الضغوط التعليمية والوصول للمحظورات: قصة الطفلة التي هزت تفتناز

الضغوط التعليمية والوصول للمحظورات: قصة الطفلة التي هزت تفتناز

تقارير وتحقيقات | 22 01 2024

روزنة

أنهت طفلة حياتها، أمس الأحد، في مدينة تفتناز بريف إدلب، بعد أن تركت رسالة قيل إنها مكتوبة بخط يدها إلى أهلها، تعبر فيها عن محبتها لهم.

وأفادت مصادر أهلية لروزنة بأن الطفلة (ك ج) البالغة من العمر 11 عاماً، فارقت الحياة بعد تناولها (حبة الغاز) التي تستخدم لحفظ المؤونة.

وأشارت المصادر إلى أن الطفلة اشترت الحبة من إحدى الصيدليات الزراعية في مدينتها، حيث ألقي القبض على صاحب الصيدلية من قبل مخفر الشرطة التابع لـ"حكومة الإنقاذ".

وبحسب رسالة مكتوبة على ورقة تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، قيل إن الطفلة تركتها قبل إقدامها على الانتحار، أرجع نشطاء الأسباب إلى ضغوطات الأهل على الطفلة في دراستها، وإحساسها بأنها لم تحقق طموحات الأهل.

اقرأ أيضاً.. إدلب: هل أنهت أسئلة امتحانية حياة طالب بكالوريا؟

وسبق أن أدت الضغوط التعليمية من قبل الأهالي على أطفالهم، إلى وفاة أطفال إما أثناء فترة الامتحانات نتيجة القلق والضغط النفسي أو خلال العام الدراسي.

وتتكرر حوادث الانتحار باستخدام "حبة الغاز" في مختلف مناطق شمالي سوريا، بينها إنهاء ستيني لحياته بعد تناول ثلاث حبات في سرمين، التي شهدت قبل نحو عام ونصف وفاة مراهق بذات الطريقة في عفرين بريف حلب، سبقته طفلة في كفرجالس شمالي إدلب، دون وجود حل لهذه المشكلة منذ ذلك الحين.

ما هي حبة الغاز؟

تعتبر حبة الغاز أحد أكثر المبيدات الحشرية الشائعة، والأكثر استخداماً في شمالي غربي سوريا، والتي يعتمد عليها الأهالي في تعقيم المؤونة، والقضاء على الحشرات والقوارض التي تتواجد ضمنها.

وعن التركيب الكيميائي لحبة الغاز قال الصيدلي الزراعي أنس العبد إنها تركيب من كربونات الأمونيوم وفوسفيد الألمنيوم، وعند تعريض الحبة الواحدة للهواء الرطب تنتج 1 غرام من غاز الفوسفين المعروف بفوسفيد النيتروجين، شديد السمية.

اقرأ أيضاً: بسكتة قلبية.. وفاة طالب قبيل امتحانات الثانوية في دمشق: "ما عم لحّق"

وأوضح الصيدلي لروزنة، أن الحبوب تتفاعل فور دخولها إلى معدة المتعاطي مع المياه وعصارة المعدة، ما يؤدي إلى إنتاج غاز الفوسفين في الجسم، وأنه لا يوجد ترياق لها بعد تناولها، مضيفاً: "في بعض الحالات التي تكتشف مباشرة، يمكن على الفور إجراء غسيل معدة إسعافي دون ضمان نتائجه وفعاليته".

وأكد "العبد" أن بيع تلك الأقراص والحبوب هو ممنوع للأطفال واليافعين "إلا أن بعض أصحاب الصيدليات الزراعية يثقون بمحاولات الخداع التي يمارسها عليهم البعض، ويقعون في الفخ، ما ينتج عنه كارثة تؤدي إلى الوفاة".

وسيلة موت سريعة

سبق أن شرح الدكتور المختص بالجراحة العامة وجراحة الأورام، خالد عبد الله قدور، لروزنة إنّ حبوب الغاز هي وسيلة موت سريعة ولا علاج لها بسبب أعراضها الشديدة، لذلك يلجأ إليها الكثيرون كوسيلة للانتحار مع توفرها بشكل كبير في الشمال السوري.

وتأتي تلك الحبوب على شكل أقراص صغيرة الحجم تستخدم كمبيد للحشرات والقوارض ولتعقيم المستودعات والصوامع المخصّصة لتخزين الحبوب وتعقيم المحاصيل.

تلك الحبوب هي عبارة عن غاز الفوسفين "فوسفيد الهيدروجين" فور دخولها المعدة مع المياه تتفاعل مع عصارة المعدة وتنتج غاز الفوسفين شديد السمية، ما يؤدي إلى إصابة كافة أجزاء الجسم بالتلف الكامل.

يؤدي ذلك إلى انخفاض شديد في ضغط الدم وتسرّع في ضربات القلب إلى جانب ارتفاع نسبة السكر في الدم وصدمة حرارية، ثم انهيار القلب والأوعية الدموية وفشل كلوي وضيق حاد في التنفس، ما يؤدي إلى الوفاة خلال ساعات قليلة.

اقرأ أيضاً: رجل ستيني ينهي حياته في سرمين بعد إحراق منزله

المشكلة الكامنة في تلك الحبوب، وفق الطبيب، تتمثل في عدم وجود أعراض سريرية واضحة لدخول غاز الفوسفين إلى الجسم، لذلك يصعب تشخيصه إلا في حالة إقرار المريض أو أحد أفراد أسرته بأنه تناول هذه الحبوب.

وأوضح "قدور" أن المريض وفور وصوله إلى المستشفى، وتبيان عائلته تناوله لحبة الغاز، يحوّل إلى العناية المشددة، لافتاً: "نادراً ما يستطيع المريض النجاة من سمية تلك الحبوب، وفي حال نجا فهو معرّض للإصابة بالسرطان مستقبلاً".

بحسب الطبيب، تباع تلك الحبوب في الصيدليات الزراعية وبعض محلات المواد الغذائية، ما يعني أنها متوفرة بكثرة ويمكن لأي أحد الوصول إليها، في الوقت الذي يجب أن تُشدّد فيها الرقابة على شرائها بسبب أضرارها.

ورغم مرور أكثر من عام على مطالبة الطبيب وغيره من التشديد على بيع "حبوب الغاز"، لا زالت بمتناول المدنيين، بينهم الطفلة التي خسرت حياتها أمس في تفتناز.

الخلل في تعامل الأسرة مع المراهق

وصفت الخبيرة النفسية رزان عبيد مرحلة المراهقة بأنها أخطر فترة عمرية في حياة الإنسان لأنه يحدد مستقبله.

وقالت الخبيرة النفسية في حديث لـ"روزنة": "أثبتت الدراسات أن معظم مشكلات المراهقين النفسية تعود إلى تعامل الأسرة بالدرجة الأولى، سواء القسوة في التعامل وغياب التوجيه السليم والتوبيخ المستمر وغياب الحوار الإيجابي، وتقدير المراهق حسب قدراته الخاصة".

وأشارت إلى أن تلك السلوكيات "تتسم بالعنف والعدوانية تجاه المراهق، ومن ثم تتحول هذه السلوكيات ليطبقها على ذاته، بأن يؤذي نفسه بمختلف أنواع العنف، وقد تصل إلى سلوك الانتحار، ليعاقب ذاته لأنه لم يستطع إرضاء الأهل والحصول على حبهم وتقديرهم له".

وأوضحت أن من أساليب المعاملة الوالدية التفرقة والتمييز والتفضيل والمقارنة، حيث يمارس الأهل التفرقة بين الأبناء وتفضيل الآخرين، ومقارنة الطفل أو المراهق بأحد إخوته أو أقاربه أو أي شخص آخر وعدم تقبل الطفل أو المراهق بصفاته وقدراته وتقبله كما هو.

ووفق استنتاجها، فإن عدم تطبيق أساليب التربية بطريقة صحيحة، وعدم إشباع الحاجات الأساسية تؤدي بالطفل أو المراهق إلى أن يشعر بعدم الأمان، كما يؤدي إلى تكوين شخصية قلقة غير قادرة على العمل، تعاني من الانطواء والخجل والاكتئاب، "وبالتالي يحدث عنده عدم التوافق النفسي واضطرابات نفسية تصل نتيجتها إلى إيذاء النفس وقد تصل إلى الانتحار".

وتشير الخبيرة النفسية إلى أن الانتحار يعتبر نادراً عندَ الأطفال قبل سن البلوغ، "وهو أساساً مشكلة تتعلق بالمراهقين، خُصوصاً بين عمر 10 و19 عاماً، وبالبالغين، ولكن يقوم الأطفال في مُقتبل المراهقة بالانتحار فعلياً، وينبغي عدم الإغفال عن هذه المشكلة المُحتَملة".

وشددت على ضرورة أن يكون الأهل أكثر وعياً في تعاملهم مع الأبناء، "لأن حدثاً كربياً قد يؤدي إلى تحريض الانتحار عند الأطفالِ والمراهقين الذين يُعانون من اضطرابات الصحة النفسية مثل الاكتئاب، وأن يأخذوا على محمل الجد جميع التهديدات بالانتحار أو المحاولات".

ارتفاع حالات الانتحار

مساء يوم السبت الماضي، حاول شاب يبلغ من العمر 18 عاماً، من قرية مشمان في سهل الروج الانتحار، عبر إطلاق النار على نفسه، نُقل على إثرها إلى المستشفى.

وقالت مصادر أهلية لروزنة إن الشاب توفي صباح اليوم الإثنين، بعد دخوله في حالة غيبوبة ضمن المستشفى استمرت يومين، وسط أنباء عن مفارقة والده الحياة نتيجة أزمة قلبية، أثناء مشاهدة ابنه وهو يطلق النار على نفسه.

ووفق إحصائية نشرها فريق "منسقو استجابة سوريا" في الأول من شهر كانون الثاني، فقد بلغ عدد حالات الانتحار خلال العام 2023 الماضي في شمالي غربي سوريا، 81 حالة.

وتشير الإحصائية إلى أنه من بين تلك الحالات توفي 44 شخصاً، 10 أطفال، و8 نساء، و26 رجلاً، في حين فشلت 37 محاولة انتحار، بينها 21 امرأة، و8 أطفال.

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض