ويخافون من المداهمة أو الاعتقال، ما يفاقم أوضاعهم الاقتصادية والنفسية وسط ترقب إصدار الهويات المدنية التي تتأخر لأسباب غير معروفة، وفق ما قال لـ "روزنة" عدد من مَن أجروا التسويات.
اعتكاف في المنزل وتنمر
ليس الأمر أفضل حالاً بالنسبة إسماعيل 45 عاماً (اسم مستعار بناء على طلبه) والذي يعتكف في منزل عائلته باللاذقية منذ سقوط النظام، فالرجل ذهب إلى قريته تاركاً دمشق.
كان إسماعيل يعقد الأمل على تشكيل الحكومة الثانية في آذار/مارس الفائت ليتمكن من العودة غلى منزله وأهله.
ويقول لـ "روزنة"، عملت كضابط في الإدارة السياسية، لم أكن يوماً ضابطاً ميدانياً. لا أملك سلاح، و لم اشترك في أي عمل مسلح.
وازدادت مخاوف الرجل بعد التسوية التي أبرمها في شهر كانون الثاني الفائت، حيث خضع لتحقيق دقيق تضمن تهديدات وفق قوله، على أن ّحدة المخاوف ارتفعت أكثر بعد أحداث آذار/مارس في الساحل السوري، "لقد كانوا يسألون عن عناصر التسويات أحياناً ويقومون بقتلهم، نحن بنظرهم فلول"، كما قال.
ويتعرض إسماعيل للتنمر في محيطه، يتهم بأنه جبان حين يهرب إلى البراري في كل مرة يسمع فيها بوجود مداهمة في قريته، ويسخرون من تركه لعائلته في دمشق وبقائه لدى منزله في القرية.
يترقب إسماعيل بفارغ الصبر الحصول على هوية مدنية عوضاً عن "بطاقة التسوية" التي لا يجرؤ من خلالها على التنقل، فهو يريد البدء بعمل جديد، والالتحاق بعائلته مجدداً.
وكذلك الأمر بالنسبة لـ محمد، 35 عاماً، والذي يعيش في أحد أحياء حلب الشعبية، لا يجرؤ على الخروج أبعد من حارته منذ حصوله على "بطاقة التسوية"، يمتلك الشاب محل خردة بالكاد يحصل من خلاله على ما يكفي لسد رمق طفليه وزوجته.
محمد الذي كان سابقاً في الأكاديمية العسكرية بمحافظة حلب، يُقفل محله كلما سمع عن حملة أمنية، أو أخبره أحد أصدقائه بوجود "حاجز طيار"، ويعود إلى منزله بسرعة خوفاً من أي تعبات محتملة.
لا موعد لتسليم الهويات المدنية
تواصلنا مع مسؤول العلاقات الإعلامية في محافظة اللاذقية، نور الدين بريمو، للوصل إلى التحديثات الأخيرة بهذا الخصوص دون جواب. وبالعودة إلى وقت سابق من شهر نيسان/أبريل الماضي، أكد بريمو في تصريحات نقلها موقع عنب بلدي عن قرب تسليم الهويات المدنية لمن قاموا بتسوية أوضاعهم في اللاذقية.
بينما قال مسؤول التسوية في المحافظة، عبد الرحمن طريفي، إنه "سيتم تسليم الهويات المدنية من خلال دائرة الأحوال المدنية في المحافظة، لجميع من قام بعملية التسوية".
كذلك، هناك بعض الحالات قد تستثنى من تسليم الهويات، دون الإفصاح عنها، وفق كلام طريفي، مشيراً إلى أن أولوية التسليم ستكون للعناصر المجندين والاحتياط ضمن قوات النظام السابق، ثم لباقي العناصر من ضباط وصف ضباط.
لكن، حتى الآن وبعد مضي ما يقارب السبعة أشهر على سقوط النظام السابق، لم يتسلم أي من عناصر التسوية الهويات المدنية، وغالبيتهم أينما وجدوا لا يتنقلون إلا بالحدود الدنيا ويتجنبون الحواجز.

توقيف عناصر التسويات
في المقابل، تنتشر بين الحين والآخر، أخباراً وتقارير عبر وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى حدوث توقيف عناصر التسويات على الحواجز بشكل متواتر ما يزيد من مخاوف عناصر التسوية ويمنعهم من متابعة حياتهم.
وتحكي مصادر محلية من مدينة بانياس في محافظة طرطوس لـ "روزنة"، عن اجتماع منذ فترة قريبة ضمّ مسؤولين أمنيين مع وجهاء وفعاليات في إحدى القرى القريبة من المدينة، حيث أخبرهم المسؤولون الأمنيون بعدم ملاحقة عناصر التسوية أو إيقافهم على الحواجز.
ومع ذلك لا يبدو أن تلك التطمينات كافية أمام حالة تراجع الثقة بين أهالي الساحل والسلطة بعد أحداث آذار/مارس الفائت.
وفي ريف حماة تقول مصادر محلية لـ "روزنة"، إن بطاقات التسوية لم توزع سوى في مراكز وادي العيون ودير ماما والسقيلبية بينما لم يتم توزيعها في مركز مدينة مصياف حتى الآن.
ومع سقوط النظام السابق، كانت قد أعلنت إدارة العمليات العسكرية حل الجيش السوري السابق وإجراء تسويات لعناصره وضباطه بقصد إعادة دمجهم بالمجتمع. وما زال العدد الأكبر منهم ينتظر حصوله على البطاقة الشخصية (الهوية المدنية) لإعادة بدء حياتهم من جديد كما حال حسن وغيره.
