تقارير | 22 04 2023
إيمان حمراوي
منتصف الستينات، في مدينة مصياف السورية المُحاطة بالجبال، يراقب موفق (12 عاماً) والدته في الثلث الأخير من رمضان في جو شديد البرودة، وهي تحضّر كعك العيد مع جدته وخالاته.
على الأرض ينثر الطحين والسكر والسمن والتمر، تصنع منها أم موفق المكوّن السحري "العجينة" لتشكلها كأقراص دائرية تنقش برسم موحّد، وتوضع على الصواني برفق.
ينتظر موفق بفارغ الصبر الانتهاء من صواني الكعك من أجل خبزها عند الفرّان في الحي المجاور، في عملية تستمر حتى وقت السحور.

أقراص العيد
التعاون في صناعة الكعك موفق زريق، من مواليد مصياف بريف حماة، 1954، يستذكر طفولته مطلع الستينات، في عيد الفطر، الممتلئ بروائح الكعك ودفء القلوب حين اجتماعها على صلاة العيد وما بعد ذلك في الزيارات.
تبدأ طقوس العيد منذ بدء تحضير كعك العيد أو ما يسمى "الأقراص"، يقول موفق، في حين تصنع الأمهات المعمول في العيد الكبير.
يسترسل موفّق في ذكرياته بحديثه لروزنة: "تجتمع العائلات الكبيرة، النساء والبنات، في كل بيت لصناعة أرطال الكعك، وحين انتهاء البيت الأول، ينتقلون إلى البيت الثاني، وهكذا حتى ينتهي الجميع من صناعة الكعك الخاص بهم".
سهرة صناعة الكعك تمتزج بالحكايات والضحكات والنكات، يقول موفق: "كانت سهرة ممتعة، نسهر الليل ونأخذ الكعك إلى الفرّان في الشتاء، بين ذهاب وإياب لحين انتهاء الكمية من الخبز".
ويضيف: في ليلة العيد، متعة شراء الثياب الجديدة من الأسواق لي ولإخوتي من الأشياء الجميلة، "كنا ثمانية أولاد".
تكبيرة العيد وزيارة المقبرة
خروج أرباب البيوت من منازلهم مع أولادهم، صباحاً لأداء صلاة العيد، بكامل زينتهم، والعطور تفوح منهم، هو مشهد له نكهة خاصة لدى السوريين، وذكرى جميلة، غابت عنهم خلال تواجدهم في بلاد المغترب.
يقول موفق: "في أول يوم العيد، أجمل شيء تكبيرة العيد، كنت استمتع جداً بصوت المؤذّن الجميل، التكبيرة تتم بشكل جماعي، كنت حريصاً على مشاركتي بالتكبيرة رغم أني طفل".
بعد خطبة العيد، تأتي زيارة المقبرة التي يصفها موفق بالـ"مؤتمرالسنوي"، إذ يجتمع هناك كل الأشخاص العائدين من السفر، ومن مضى زمن طويل على رؤيتهم، يزورون أمواتهم، ويعايدون بعضهم البعض صباحاً.
"يخرج الجميع من المقبرة إلى بيت الجد، أو كبير العائلة، يجتمع الرجال والنساء، في منظر كلوحة فسيفساء، فيها الكبير والصغير، حتى المتخاصمون يتعاتبون، ومن ثم يتصالحون بتدخّل من الكبار الذين يعالجون مشاكل الصغار أيضاَ" يشرح موفق طقوس العيد، مع ابتسامة مرسومة على وجهه وهو يستذكر تلك التفاصيل قبل عقود.
وبعد الإفطار تبدأ المعايدات في المنازل، من زيارة منزل الكبير إلى الأصغر فالأصغر، وكل عائلة تضم معها العائلة التي زارتها لتزور العائلة التي تليها، هكذا إلى أن يجتمع كل أفراد العائلة عند آخر وأصغر فرد.
ركوب السيارة بفرنكين
عيديات الأطفال لها نكهة أخرى في الستينات، كانت هناك المراجيح والألعاب، لكن ركوب السيارة، كانت المحببة لدى الأطفال، يدفعون للسائق فرنكين من أجل مشوار 5 كيلو متر، يقول موفق.
فرحة ثياب العيد
عندما سألنا لمياء، من مواليد 1958، عن ذكريات طفولتها في العيد، قالت مع ابتسامة حانية: "ذكريات العيد.. يااااااه سأعود بذاكرتي إلى عقود بعيدة، كل الصور تأتي على شكل خيالات ضبابية جميلة".
لمياء سيدة سورية تقيم في إسطنبول، عاشت طفولتها ضمن إحدى القرى الشركسية في ريف حمص الشمالي.
"صباح العيد ارتدي أنا وأخوتي ملابس جديدة خاطتها والدتي بأجمل شكل، أتذكر فساتيني الملونة والمزينة بقماش الأغباني، كنا من العائلات المقتدرة مادياً، فالأغباني قماش ثمين، كنت أتباهى بفستاني الجميل كل عيد".
الأغباني قماش يصنع في سوريا بشكل يدوي، من خيوط الحرير الطبيعي والذهب والقصب، ويطرز بالإبرة بخيوط وتطريزات نافرة عن القماش، وهو ما يميز الأغباني عن الأقمشة الدمشقية الأخرى كالبروكار والحرائر بأنواعها.
قماش الأغباني
تتابع لمياء وصفها ليوم العيد، وكأن ذاكرتها انتعشت وعادت للحياة "كنا ندق الأبواب كلها دون استثناء، ضيعتنا صغيرة وكلنا أقارب، نجمع العيديات والحلوى ونأكل الحلوج".
الحلوج نوع من الأطباق الشعبية الشركسية، اعتاد الشركس في حمص تحضيره للعيد، وهو عبارة عن فطائر من العجين محضرة بطريقة خاصة ومحشية بالجبن الشركسي تشوى بالفرن.

عيدية لمياء الكبرى "فرنكين"
"العيدية واحدة من أهم الطقوس في العيد، أحصل كل عيد على عيدية من الجميع واستمر الأمر إلى أن تزوجت… كنت المدّللة عند الجميع عندما كنت صغيرة كل الأطفال يحصلون على نصف فرنك إلا أنا فرنكين" تقول لمياء بوجه مبتسم وعينين لامعتين.
"كانت هذه الفرنكات ثروتي الكبيرة، أشتري بها الحلوى بكل الأشكال، أملأ بطني وأبكي آخر الليل من الألم وكل عيد أكرر التجربة المجنونة ذاتها" تضيف لمياء ضاحكة.
تقول لمياء إنهم كانوا يزورون الأقارب المقيمين في مدينة حمص ثاني أو ثالث أيام العيد، كانت تشاهد الألعاب والمراجيح في الساحات العامة لكنها لم ترغب بتجربتها مطلقاً، "كنت أشاهد الأطفال يركبون المرجوحة والازدحام كبير حولها بانتظار ركوبها، يضحكون ويمرحون، لكن مرجوحتنا بالحقل تحت شجرة التوت كانت أجمل".
في السبعينات.. كيف يبدو العيد؟!
في السبعينيات، قبل خمسين عاماً، لا تختلف طقوس العيد كثيراً، عن أعياد الستينات، لكنها تختلف عن الأعياد في الزمن الحالي الذي اختفت منها كل البركة وغابت عنها أجواء الألفة والمحبة، حسب محمد الزير مواليد 1960، الذي ينحدر من ريف حماة.
يقول: "قبل أيام من العيد أول شيء نلاحظه رائحة الكعك المنتشرة في كل مكان بأرجاء المدينة، ورش النساء منهمكة في صناعة حلويات العيد، فيما الأفران تعمل كل الليل، فأفران المنازل لم تكن تكفي".
"الكهرباء كانت متوفرة ليس كما اليوم وكل الموارد متوفرة، رغم الفقر، كانت البركة تحيط بنا"، على حد وصف الزير، مشيراً أن كعك العيد يبقى لمدة شهرين بعد صنعه، ورائحته فواحة في كل المنزل أينما يتجه المرء.
إعادة تدوير الملابس
مع قدوم العيد، يحرص الأهالي على وجود ثياب جديدة، إضافة إلى عملية إعادة تدوير الملابس، الأخ الأصغر يرتدي ملابس الأخ الأكبر "أهم شيء وجود بدل ثياب جديدة لارتدائها في أيام العيد لكل طفل"، حسب ما يتذكر محمد.
يتابع: "في ليلة العيد النوم يجافينا من الفرحة، ننام ونحن نحلم بسماع تكبيرات المساجد، وحينما نستيقظ، ونسمع تكبيرات العيد، نركض إلى ملابسنا الجديدة لارتدائها، الأطفال الكبار قليلاً يرافقون الأب إلى صلاة العيد، والصغار يرافقون الأم إلى المقبرة لزيارة الأموات".
العيدية ليرة
أما عن عيدية محمد يقول: "عند العودة إلى المنزل، تبدأ مراسم العيد ومعايدة الأهل، الوالدة كانت تحضّر الضيافة على المائدة لاستقبال الضيوف، أما نحن الأطفال كنا ننتظر العيدية بفارغ الصبر والتي كانت لا تتجاوز الليرة في معظم الأحيان".
كان محمد يجمع في طفولته بضع ليرات ليتجه بعدها إلى بائع الحلويات والعصير، وإلى الألعاب، "لم يكن هناك حدائق، كان العيد والألعاب في الشارع".

ويعتبر آنذاك "ركوب السيارة" داخل المدينة أهم لعبة لدى الأطفال، بقيمة ربع أو نصف ليرة، يبتسم محمد: "كنا ننادي السائق بأغنية مشهورة : يا شوفير دوس دوس الله يبعتلك عروس بيضا شقرا من طرطوس".

ومن الرفاهيات في العيد، حضور السينما المتواضعة، كانت تعرض إما فيلماً هندياً أو عن رياضة الكاراتيه، إضافة لوجود بعض صالات السيرك أو مسرح العرائس، الاحتفال الأكبر يكون دائماً في أوّل يوم.
في تلك الأيام كان الدولار يساوي 3 ليرات سورية، فيما كان راتب الموظف الحكومي يصل إلى 150 ليرة سورية، يقول محمد، "بخمس ليرات كان العيد بأحسن حال لا يحرم الشخص من شيء".
يختم محمد حديثه معنا: "كانت تلك الأيام مليئة بالبركة، بهذا الراتب (150 ليرة) كان والدي يوفّر ويعمّر ويجدد عفش المنزل، أما اليوم راتبي التقاعدي هو عبارة عن مئة ألف ليرة سورية، لاتكفيني قوت يوم واحد".