قيود لبيع "حبوب الغاز" في إدلب.. هل تحد من خسارة الأرواح؟

قيود لبيع

مدينة إدلب - من الإنترنت

تقارير وتحقيقات | 5 02 2024

نور الدين الإسماعيل

أصدرت "حكومة الإنقاذ" التابعة لـ"هيئة تحرير الشام"، صباح اليوم الإثنين، تعميماً يقضي بوضع شروط محددة لبيع حبوب الغاز للفلاحين والأهالي، عقب زيادة أعداد حالات الانتحار باستخدام تلك الأقراص من قبل أطفال ومراهقين.

ويأتي التعميم بعد مطالبات من أهالٍ ونشطاء لـ"الإنقاذ" بضرورة وضع حد لحالات الانتحار عبر حبوب الغاز، والتي تحولت ظاهرة خطيرة في شمالي غربي سوريا، وأنهت حياة عشرات الشبان والأطفال خلال الفترة الماضية.

نص التعميم

وأصدرت "وزارة الزراعة" في "حكومة الإنقاذ"، تعميماً يحدد ضوابط بيع حبوب الغاز المستخدمة كمبيد حشري ومعقم للمؤونة المنزلية.

وبحسب نص التعميم، فقد طلبت "الوزارة" من كافة الدوائر الزراعية التقيد بعدم إعطاء أي كتاب يسمح للأهالي بشراء مادة "حبة الغاز" إلا بعد التأكد الفعلي والحقيقي من استخدامها لأغراض التعقيم والمكافحة.

واشترط التعميم أن يكون المزارع الذي طلب المادة بالغاً وعمره فوق 25 عاماً، ويحمل بطاقة شخصية، وأن تتم المكافحة من قبل المزارع بإشراف الدائرة الزراعية المختصة.

ولم ينشر التعميم بشكل رسمي على معرفات "الإنقاذ" أو "الزراعة" التابعة لها، لكن مصدر إعلامي مطلع على عمل الأخيرة أكد لروزنة دقته وصحته.

الانتحار هو السبب!

زادت مؤخراً حالات الانتحار في شمالي غربي سوريا باستخدام حبوب الغاز التي تستخدم أساساً كمبيدات حشرية ولتعقيم المؤونة.

وأنهى طفل حياته (13 عاماً) يوم الجمعة الماضي، يقيم في منطقة بابسقا شمالي إدلب، إثر تناوله حبة غاز، بهدف الضغط على أهله لنقله من المدرسة التي يداوم فيها.

وبحسب مقطع صوتي لوالد الطفل، فإن طفله تناول الحبة (القرص) بتحريض من زميله، الذي أخبره بأنه إذا تناول الحبة يمرض ويمكن لأهله نقله إلى المدرسة التي يريدها.

وفي 21 كانون الثاني الماضي، أنهت طفلة من بلدة تفتناز حياتها إثر تنازلها حبة غاز وإسعافها إلى المستشفى، حيث فشلت محاولات الأطباء في إنقاذها ما تسبب بوفاتها.

اقرأ أيضاً: الضغوط التعليمية والوصول للمحظورات: قصة الطفلة التي هزت تفتناز

ونشر والدها مقطعاً صوتياً على مجموعات تواصل محلية في "واتس أب"، أوضح أن ابنته تناولت الحبة بالاتفاق مع زميلة أخرى تراجعت عن تناولها في اللحظات الأخيرة، بعد أن اشتريتا الأقراص من إحدى الصيدليات الزراعية.

وطالب الوالد المسؤولين في "حكومة الإنقاذ" بوضع حد لبيع تلك الأقراص السامة، مبيناً أن طفلته أجرت بحثاً في تطبيق يوتيوب عن تأثير "حبة الغاز" قبل إنهاء حياتها، كما ناشد الأهالي بضرورة الانتباه على ما يبحث عنه أطفالهم في شبكات الإنترنت.

هل سيُنفّذ التعميم؟

تضاربت الآراء حول مدى إمكانية الالتزام بالتعميم، بين مرحب وآخر لم يُبدِ الكثير من الحماس بسبب ما وصفوه "الحاجة إلى متابعات تنفيذية صارمة على الأرض"، وقلة الوعي لدى بعض الأهالي من خطورة تلك الحبة وتواجدها في المنزل.

رحبت الصحافية السورية راميا الأخرس بالتعميم، معتبرة أنه تأخر وأنه كان من المفترض أن يصدر في أوقات سابقة.

وشددت على ضرورة وجود غرامات مالية وعقوبات تنفيذية على الأرض حتى ينضبط بيع تلك الأقراص، ما يقلل من مدى وصولها إلى أيدي الأطفال والمراهقين، وحصره في المزارعين وفق رقابة مشددة.

ويعتقد الإعلامي محمد العبود أن ضبط بيع تلك الحبوب أمر صعب، بسبب توفرها بكثرة في الأسواق والمحلات التجارية ورخص ثمنها، وعدم قدرة المعنيين على ضبط بيعها، إلا أن صدور التعميم جاء نتيجة المطالبات الكثيرة من الأهالي في محاولة لإرضائهم.

وأوضح العبود لروزنة: " في المدن كإدلب وسرمدا والدانا وحارم وسلقين يمكن أن يكون هناك ضوابط إلى حد ما، بينما في المناطق الريفية تتوفر تلك الحبوب في البقالات ومحلات السمانة، بسبب طبيعة المناطق الزراعية، واحتياج الأهالي للحبوب في تعقيم المؤن ومكافحة الحشرات والقوارض".

وأشار إلى أن الدور الأكبر يعود إلى مدى وعي الأهل إلى خطورتها إضافة إلى أخلاق ووعي البائع الذي يبيعها، ومدى التزامه بما جاء في التعميم، مضيفاً: "حتى وبدون تعميم يجب أن يكون هناك ضوابط أخلاقية وإنسانية بعدم بيعها للأطفال والمراهقين".

رأي العبود وافقه الصحافي السوري إبراهيم السويد الذي أن الالتزام يرجح أن يكون في المدن الرئيسة، في حين لا يمكن متابعة الأمر في الأرياف، نتيجة بعدها عن مراكز المدن التي توليها "الإنقاذ" اهتماماً أكبر.

ما هي حبة الغاز؟

تعتبر حبة الغاز أحد أكثر المبيدات الحشرية الشائعة، والأكثر استخداماً في شمالي غربي سوريا، والتي يعتمد عليها الأهالي في تعقيم المؤونة، والقضاء على الحشرات والقوارض التي تتواجد ضمنها.

وعن التركيب الكيميائي لحبة الغاز قال الصيدلي الزراعي أنس العبد إنها تركيب من كربونات الأمونيوم وفوسفيد الألمنيوم، وعند تعريض الحبة الواحدة للهواء الرطب تنتج 1 غرام من غاز الفوسفين المعروف بفوسفيد النيتروجين، شديد السمية.

وأوضح الصيدلي لروزنة، أن الحبوب تتفاعل فور دخولها إلى معدة المتعاطي مع المياه وعصارة المعدة، ما يؤدي إلى إنتاج غاز الفوسفين في الجسم، وأنه لا يوجد ترياق لها بعد تناولها، مضيفاً: "في بعض الحالات التي تكتشف مباشرة، يمكن على الفور إجراء غسيل معدة إسعافي دون ضمان نتائجه وفعاليته".

وأكد "العبد" أن بيع تلك الأقراص والحبوب هو ممنوع للأطفال واليافعين "إلا أن بعض أصحاب الصيدليات الزراعية يثقون بمحاولات الخداع التي يمارسها عليهم البعض، ويقعون في الفخ، ما ينتج عنه كارثة تؤدي إلى الوفاة".

وسيلة موت سريعة

سبق أن شرح الدكتور المختص بالجراحة العامة وجراحة الأورام، خالد عبد الله قدور، لروزنة إنّ حبوب الغاز هي وسيلة موت سريعة ولا علاج لها بسبب أعراضها الشديدة، لذلك يلجأ إليها الكثيرون كوسيلة للانتحار مع توفرها بشكل كبير في الشمال السوري.

وتأتي تلك الحبوب على شكل أقراص صغيرة الحجم تستخدم كمبيد للحشرات والقوارض ولتعقيم المستودعات والصوامع المخصّصة لتخزين الحبوب وتعقيم المحاصيل.

تلك الحبوب هي عبارة عن غاز الفوسفين "فوسفيد الهيدروجين" فور دخولها المعدة مع المياه تتفاعل مع عصارة المعدة وتنتج غاز الفوسفين شديد السمية، ما يؤدي إلى إصابة كافة أجزاء الجسم بالتلف الكامل.

يؤدي ذلك إلى انخفاض شديد في ضغط الدم وتسرّع في ضربات القلب إلى جانب ارتفاع نسبة السكر في الدم وصدمة حرارية، ثم انهيار القلب والأوعية الدموية وفشل كلوي وضيق حاد في التنفس، ما يؤدي إلى الوفاة خلال ساعات قليلة.

المشكلة الكامنة في تلك الحبوب، وفق الطبيب، تتمثل في عدم وجود أعراض سريرية واضحة لدخول غاز الفوسفين إلى الجسم، لذلك يصعب تشخيصه إلا في حالة إقرار المريض أو أحد أفراد أسرته بأنه تناول هذه الحبوب.

وأوضح "قدور" أن المريض وفور وصوله إلى المستشفى، وتبيان عائلته تناوله لحبة الغاز، يحوّل إلى العناية المشددة، لافتاً: "نادراً ما يستطيع المريض النجاة من سمية تلك الحبوب، وفي حال نجا فهو معرّض للإصابة بالسرطان مستقبلاً".

بحسب الطبيب، تباع تلك الحبوب في الصيدليات الزراعية وبعض محلات المواد الغذائية، ما يعني أنها متوفرة بكثرة ويمكن لأي أحد الوصول إليها، في الوقت الذي يجب أن تُشدّد فيها الرقابة على شرائها بسبب أضرارها.

ووفق إحصائية نشرها فريق "منسقو استجابة سوريا" في الأول من شهر كانون الثاني، فقد بلغ عدد حالات الانتحار خلال العام 2023 الماضي في شمالي غربي سوريا، 81 حالة.

وتشير الإحصائية إلى أنه من بين تلك الحالات توفي 44 شخصاً، 10 أطفال، و8 نساء، و26 رجلاً، في حين فشلت 37 محاولة انتحار، بينها 21 امرأة، و8 أطفال.

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض