تقارير | 30 06 2023
محمد الحاج
تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، أمس الخميس، قراراً بإنشاء مؤسسة مستقلة خاصة بـ"استجلاء مصير" المفقودين في سوريا، تعمل على الكشف عن أماكن وجودهم وتقديم الدعم للضحايا وعائلاتهم.
وشارك في صياغة مشروع القرار كل من لوكسمبورغ وألبانيا وبلجيكا والرأس الأخضر وجمهورية الدومينيكان ومقدونيا، وحظي بتبني جمعية الأمم المتحدة، بعد دعمه من 83 دولة، وامتناع 62 عن التصويت على القرار، مقابل وقوف 11 دولة ضده.
وستعمل المؤسسة الدولية الجديدة، بموجب القرار الأممي، على ضمان تمثيل عائلات الضحايا والمفقودين والناجين وأسرهم في سوريا، خلال عملية تأسيسها وأثناء عملها، إضافة إلى تشاورها بصورة مستمرة مع المنظمات النسائية والمجتمع المدني.
وانتقد سوريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما وصفوه "الموقف المتخاذل للدول العربية"، نتيجة دعم القرار من دولتي قطر والكويت فقط، مقابل الامتناع عن التصويت لصالحه، من بقية الدول، بينها مصر والمملكة العربية السعودية والمغرب والعراق ولبنان واليمن والإمارات وتونس والجزائر وغيرها.
نقطة موحدة
قال مندوب لوكسمبورغ الدائم لدى الأمم المتحدة، أوليفيه مايس، لحظة تقديمه مشروع القرار، إن المؤسسة الجديدة ستكون نقطة موحدة لجمع ومقارنة البيانات المتعلقة بمصير المفقودين وأماكن وجودهم، حسب ما نقل الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة.
وأوضح "مايس" أن المؤسسة ستعمل على "سد جوانب القصور الحالية، حيث لا يوجد تنسيق كاف بين الأطراف المعنية، الأمر الذي ينتج عنه قوائم غير مكتملة للأشخاص المفقودين، كما لا توجد جهة موحدة يلجأ إليها أهالي المفقودين لمعرفة مصيرهم".
وأشار مندوب لوكسمبورغ، أن المؤسسة الجديدة ستعمل على التنسيق والتواصل مع كل الأطراف (المسيطرة في سوريا)، وسيكون عملها مكملاً لجهود تحديد مصير المفقودين، وستتجنب ازدواجية المعلومات، على حد وصفه.
خطوة صغيرة على طريق طويل
رحبت روابط "ميثاق الحقيقة والعدالة في سورية" بقرار الأمم المتحدة، لافتة إلى أن إنشاء المؤسسة الجديدة جاء نتيجة مطلب صاغته وعملت عليه أسر المفقودين السوريين و"ثمرة نضالات دؤوبة وشاقة وصولاً إلى هذه اللحظة".
واعتبرت "روابط الميثاق" أن القرار "خطوة أولى ضرورية في مسار طويل. وننتظر من الأمم المتحدة ووكالاتها ذات الصلة والدول الراعية والمؤيدة للقرار، أن تفي بمسؤولياتها والتزاماها تجاه تفعيل هذه المؤسسة وتوفير الشروط السياسية واللوجستية اللازمة لنجاحها".

من جانبها وصفت رابطة "عائلات من أجل الحرية" القرار، بأنه "نصر للحقيقة في سوريا (...) جهودنا الدؤوبة كعائلات للمختفين والمحتجزين تؤتي ثمارها (...) بصيص أمل ونحن نقاتل من أجل الإجابات والمساءلة".
وتضم روابط "الميثاق" عدداً من المنظمات لأسر وعائلات وذوي المعتقلين والمختطفين والمغيبين قسراً في سوريا، منها "رابطة عائلات قيصر" و"مسار-تحالف أسر المختطفين لدى داعش" و"عائلات من أجل الحرية" و"رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا" و"تآزر".
قرار تاريخي
وصفت "لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا" إنشاء المؤسسة الجديدة، بالـ"تاريخي"، وقال رئيسها باولو بينيرو إنها خطوة طال انتظارها من المجتمع الدولي، مضيفاً: "العائلات تركت بمفردها في بحثها عن أحبائها لفترة طويلة جداً (...) هذه المؤسسة ضرورة إنسانية وتكمل الجهود نحو تحقيق العدالة".
وقالت المفوضة لين ولشمان: "لقد تعمدت الحكومة السورية وأطراف النزاع إطالة أمد معاناة العائلات من خلال حجب المعلومات عن مصير عشرات الآلاف من المفقودين أو المختفين (...) العائلات التي تبحث عن أقاربها المحتجزين، معرضة باستمرار لخطر الاعتقال والابتزاز وسوء المعاملة ".

وحيّت النساء اللاتي وصفتهن بـ"الشجاعات"، ممن يقدن عمليات البحث "ويتعرضن للمعاملة التمييزية والإساءة على أساس جنسهن"، مطالبة بدعمهن من المؤسسة الجديدة، حسب ما نقل عنها في موقع "الأمم المتحدة".
بدوره، رأى المفوض هاني مجلي أن عائلات المفقودين في سوريا، تتوقع أن يتم تعبئة أفضل الخبرات والمنهجيات والتكنولوجيا والموارد الكافية لهذه المؤسسة، إضافة للمساعدة النفسية والاجتماعية، بالنسبة للعائلات والناجين.
النظام السوري: لجنة مسيّسة
وصف مندوب النظام السوري لدى الأمم المتحدة، بسام صباغ، المؤسسة قبل التصويت على اعتمادها، بأنها "لجنة مسيسة"، معتبراً أن النظام حريص على التعامل مع هذه المسألة الإنسانية، إلا أنه يرفض نهج التسييس.
وانتقد أيضاً أن النظام "لم يكن طرفاً في أي من هذه المناقشات التي جرت ولم يتم دعوته إليها ولا التشاور معه بشأن إنشاء هذه المؤسسة".
واعتبر "الصباغ" أن القرار يعكس "تدخلاً سافراً في شؤون سوريا الداخلية، ويشكل دليلاً إضافياً على استمرار النهج العدائي لبعض الدول الغربية"، مندداً في كلمته بـ"إنشاء آلية غربية غامضة المعالم، لا تورد أي تعريف مخدد لمصطلح المفقودين، مجهولة الأطر الزمنية والحدود الجغرافية".
ويوجد ما لا يقل عن 155243 شخصاً في سوريا، قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري، منذ آذار 2011 حتى حزيران 2023، بينهم 135481 (87.27 بالمئة) على يد قوات النظام السوري، حسب بيانات توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ويتعين على الأمين العام للأمم المتحدة تطوير الإطار المرجعي للمؤسسة في غضون 80 يوماً، بالتعاون مع المفوض السامي لحقوق الإنسان، حسب وكالة الأنباء الفرنسية.
وحذر ناشطون وحقوقين من "التفاؤل المفرط" بإنشاء المؤسسة، خاصة في ظل رفض النظام السوري للقرار، والتصويت ضده من قبل روسيا وإيران والصين، ما يشكك في تعاونه والأطراف الأخرى، مع "حق الضحايا، غير القابل للتصرف، في معرفة الحقيقة عن مصير أحبائهم".