تقارير وتحقيقات | 11 04 2024
محمد الحاج
انتشر مقطع مصور بالساعات الماضية، منذ أمس الأربعاء، يظهر مجموعة من اللبنانيين على دراجاتهم النارية يوجهون عبر مكبر صوت "مهلة إنذار" للسوريين بإخلاء بلدة برج حمود قرب العاصمة بيروت، ما أثار موجة استياء واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وردود فعل رسمية.
ويظهر بالمقطع، رجل يحمل مكبر صوت وسط شارع في برج حمود، مهدداً: "إلى جميع السوريين في برج حمود إخلاء جميع المحلات والمنازل قبل يوم الجمعة، وقد أعذر من أنذر".
يأتي ذلك إثر حالة من تصاعد الخطاب المعادي للسوريين بالأيام الماضية ورصد حالات اعتداء ضد بعضهم، بعد إعلان مقتل منسق جبيل في حزب "القوات اللبنانية" باسكال سليمان، على يد عصابة سورية بعد أيام من اختطافه، وفق بيان قيادة الجيش اللبناني.
الإعلان عن مقتل باسكال بواسطة عصابة يحمل أفرادها الجنسية السورية، من دون الإعلان عن الشركاء اللبنانيين في الجريمة، انتهى بتحول الأمر إلى غضب في عدد من المناطق اللبنانية، وتعرض مواطنين سوريين للاعتداء والضرب ومطالبة الطرد من مناطق إقامتهم.
مقتل باسكال سليمان… فرصة للتحريض والعنصرية ضد السوريين
البلدية: "انتهازيون يثيرون النعرات"
أصدرت بلدية برج حمود، اليوم الأربعاء، بياناً نشرته عبر صفحتها الرسمية في فايسبوك، مستنكرة تحركات بعض الشبان باسم أهالي البلدة عبر أعمال الشغب التي أثاروها وتوجيه الإنذارات والتهديدات، إضافة لإثارة صفحات عبر مواقع التواصل "نعرات طائفية، وكل ذلك بإدعاء تمثيلهم لمنطقة مرجعايتها معروفة".
وطالبت البلدية في بيانها، الأمن والقضاء اللبناني بـ"التحرك فوراً وبحزم لوضع حد لهذا الاستيلاء السافر على صلاحية السلطات، وتجاوز القوانين، وانتهاك الحقوق الإنسانية والدستورية، إلى جانب التحريض وإثارة النعرات".
وأضاف البيان: "نستهجن قيام حفنة من الانتهازيين بإثارة النعرات الطائفية والعنصرية، إلى جانب استهداف الناس الأبرياء بسبب انتمائهم الديني أو العرقي أو الجنسي أو غيرها".
وشددت البلدية أنه "لا يحق لأي كان انتحال صفة أو استعمال صلاحيات الدولة، وتجاوز القوانين والأنظمة"، مؤكدة أنها تنظم إقامة وعمل السوريين والأجانب في إطار صلاحيات الأجهزة الرسمية بالدولة ضمن رعاية النصوص القانونية.
برج حمود.. "معقل الأرمن في بيروت"
تبعد بلدة برج حمود عن العاصمة اللبنانية بيروت نحو 2 كيلو متر ويقدر عدد سكانها بنحو 150 ألف نسمة وتابعة لمحافظة جبل لبنان وقائمقامية المتن، حسب الموقع الرسمي لبلديتها.
وتعرف برج حمود بأنها "معقل الأرمن"، وفي تقرير عن تواجد السوريين بها في موقع "المدن"، وصفت "لا تزال برج حمود (أرمنية) بلافتات شوارعها ومحالها ومتاجرها وورشها ومؤسساتها وكنائسها ومدارسها. لكن أيضاً لا تخلو من صور حسن نصرالله ونبيه برّي، خصوصاً كلما توغلنا نحو النبعة، حيث تزاحم تلك الصور أعلام (القوات اللبنانية)".

وتوصف برج حمود بأنها "معقل الشعب الأرمني المهجر" وتمتاز بمجموعة من الأنشطة الثقافية، وتسعى إلى الحفاظ على تاريخها وجذورها لا تختلف عن باقي المناطق في بيروت، فما زالت تعاني من انقطاع الكهرباء والماء، وعدم اهتمام السلطات المحلية"، حسب مادة على موقع "القدس العربي".
وحسب موقع البلدية هي "مدينة التلاقي والتعايش والمحبة ، يتفاعل فيها أبناء الطائفة الارمنية الخلاقون مع المسلمين والمسيحيين ليبنوا معا مستقبل العدالة والمساواة والنهضة والنمو لهذه المنطقة التي تحمل الوعود الجميلة والمستقبل الزاهر للاجيال الصاعدة".
السوريون في برج حمود
يقدر تقرير موقع "المدن" عدد السوريين في برج حمود بنحو 35 ألف شخص، إضافة إلى "العمال القادمين من إثيوبيا وسريلانكا والسودان ومصر والعراق، بالإضافة إلى الأكراد وجنسيات آسيوية أخرى".
وقالت مسؤولة مكتب التنمية في بلدية برج حمود، غاريني باليان، للموقع: "كنا نشهد في البداية مشاكل بين الجنسيات المختلفة في برج حمود، ولكن تدريجياً بدأ السكان بالتعايش والتعود على بعضهم البعض وتقلصت المشاكل بشكل كبير، ولكن لا يخلو الأمر من بعض النعرات".
تحريض متكرر
وليست المرة الأولى التي تشهد البلدة دعوات لإخراج السوريين والتحريض ضدهم، آخرها كان في شباط الماضي عندما أعطى لبنانيون من سكان برج حمود "مهلة لتنظيم الوجود السوري"، بعد مشاجرة بين شبان سوريين ولبنانيين، حسب بيان نشره موقع "حزب الكتائب".
وجاء في نص "المهلة" الموجة إلى بلدية برج حمود والمخاتير، حينها: "إذا لم تقوموا بواجباتكم بتنفيذ القرارات المتّخذة والآيلة إلى تنظيم الوجود السوري في المنطقة بمهلة أقصاها أسبوع سنضطر كشباب وأهالي إلى إتخاذ التدابير التي نراها مناسبة لحماية أنفسنا ودَرء الخطر عنّا".
بدوره، حذر رئيس حركة الارض اللبنانية طلال الدويهي من ما وصفه "تغيير ديمغرافي واستيطان السوريين" في البلدة، في تصريح لـ"وكالة أنباء اليوم"، في 20 من شباط الماضي.
واعتبر "الدويهي" أن برج حمود "مستهدفة بشكل كبير ومباشر من قبل السوريين (...) تُخلق حاليا منظومة اقتصادية سورية جديدة وهذا سيؤدي الى تغيير كبير، ويدفع بابناء الطائفة الارمنية الى الانتقال باتجاه مناطق اخرى".
تهديد علني.. ليس فقط في برج حمود!
رصدت روزنة مقطعاً مصوراً آخر، يظهر مجموعة من الشبان على دراجاتهم النارية يعطون "مهلة حتى يوم الجمعة" بصورة مماثلة عبر مكبر صوت، مطالبين السوريين بالخروج من مناطق بينها "حي المقابر، عين غزال، أدونيس"، إذ يصرخ الشاب المتحدث: "ما بدنا نشوف ولا حدا فيكن (...) واللي بدو يبقى لنهار الجمعة ما يلوم إلا نفسه".
وفي تهديد علني بالقتل، سبق أن نشر مقطع مصور سيارة تتجول في شوارع بلدة بشري، يصرخ شخص منها عبر مكبر الصوت: "للسورية (السوريين)، معكن للفجر بتتركوا بشري، وإلا بتموتوا".
كذلك، أنشأت صفحة خاصة باسم إحدى البلدات مع عبارة "تنتفض" تحرض على تواجد السوريين فيها، كتب في وصف أحد مقاطعها المصورة: "بعد ليل حام ، تم إقفال عدد من المحال التي يشغلها سوريين مخالفين لقانون العمل اللبناني ، ونحن لنّ نهدأ ولن نستكين حتى تحقيق الهدف من هذا التحرك ، والآتي اعظم".
القوات اللبنانية تستنكر
طالب حزب "القوات اللبنانية" إلى وجوب عودة اللاجئين السوريين، مستنكراً في الوقت ذاته ما وصفته "التعديات الهمجية" التي شهدتها مناطق عدة ضد السوريين.
وجاء في بيان نشرته "القوات" عبر حسابها الرسمي في منصة "x" أن "المطالبة بعودة السوريين إلى ديارهم شيء، والتصرف بحقد وهمجية شيء آخر مختلف تماماً".
وأكدت "القوات اللبنانية": "التصرفات التي نراها على بعض مواقع التواصل وبعض الممارسات التي نشهدها على الأرض مرفوضة من جهة، ومريبة في الشكل والمضمون من جهة أخرى".
وأشارت "القوات اللبنانية" أن المطالبة بعودة اللاجئين في الوقت الراهن أصبحت "أكثر إلحاحاً" بعد "وضوح حجم عدد الأعمال الإجرامية والمخلّة بالأمن التي يقوم بها البعض منهم"، معتبرة أن ما وصفته "جماعة النظام ومعارضيه" العودة إلى مناطق سيطرة كل طرف و"لاحجة إطلاقاً لاستمرارهم في لبنان".
"فتنة وفبركة"
بدورهم حذر صحافيون ورواد في تواصل الاجتماعي من "فتنة" يحاول البعض جر "القوات اللبنانية" إليها عبر توريطه أو فبركة بيانات حول تواجد السوريين بمناطق عدة.
وكتب الصحفي بسام أبو زيد: "يواصل العاملون على خط إشعال الفتنة محاولاتهم اليائسة من أجل تحقيق هدفهم ويعمدون إلى فبركة بيانات باسم مناطق تدعو السوريين إلى ترك محلاتهم مهددين بالإعتداء عليهم وتتولى بعض الحسابات على الواتساب وغيرها توزيعها لخلق التوترات والصدامات وقد تبين زيف هذه البيانات من خلال الخلط بين المناطق".

ورأى جوس سماحة بدوره أن المخابرات تحاول "توريط القوات اللبنانية بحوادث متفرقة من تهديد و الإعتداء على النازحين السوريين و إصدار بيانات بإسم أهالي الأشرفية و الدكوانة و زوق مكايل حتى وصلوا إلى إلقاء مولوتوف على مركز للقومي السوري في جديتا و حرق سيارة إسعاف في عالية و القيام بجولات للزعران على دراجات نارية".
وأضاف في منشور بفايسبوك: "كل هذه الأعمال الشنيعة مقصود منها تحويل الأنظار عن جريمة إغتيال المناضل باسكال سليمان و لقد أوضح الدكتور جعجع لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي عدم علاقة القوات اللبنانية و طلب منه تكليف القوى الأمنية بتوقيف هؤلاء الزعران و سجنهم".
"حزب القوات اللبنانية" سبق وأكد أن الجريمة سياسية وطالب بتحقيق جدي ومعمّق لمعرفة ملابسات القصة، وسط عنونة بعض وسائل الإعلام ومقالات الرأي والمنشورات على مواقع التواصل عن إمكانية "حرب أهلية جديدة" بعد حادثة مقتل باسكال وما تبعها.
وبحسب مصدر أمني تواصلت معه روزنة عقب مقتل باسكال، قال: "أبواب التهريب بين لبنان وسوريا لم تتوقف، وهي تحصل بتسهيل من جهات فاعلة في البلدين وبالتالي تنفيذ جريمة قتل ثم نقل الجثة إلى الأراضي السورية، في ظل الغضب الشعبي الذي رافق عملية الخطف، لا يمكن أن يحصل من دون تنسيق من الجهتين".
ويتخوف المصدر "من ضياع الحقيقة وأن تكون خلف ما حدث رؤوس كبيرة ستتم تغطيتها عبر القبض على أشخاص سوريين قد لا يكونون المتورطين الوحيدين في القضية"، مؤكداً أن "جريمة بهذا الحجم لا يمكن تنفيذها من دون تنسيق مع جهة لبنانية تستطيع التسهيل والمواكبة".
وحسب الأمم المتحدة، يعيش في لبنان مليون ونصف المليون لاجئ سوري، يعيش 90 بالمئة منهم في حالة فقر مدقع، في وقت يواجه لبنان أسوأ أزمة اجتماعية واقتصادية منذ عقود.