زراعة الحلزون للأطفال فاقدي السمع في شمالي غربي سوريا.. مراحل لأعداد كبيرة

زراعة الحلزون للأطفال فاقدي السمع في شمالي غربي سوريا.. مراحل لأعداد كبيرة

طفلة بعد زراعة الحلزون مع اختصاصي سعودي - روزنة

تقارير | 8 05 2024

نور الدين الإسماعيل

"والله لو فيني أعطيها السمع مني ما بقصر، بس شو طالع بالإيد".. محتضنةً طفلتها الصغيرة، ومحاولة حبس دموعها، قالت سماح التي تعيش في مدينة الدانا شمال إدلب، معبرة عن معاناة العائلة نتيجة فقدان طفلتها ذات الخمس السنوات السمع.

مئات الأطفال السوريين في شمالي غربي سوريا يعانون من فقدان السمع، وعدد كبير منهم بحاجة إلى زراعة "حلزون" ليتمكنوا من السمع قبل إعادة تأهيل النطق، وبذلك تعود إليهم الحياة مجدداً.

مستقبل هؤلاء الأطفال مازال مجهولاً، في ظل عدم توفر الإمكانات لدى العائلات التي تعاني أساساً من ظروف اقتصادية صعبة، مع ارتفاع تكاليف زراعة الحلزون في الأذن الواحدة، والتي تتراوح بين 15 و 20 ألف دولار أمريكي، وعدم تحمّل سلطات الأمر الواقع لمسؤولياتها تجاههم.

أعداد كبيرة

للوقوف على العدد الكلي للأطفال فاقدي السمع، تواصلت "روزنة" مع مديرية صحة إدلب، والتي بدورها تعمل على إحصاء الحالات، مع التنويه إلى أنه ليس العدد الحقيقي بسبب عدم تسجيل كافة عائلات الأطفال المصابين بنقص السمع على رابط المديرية.

وقال لـ"روزنة" كرم الشيخ علي، المسؤول الإعلامي في المديرية إن عدد الأطفال المسجلين على الرابط الذي نشرته مديرية الصحة، قبل أسبوع، لتوثيق الحالات التي هي بحاجة إلى عملية زرع حلزون، وصل إلى نحو 1400 طفل تقريباً.

هؤلاء الأطفال يتأهلون إلى مرحلة التشخيص والفحص الطبي التي تشرف عليها لجنة طبية من أطباء متخصصين، حيث يرجح وصول العدد إلى ما يقارب 700 طفل منهم بحاجة إلى تلك العملية، لأن بعضهم ربما يعاني من نقص سمع بسيط يمكن حلّه بالسماعة، وفق الشيخ علي.

وأضاف المسؤول الإعلامي: "أجريت بعض العمليات في الداخل السوري سابقاً من قبل منظمة سامز، إضافة إلى برنامج نفذ بالتعاون مع منظمة الأمين للمساندة الإنسانية قبل أسبوعين، أجريت من خلاله عمليات زراعة حلزون لـ30 طفلاً في تركيا".

"لدينا الإمكانات الطبية اللازمة لإجراء مثل تلك العمليات، من كوادر طبية وخبرات، لكن المشكلة الأساسية هي في تكلفة تلك العمليات، والتي قد تصل إلى 17 ألف دولار تقريباً، مع كلفة الإقامة في المستشفى"، قال كرم الشيخ علي.

معاناة كبيرة

صادفنا سماح (اسم مستعار) في عيادة طبيب اختصاص "أذن – أنف - حنجرة"، بمدينة الدانا شمال إدلب، في محاولة منها لمعرفة مدى إمكانية استجابة الطفلة لعملية زراعة حلزون، بعد الأصداء التي حققها البرنامج الأخير الذي نفذته منظمة "الأمين للمساندة الإنسانية" و"مديرية صحة إدلب".

لدى سؤالنا للسيدة الثلاثينية عن الجدوى من زيارة الطبيب في ظل فقدان طفلتها السمع منذ الولادة، أجابت: "أنا ما بدي انصدم، قدمت على رابط مديرية الصحة، بس خايفة يكون وضع البنت الصحي غير قابل لزراعة الحلزون، وما تنقبل".

اقرأ أيضاً: "جائحة الأمراض التنفسية عند الأطفال".. أزمة يواجهها عجز مستشفيات إدلب

وقبل أن نغادر العيادة، كشفت عن المعاناة الكبيرة التي تواجهها العائلة مع الطفلة، فهم لا يثقون بخروجها وحيدة إلى الشارع خوفاً من أن تدهسها سيارة نتيجة عدم قدرتها على السمع، مع أمنيتهم الكبيرة بشفائها ودخولها إلى المدرسة، مضيفةً: "مستعدة بيع عمري لتصير تسمع".

30 طفلاً مرحلة أولى

بدعم من "مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية"، نفذت منظمة "الأمين للمساندة الإنسانية" بالتعاون مع "مديرية صحة إدلب" برنامج "التأهيل السمعي وزراعة الحلزون" مجاناً، لعدد من الأطفال في شمالي غربي سوريا، وذلك في المستشفى الأمريكي بمدينة الريحانية التركية.

وتحدث لـ"روزنة" المسؤول في "منظمة الأمين"، ياسر الطراف، حول البرنامج الذي اختار 30 طفلاً لإجراء العمليات الجراحية لهم، قائلاً: "نسقنا في وقت سابق مع مديرية الصحة في إدلب، التي لديها بيانات لـ700 حالة تقريباً بحاجة زراعة حلزون، واعتمدنا معايير الأكثر احتياجاً لاختيار الأطفال".

ووفق الطراف فإن ما يقارب 320 طفلاً من أصل الـ700 كانوا مؤهلين لزراعة الحلزون، والذين تنطبق عليهم الشروط الطبية، ومنها السن وأمور أخرى قدرها الأطباء المختصون.

واعتمدت المنظمة إضافة إلى المعايير الطبية معايير اجتماعية وجغرافية لاختيار الأطفال من أجل الخضوع للعملية، حيث كانت الأولوية للأطفال الأيتام والنازحين والتوزع الجغرافي المناسب، مع مراعاة بقية الحالات والتي استهدفت عدد من الأطفال المقيمين وغير الأيتام، أضاف الطراف.

مراحل متعددة

أوضح ياسر الطراف أن إجراء العملية الجراحية للأطفال مر بمراحل متعددة و"معقدة" لضمان نجاح العملية، وإمكانية إعادة تأهيل السمع والنطق للأطفال المستهدفين.

انتهت المرحلة الأولى بإنجاز 29 عملية زراعة حلزون لـ29 طفلاً، بعد إقرار فريق "برنامج حياة التطوعي" السعودي بأن الطفل "ر. م" الذي يقيم في مخيمات دير حسان غير مؤهل لزرع الحلزون، بعد تقييم الحالة.

"المشهد كان صعباً علينا جميعاً، فالجميع بكى في المستشفى أثناء مغادرة والدة الطفل المستشفى دون إجراء العملية، في حين أجريت العملية لبقية الأطفال الـ29"، قال الطراف.

الخطة المستقبلية

كشف المسؤول في منظمة "الأمين" أن البرنامج يستهدف بالأساس 60 طفلاً من المؤهلين لزراعة الحلزون، أجريت المرحلة الأولى منه لـ 29 طفلاً، في حين سيستمر البرنامج ليشمل بقية الأطفال المستهدفين.

وأشار إلى أن الطريقة التي أخبرت بها المنظمة عائلات الأطفال كانت عبر برنامج مصور قدمه إعلاميون محليون، والذي حقق نسب وصول ومشاهدات عالية جداً، كان الهدف منه "تسليط الضوء على حالات نقص السمع لدى الأطفال، وتشكيل حملات مناصرة".

وإجابة عن سؤال حول إمكانية إجراء عمليات مستقبلية بعد انتهاء المرحلة الثانية لعدد أكبر من الأطفال، نوه الطراف إلى وجود وعود بذلك من قبل الفريق السعودي، قائلاً: "لا أجزم ولكن نسعى لأن يشمل البرنامج عدد أكبر من الأطفال مستقبلاً".

وختم بأن المنظمة ستتابع مع الأطفال المستهدفين في مراكز مخصصة في كل من إدلب وعفرين، من أجل إعادة تأهيل الأطفال بعد السمع، من خلال مختصين بالنطق والسمع.

زراعة الحلزون في الداخل السوري

لم تكن العمليات الجراحية لزراعة الحلزون في تركيا هي الأولى من نوعها للأطفال الذين يعيشون في شمالي غربي سوريا، حيث أجرت منظمة "سامز" الطبية عدداً من تلك العمليات في الداخل السوري، خلال أوقات سابقة.

وعن تلك العمليات قال عبد الكريم المحمد، أخصائي تأهيل السمع والنطق في منظمة "سامز"، في حديث خاص لـ"روزنة": "بدأت سامز في عمليات زراعة الحلزون عام 2022، كمرحلة أولى شملت خمسة أطفال".

وأضاف بأن المرحلة الثانية شملت زراعة الحلزون لثمانية أطفال، ثم في الشهر السادس من عام 2023، أجريت العمليات لـ15 طفلاً، حتى انطلقت المرحلة الرابعة بإجراء العمليات لـ16 طفلاً في مستشفى "باب الهوى"، مطلع أيار الجاري.

وبحسب المحمد ستتابع المنظمة مع الأطفال عبر مراكز تأهيل النطق في المنظمة، من أجل تأهيل الأطفال وتدريبهم على النطق، والتي تتمركز في كل من "مستشفى إدلب المركزي"، وفي مستشفى "الشفاء" بعفرين، ومستشفى "الباب".

مستمرون

أكد الأخصائي العامل في منظمة "سامز" أنهم مستمرون في إجراء تلك العمليات للأطفال على فترات، واعداً بأن هناك عمليات جديدة تحددها المنظمة لاحقاً.

وعن آلية التسجيل واختيار الأطفال، قال المحمد: "تسجل الأسماء عبر ملء الاستمارة الخاصة في المراكز الطبية التابعة للمنظمة في شمالي غربي سوريا، ثم تخضع للتقييم".

يقيّم المختصون حالة كل طفل، حسب العمر أو التخطيط السمعي ونسبة نقص السمع لدى كل طفل، ثم تتواصل المنظمة مع عائلات الأطفال المقبولين لإجراء المقابلة وتحديد المعايير التي من أهمها أن يكون الطفل دون عمر 6 سنوات، وأن تكون درجة السمع من عميق شديد إلى عميق جداً، وغيرها من المعايير الطبية الأخرى، أكد المحمد.

وأضاف بأنه إثر ذلك، يخضع الأطفال المقبولون لتصوير رنين مغناطيسي وطبقي محوري للتأكد من سلامة القوقعة الداخلية وعدم وجود تشوهات، أو سلامة العصب السمعي، وبناء على ما سبق يخضع الطفل للعملية الجراحية.

آمال كبيرة

بعد الحملة التي أطلقتها منظمة "الأمين" ضمن برنامجها، والذي شمل 30 طفلاً، بدأت مناشدات من أهالي الأطفال الذين هم بحاجة إلى عمليات زراعة الحلزون، عبر تعليقات على الفيديوهات الخاصة بالحملة.

ومن خلال التعليقات طالب الأهالي بقبول أطفالهم ضمن المرحلة الثانية، نتيجة المعاناة التي يواجهونها مع أطفالهم، والظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرون فيها.

وبالرغم من البرامج والحملات التي يصفها البعض بـ"المتواضعة" يبقى مئات الأطفال بانتظار إجراء تلك العمليات الجراحية التي قد تنقذهم، قبل فوات الأوان وإكمال حياتهم محرومين من السمع والنطق.

بودكاست

شو الحل؟ - الموسم الثالث

شو الحل؟ - الموسم الثالث

بودكاست

شو الحل؟ - الموسم الثالث

شو الحل؟ - الموسم الثالث

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض