حملة جديدة للعودة الطوعية في لبنان… فخ جديد للاجئين؟

حملة جديدة للعودة الطوعية في لبنان… فخ جديد للاجئين؟

تقارير وتحقيقات | 3 02 2024

"نرجع لوين؟ لعند النظام؟"، هكذا اختصر أحد اللاجئين ملف العودة الطوعية من لبنان إلى سوريا، حين سألناه إذا ما كان راغباً في العودة وتلبية الدعوات الأخير للعودة الطوعية.

في التفاصيل، المديرية العامة للأمن العام بصدد استئناف العودة الطوعية للنازحين السوريين الراغبين بالعودة إلى وطنهم، وقد أدرجت في بيانها مراكز الأمن العام المخصصة لاستقبال طلبات اللاجئين الراغبين بذلك.

وهي ليست المرة الأولى التي تنظّم فيها المديرية العامة للأمن العام حملات عودة طوعية فقد نظّمت عدة عودات قبل ذلك، فأول عودة سمّيت بـ"الطوعية"، كانت عام 2017 حيث قامت السلطات اللبنانية حينها بإعادة 500 لاجئ سوري من منطقة شبعا جنوب شرق لبنان إلى سوريا، لتتوقف رحلات العودة بسبب جائحة كورونا وتنشط من جديد أواخر العام 2022، إذ شهد شهرا تشرين الأول والثاني من عام 2022 عودة أكثر من ألفي لاجئ سوري.

و بموازاة الحملة التي أطلقتها المديرية العامة للأمن العام، ألقى الجيش اللبناني القبض على 900 لاجئ سوري حاولوا الدخول إلى الأراضي اللبنانية خلسة، وهي عملية تحدث بشكل مستمر على الحدود اللبنانية السورية وبأعداد كبيرة، الأمر الذي يعكس صعوبة الوضع وقساوته واستمرار جرح اللجوء مفتوحاً من دون حل جذري.

الأعداد التي عادت بالفعل وطوعاً تشكّل في الواقع جزءاً محدوداً من اللاجئين السوريين غير القادرين على العودة، إما لأسباب أمنية أو سياسية، أو حتى لأسباب اقتصادية واجتماعية.

"منشقون" و "مطلوبون"

محمد (اسم مستعار) وهو لاجئ سوري تبدو العودة الطوعية بالنسبة له أشبه بالكابوس الذي لا يريد أن يراه مرة أخرى، "والله دقت طعم الموت بسوريا ومستحيل أرجع لو شو ما صار" فوفق ما أخبرنا محمد أنه إلى حد الآن لا يعلم كيف خرج من السجون السورية حيث مكث لمدة تسعة أيام تعرض خلالها لأشد أنواع التعذيب، استطاع بعدها أن يهرب إلى لبنان بالجهد الجهيد.

محمد لاجئ في لبنان منذ 2019، لكنه إلى الآن يتذكر كل يوم تجربته المريرة في المعتقل السوري والتي يخشى تكرارها، لذلك يؤكد أن العودة الطوعية مهزلة و"طعم" للسوريين وقد تعني الموت المحتم، "لا الآن ولا في أي وقت سأعود إلى سوريا"، يقول.

اقرأ أيضاً: بلدية لبنانية تجبر سوريين على التوقيع لـ "العودة الطوعية"

ساريا (اسم مستعار) أيضاً لا ترغب بالعودة إلى سوريا كون زوجها منشق عن قوات النظام، وبالتالي العودة بالنسبة إلى العائلة هي خطر حقيقي يمكن أن يطال زوجها وعائلتها ككل، لذلك هي ترفض العودة بالرغم من الحديث عن تسويات تقوم بها حكومة النظام السوري في الآونة الأخيرة.

تقول ساريا إنها تعيش في لبنان بوضع مادي سيئ جداً، يرافقه تراجع نسبة المساعدات التي كانت تتلقاها من المفوضية، لكن كل ذلك لا يعني شيئاً أمام سلامة زوجها و سلامة عائلتها.

لماذا لا يعودون؟

في هذا السياق، يقول المحامي السوري عبد الناصر حوشان، لروزنة، إن الخوف الأكبر في العودة يكون على من هو مطلوب أو محكوم، فهؤلاء لا يمكنهم العودة لا هم ولا عائلاتهم لأ ن مصيرهم معروف إما الاعتقال وبالتالي التعذيب حتى الموت أو الابتزاز أو الإحالة الى محاكم الإرهاب.

قد يستخدم هذا المركز لإجبارهم على التوقيع على طلبات العودة الطوعية رغماً عنهم أو تزوير هذه الطلبات للتستّر على من يُراد تسليمهم إلى النظام، يقول حوشان موضحاً: "الأمر إذاً يحمل في طياته مخاطر على حياة المطلوبين وأهاليهم أو المحكومين، لذا يجب أن تكون هناك رقابة ومتابعة وضمانات من خلال وجود ممثلين عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمات المجتمع المدني اللبنانية والسورية".

في تصريح سابق، قالت نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية بالنيابة، ديانا سمعان، "إنَّ السلطات اللبنانية بتسهيلها المتحمس لعمليات العودة الطوعية، تُعرّض اللاجئين السوريين عن علم لخطر التعرض لأشكال بشعة من الانتهاكات والاضطهاد عند عودتهم إلى سوريا. على لبنان احترام التزاماته بموجب القانون الدولي ووقف خططه لإعادة اللاجئين السوريين بشكل جماعي".

تقرير دولي: سوريون عادوا إلى بلدهم ما يزال مصيرهم مجهولاً

دمار في الأملاك وأوضاع اقتصادية صعبة

يقول أبو أحمد وهو لاجئ سوري في لبنان منذ أكثر من 10 سنوات إن العودة الطوعية بالنسبة إليه تعيقها أسباب عدة أبرزها عدم وجود مأوى، "بيتي دُمّر خلال الحرب ولا أملك الإمكانات المادية لإعادة إعماره، إضافة إلى أن منطقة الشريعة التي ينحدر منها أبو أحمد هي منطقة غير آمنة ويتم السيطرة عليها من قبل الجماعات المسلحة، لذلك العودة بالنسبة إليه فكرة مستبعدة كلياً، بالرغم من أنه مشتاق إلى وطنه.

أيضاً رامي (اسم مستعار) يحب العودة إلى بلاده، ولكن لا شيء يشجعه على ذلك، "الوضع الاقتصادي هناك سيئ جداً، وبالإضافة إلى غلاء الأسعار الهستيري، لا يمكن أن يجد المواطن السوري كل ما يريده هناك". ويضيف أن والده الذي يعيش في سوريا يشتكي له من شح وندرة السلع والمحروقات، لذلك يفضل رامي البقاء في لبنان على العودة إلى سوريا.

بحسب الناشط الاجتماعي والمسؤول عن مخيمات اللاجئين في عرسال سامر عامر، فإن اللاجئين الراغبين بالعودة إلى بلادهم يقومون بالعودة وحدهم، ويشير إلى أنه في الحملات السابقة قام الكثير من اللاجئين بتسجيل أسمائهم للعودة دون أن يأتيهم رد من قبل السلطات اللبنانية، إذ يرجح عامر أن تكون حكومة النظام السوري هي التي لا تريد أن تعيد اللاجئين بسبب عدم قدرتها على تحمل أعباء إضافية كون البلاد تُستنزف مادياً واقتصادياً.

أما عن الأسباب التي تعيق عودة اللاجئين فيشير عامر، خلال حديثه لروزنة، إلى أن انعدام الأمان والخوف من الاعتقال والتعذيب، يشكلان الرادع الأكبر لعدم رغبة عدد كبير من اللاجئين بالعودة إلى بلادهم .

بدورها تلفت الناشطة السورية في قضايا اللاجئين،  أحلام الخالد،  إلى أن المشكلة في هذه الحملات الطوعية تكمن بما يفعله الجانب السوري بالأشخاص الذين يكون قد وافق عليهم مسبقاً، ولكن عند عودتهم تُسجل إنتهاكات صارخة بحقهم إذ تعرض قسم منهم للاختفاء القسري والاعتقال والتعذيب.

في الإطار ذاته يعتبر المحامي،  عمار عز الدين، أن العودة الطوعية ما هي إلا إعادة قسرية تمارسها الحكومة اللبنانية بحق اللاجئين السوريين وذلك للأسباب التالية، أولاً تجب تهيئة الظروف المؤاتية للعودة الطوعية، وتحقيق البيئة الآمنة وضمان ممارسة الاختيار الحر والمستنير، "أما الخطة التي وضعتها الحكومة اللبنانية فهي خطة عشوائية لا تتوافق ومعايير القانون الدولي لحماية اللاجئين العائدين وتحقيق شروط العودة الآمنة والطوعية".

ويشير عز الدين لروزنة إلى خطورة ربط العودة بالموافقات الأمنية، ومن لا يحصل عليها يعرّض نفسه للمساءلة، وحتى بعد العودة، في حال قام باستئجار عقار أو عاد إلى بيته لترميمه أو السكن فيه، سوف يحتاج لموافقة أمنية، وهذا ما يعرض حياة الكثيرين للخطر.

ويتابع المحامي عزالدين: ثالثاً، لا يوجد ضمانة من أي دولة أو هيئة أممية لعودة اللاجئين وسلامتهم، في ظل وجود منظومة أمنية لا تستطيع حتى لعب دور تمثيلي أمام المجتمع الدولي، كون المشكلة تتجسد أصلاً بطبيعة تركيبة النظام السوري وطريقة إدارته لشؤون البلد وجميع مؤسساته إذ تتحكم أجهزته الأمنية بكل مفاصل الدولة وهي فوق المحاسبة والمساءلة القانونية.

ويرى عز الدين أن "سوريا ما زالت تصنف على أنها دولة غير آمنة، ولم تتحقق بعد أي من الشروط الأساسية لتهيئة ظروف العودة الآمنة والطوعية والكريمة للاجئين، بل إن الأمور تذهب من سيء إلى أسوأ على من تبقى في سوريا حتى على الموالين للنظام، فلا يوجد كهرباء وخدمات، في ظل أزمة وقود وتضخم اقتصادي، ما يرفع نسبة الفقر والجريمة… فعن أي عودة آمنة نتحدث؟".

ووثقت "هيومن رايتس ووتش" بتقريرها عام 2021 بعنوان "حياة أشبه بالموت"، تعرض اللاجئين السوريون الذين عادوا من لبنان والأردن بشكل طوعي بين 2017 و2021 إلى انتهاكات حقوقية جسيمة، إضافة إلى اضطهاد من حكومة النظام والميليشيات التابعة لها مثل التعذيب والقتل خارج نطاق القانون والاختفاء القسري،  أغلب من قابلتهم "هيومن رايتس ووتش" ناضلوا أيضاً من أجل البقاء على قيد الحياة والحصول على احتياجاتهم الأساسية في بلد أنهكه النزاع والدمار الواسع.

وأمام عدم التزام السلطات السورية بوعودها وانتهاكها شروط العودة الطوعية، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية، لم تعد حملات العودة الطوعية التي تطلقها السلطات اللبنانية مشجعة للسوريين، لافتقارها لشروط الأمان والحماية، إضافة إلى تردي الأوضاع المعيشية وشبه انعدام الحياة في مناطق سورية كثيرة. فعن أي عودة طوعية تتحدث الحكومة اللبنانية؟

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض