تقارير | 14 04 2023
إيمان حمراوي
قبل عقد من الزمان كانت السعودية من أشد الداعمين للمعارضة السورية ضد حكومة بشار الأسد، لكن مؤخراً تغيّرت الموازين وأصبحت المملكة صديقة للنظام السوري.
ولأوّل مرة منذ عام 2011 زار منذ يومين وزير خارجية النظام السوري، فيصل المقداد، السعودية بدعوة من وزير خارجيتها فيصل بن فرحان.
واتفق الطرفان خلال بيان مشترك على نقاط عدة تحيي العلاقات من جديد، أبرزها "استئناف الخدمات القنصلية والرحلات الجوية بين البلدين، ودعم مؤسسات الدولة السورية لبسط سيطرتها على أراضيها وإنهاء الفصائل المسلحة والتدخلات الخارجية، وعودة سوريا إلى محيطها العربي"، بحسب وكالة الأنباء السعودية "واس".
ويتزامن هذا مع تغيّر الخارطة السياسية في المنطقة بعد الاتفاق (السعودي-الإيراني) الذي أعلن عنه الشهر الماضي.
2011.. تنديد وطرد وسحب سفراء
في عام 2011 تأزّمت العلاقة بين المملكة العربية السعودية والنظام السوري، وكان الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، أول رئيس عربي يدين تصرّف حكومة بشار الأسد في التعامل مع المظاهرات المناهضة لها.
ودعا الملك السعودي، في آب 2011، خلال كلمة تلفزيونية "إلى وقف أعمال القتل وإراقة الدماء"، معتبراً ما يجري من عنف لقمع المتظاهرين أمراً "غير مقبول".
ونتيجة لذلك سحبت السعودية وفدها من بعثة حفظ السلام التابعة لجامعة الدول العربية من سوريا في كانون الثاني 2012.
وبوصفها رئيسة دورة مجلس التعاون الخليجي عام 2012 أعلنت السعودية في السابع من شباط، قرار رئاسة المجلس بـ"بطرد سفراء سوريا من دول المجلس الخليجي وسحب سفرائهم من دمشق"، احتجاجاً على تصاعد الحملات العسكرية ضد المعارضين وإجهاض النظام لكافة الجهود العربية من أجل حقن دماء السوريين، وفق موقع "الجزيرة".
اجتماعات لوفود المعارضة في السعودية
وخلال قمة عربية عام 2013، شارك وفد من "الائتلاف السوري المعارض" الاجتماعات في الدوحة بوصفه "ممثلاً" للشعب السوري.
واستضافت السعودية مؤتمراً للمعارضة السورية في كانون الأول 2015 على مدار أيام، ضمن توصيات مؤتمر فيينا حول سوريا، الذي انعقد في تشرين الأول 2015، بمشاركة 17 دولة بينها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإيران والسعودية.
ومن المشاركين في مؤتمر"الرياض 1" الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي حظي باعتراف رسمي من أكثر من 120 دولة في مؤتمر أصدقاء سوريا عام 2012.
وفي نهاية المؤتمر شكلت قوى المعارضة "الهيئة العليا للمفاوضات" التي عملت على قيادة المفاوضات من جانب المعارضة في جولات جنيف خلال عامي 2016 و2017، وترأسها المنسق العام رياض حجاب، المنشق عن حكومة النظام.
اقرأ أيضاً: عودة سوريا للجامعة العربية بين الميثاق والتصريحات.. توافق أم أغلبية!
دعم المعارضة السورية
بعد تأزّم العلاقة بين السعودية وحكومة دمشق، دعمت السعودية الجيش السوري الحر وفصائله.
صحيفة "فاينانشال تايمز" ذكرت في أيار عام 2013 في تقرير لها، أن السعودية أصبحت
أكبر مزود أسلحة للجيش السوري الحر، حيث اشترت المملكة عدد كبير من الأسلحة لإيصالها إلى المعارضة السورية، عن طريق الأردن جنوبي سوريا وتركيا شمالي سوريا.
وبحسب تقرير لـ"bbc" ، إن الرياض أواخر 2012 موّلت أواخر شراء "آلاف البنادق ومئات المدافع الرشاشة" وقاذفات الصواريخ والقنابل والذخيرة للمعارضة السورية.
وصول الأسلحة أواخر 2012 للمعارضة السورية، ساعد الجيش الحر في السيطرة على بعض مناطق النظام.
وفق تقرير لـ"رويترز" إن دافع السعودية لتسليح المعارضة بأسلحة متطورة، هو الخوف من ظهور جيب جهادي، على بعد 100 كيلو متراً من حدودها مع الأردن، قد يؤثر على آلاف الشباب السعوديين الساخطين على حكومتها.
وأكثر الفصائل التي تلقت دعماً من السعودية "جيش الإسلام" بقيادة زهران علوش الذي قتل أواخر عام 2015، وآنذاك، اعتبر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، مقتل علوش في سوريا، لا يخدم عملية السلام في هذا البلد، وفق وكالة "فرانس برس".
زيادة دعم للمعارضة وقتال داعش
دعمت السعودية الجيش الحر بالكثير من الأسلحة النوعية الثقيلة، بينها مضادات للدبابات، وعملت على تدريبهم، وفي تشرين الأول 2016 أعلنت زيادة دعم تسليح المعارضة المعتدلة، وفق ما صرّح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير.
وشاركت السعودية في قتال تنظيم "الدولة الإسلامية" داعش، ضمن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
وفي آب 2018 تبرّعت السعودية بمبلغ 100 مليون دولار للتحالف الدولي ضد داعش، في سبيل دعم استقرار المنطقة في شمال شرقي سوريا، ورحبت وزارة الخارجية الأميركية بالدعم، وقالت: "تعتبر هذه المساهمة المهمة حاسمة في جهود تحقيق الاستقرار والإنعاش المبكر في سوريا".
الإطاحة بالأسد!
قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" في آب 2013، إن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أدركت أنّ السعودية كانت جادة في إسقاط رئيس النظام السوري بشار الأسد عندما كلف الملك السعودي الأمير بندر بن سلطان آل سعود لتولي تلك المهمة.
وأضاف التقرير أنّ الأمير بندر، هو واحد من أكثر صانعي الصفقات المؤثرين في واشنطن خلال عقدين من الزمن كسفير للسعودية، ولكن من الذين يختفون عن أنظار الجمهور، وظهر مجدداً لهزيمة الأسد وحلفائه الإيرانيين وحزب الله.
وفي 2017 كشفت وثائق مسربة لصحيفة "ذا انترسبت" من "وكالة الأمن القومي الأمريكية" أن الأمير سلمان من أمر بالهجمات الصاروخية في آذار 2013، التي استهدفت النظام في دمشق، حيث قدم للمعارضة 120 طناً من المتفجرات، وغيرها من الأسلحة وأصدر لهم تعليمات بـ"إشعال دمشق" و"دك مطارها".
كذلك، بدأت السعودية عام 2013 بتطوير مرافق التدريب في الأردن لدعم المعارضة السورية، بإشراف وزير الدفاع سلمان بن سلطان.
ونقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مصادر خليجية رفيعة المستوى، في تشرين الثاني 2013 أن السعودية تخطّط لتوسيع منشآت التدريب التي يديرونها في الأردن وزيادة تسليح مقاتلي المعارضة السورية
وتعاونت السعودية مع الولايات المتحدة على إطلاق برنامج "تيمبر سيكامور"، وهو برنامج سري بين الاستخبارات العامة السعودية ووكالة المخابرات المركزية الأميركية لتسليح المعارضة السورية وتدريبهم، بحسب موقع "الخليج أون لاين".
قد يهمك: الخليج والنظام السوري من التصعيد إلى التطبيع والدبلوماسية
الخلاف بين السعودية والولايات المتحدة
في نيسان 2014 جاء قرار إعفاء بندر بن سلطان من منصبه في وكالة الاستخبارات العامة بعد أقل من عامين، وذلك بعد زيارة قام بها الرئيس الأمريكي باراك أوباما للعاصمة الرياض، التقى خلال العاهل السعودي.
و كتبت صحيفة "الغارديان" أن إعفاءه ليس مفاجأة تماماً لأنه في خضم توترات غير مسبوقة في العلاقات بين الرياض وواشنطن، كان هناك علامات على أنه خسر شعبيته وتم تهميشه بالفعل بعيداً عن سوريا.
من جهتها علّقت صحيفة "إندبندنت" أن سياسته في تمويل وإمداد الثوار السوريين الذين يقاتلون الأسد فشلت في أن يكون لها أثر ملموس.
الموقف السعودي بعد الدعم الروسي للنظام
في أيلول 2015 بدأت روسيا بالتدخل العسكري في سوريا إلى جانب النظام السوري، هنا لم ينقطع الدعم السعودية للمعارضة، بل زاد بوتيرة كبيرة، حيث قدمت المملكة أسلحة نوعية مثل مضادات الدروع من أجل تقوية موقف المعارضة ضد قوات النظام المدعومة من روسيا.
وفي آب 2020 نشرت "الغارديان" البريطانية تقريراً ذكرت فيه أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان "أعطى الضوء الأخضر السري لتدخل روسيا في سوريا" عام 2015.
الأسد ليس براحل
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أعرب في مقابلة نشرتها مجلة "تايم" الأميركية، في نيسان 2018، عن قناعته ببقاء بشار الأسد في منصبه، لافتاً إلى أن تعزيز حكم الأسد يخدم مصلحة دمشق وموسكو، ويتيح لسوريا التخلص من نفوذ إيران.
وقال: "هذه المصالح قد تقلل من نفوذ إيران بشكل ملموس، لكن بشار لن يرحل الآن، ولا أعتقد أنه سيترك السلطة دون حرب".
دعم السعودية لـ"قسد"
منذ مطلع 2018 وعندما فقدت المعارضة السورية الأراضي التي كانت تسيطر عليها لصالح النظام السوري، بدأت السعودية محادثات مع الفصائل العربية المنظمة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" لدعمها بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية.
وكشفت مصادر محلية، لموقع "عربي 21" في شباط 2020 عن إجراء مسؤولين سعوديين وأميركيين، مباحثات في الحسكة، بهدف تمويل الرياض لقوات عربية تدعمها واشنطن تابعة لقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، الدعم يأتي بحجة "مقاومة محاولات التمدد الإيراني في شمال شرق سوريا".
ومنتصف 2019 زار وزير الدولة السعودي، ثامر السبهان، الرقة والتقى بممثلين عن "مجلس الرقة المدني" التابع لـ"قسد" وعن عشائر المنطقة، لتقديم الدعم المالي والسياسي لأهالي المنطقة مقابل انخراطهم بشكل أوسع ضمن تشكيلات "قسد" عسكرياً وسياسياً، وفق "الجزيرة".
وبث ناشطون صوراً تُظهر السبهان أثناء اجتماعه مع عشائر دير الزور قبل أن يتوجه إلى الرقة.
وقبل ذلك زار السبهان الرقة عام 2017 والتقى مسؤولين أميركيين فيها.
متى بدأت تتغير المواقف؟!
مع نهاية 2017 بدأت ملامح التغيّر في الخطاب الرسمي السعودي اتجاه الملف سوري.
في آب 2017 ذكرت وكالة "أسوشيتد برس" أنّ وزير الخارجية السعودية، عادل الجبير، دعا "الهيئة العليا للمفاوضات" لوضع رؤية جديدة حول تسوية الأزمة في سوريا ومستقبل بشار الأسد.
وجاء هذا الموقف نتيجة ضغوط أميركية كبيرة، بعدما قررت واشنطن منذ النصف الثاني من ولاية أوباما الثانية التنازل عن المطالبة بإبعاد الأسد كشرط مسبق للمفاوضات السياسية.
وبعد خسارة المعارضة السورية، وجدت السعودية نفسها مجبرة على الابتعاد عن الساحة العسكرية السورية، وهو قرار تم التوافق عليه بين الولايات المتحدة وروسيا، بحيث يُحصر التدخل العسكري بين أربعة دول فقط "الولايات المتحدة، روسيا، إيران، تركيا".
هنا اتجهت السعودية إلى الملف السياسي، وطالبت "الهيئة العليا للمفاوضات بتغيير موقفها من المنصات الأخرى "موسكو والقاهرة" والقبول ببقاء الأسد خلال المرحلة الانتقالية.
وتوجهت لاحقاً إلى تقديم التنازلات أمام النظام السوري، منها السماح بمرور شاحنات البضائع السورية عبر أراضيها بعد فتح معبر نصيب - جابر على الحدود السورية - الأردنية في أيلول 2020.
وفي أيار 2021 شارك وفد من النظام السوري برئاسة وزير السياحة محمد مارتيني، في اجتماع للجنة منظمة السياحة العالمية للشرق الأوسط، في المملكة.
وفي ذات الوقت، قالت صحيفة "الغارديان" إن رئيس الاستخبارات السعودي، خالد بن علي الحميدان، زار دمشق والتقى نظيره السوري، في أول اجتماع علني من نوعه بين السعودية وسوريا منذ 2011.
وبحسب الصحيفة، إن هذا الاجتماع يعتبر بمنزلة "انفراجة للأزمة التي عرفتها العلاقات بين الرياض والأسد منذ اندلاع الحرب"، وبحسب مسؤول سعودي، إن الزيارة "بمثابة افتتاح لعودة العلاقات بين البلدين"، ولم يصدر أي بيان رسمي سعودي أو سوري يؤكد تلك الزيارة أو ينفيها.
وفي تشرين الثاني الماضي، وخلال كلمة لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، في القمة العربية التي عُقدت في الجزائر، أعلن أن بلاده تدعم كل الجهود العربية والدولية لإيجاد حل سياسي في سوريا، مؤكداً حرص المملكة على أمن سوريا واستقرارها.
ومطلع العام الجاري، دعا وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال مقابلة، مع تلفزيون "بلومبيرغ"، دول المنطقة لإيجاد "حل سياسي" للحرب المستمرة منذ 12 عاماً في سوريا.
الزلزال
وشكّل الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا في السادس من شباط الماضي نقطة تحول لافتة، إذ تلقى بشار الأسد اتصالات وزيارات ومساعدات من العديد من الدول العربية، بما فيها السعودية التي أرسلت طائرات مساعدات كانت الأولى من نوعها منذ قطع علاقاتها مع دمشق.
وكالة "رويترز" ذكرت أواخر آذار الماضي، أن السعودية وحكومة النظام السوري اتفقا على إعادة فتح السفارات، بعد عقد من قطع العلاقات الدبلوماسية، وقال دبلوماسي خليجي إن "مسؤول في المخابرات السورية رفيع المستوى مكث لعدة أيام في الرياض، وتم التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح السفارات في القريب العاجل".
إحدى المصادر الإقليمية ذكرت للوكالة، أن المسؤول هو رئيس إدارة المخابرات العامة في سورية، حسام لوقا، أعقبها في الـ 12 من نيسان، زيارة مفاجئة لوزير خارجية النظام فيصل المقداد إلى السعودية والتي خرج على إثرها باتفاق لاستعادة سوريا العلاقات مع المحيط العربي وغير ذلك من البنود.
ويبحث اليوم الجمعة وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى مصر والأردن والعراق، عودة سوريا إلى الجامعة العربية، في اجتماع بمدينة جدة السعودية.
السعي السعودي لعودة النظام إلى جامعة الدول العربية، قد يعرقله الموقف القطري بعد تصريح المتحدث باسم وزارة خارجيتها ماجد الأنصاري، الثلاثاء، إنه لا تغيير في موقف بلاده الرافض لعودة سوريا إلى الجامعة.