تقارير | 6 12 2022
محمود أبو راس
اكتشفت إلهام وجود القمل في رأس طفلتها البالغة من العمر 10 أعوام، ما سبب لها صدمة كبيرة، لتبدأ بعدها رحلة العلاج الشاقة مادياً وجسدياً، لإزالة القمل وبيوضه قبل أن تنتقل العدوى بين أفراد العائلة.
اقرأ أيضاً: مع تفشي الكوليرا.. مياه الصرف الصحي تلوث نهر عفريناشترت إلهام التي تعيش في محافظة حمص شامبو خاص بالقمل من الصيدلية بسعر 5000 ليرة للعبوة، إلا أنها وبعد استخدامه ليومين لم تشعر بأي فرق، فاضطرت لشراء شامبو آخر بتركيز أكبر للمادة الفعالة، بلغ سعره 7500 ليرة.
وبعد محاولة جديدة فاشلة، لجأت إلهام إلى صيدلية أخرى، تطلب شيئاً أقوى لينصحها الصيدلي باستخدام بخاخ خاص بتركيز 2.5 للمادة الفعالة، وتدعى بيرمثرين ثمنه 12500 ليرة، وبالفعل نجحت المحاولة أخيراً وكان على إلهام إعادة استخدام البخاخ مرة أخرى بعد أسبوع، للتأكد من القضاء على كافة الطفيليات.
اضطرت إلهام لدفع 37500 ليرة للتخلص نهائياً من القمل، فتقول: "طبعاً هذا إلى جانب عملية البحث عن البيوض في الشعر أو ما يدعى الصئبان لقتلها، وهذا كان مرهقاً للغاية حيث كانت تستغرق العملية حوالي الساعتين تقريباً كل يوم ولمدة 10 أيام".
لم تدم فرحة إلهام بالقضاء على القمل طويلاً، حيث أصيبت طفلتها بالعدوى مجدداً، لتبدأ رحلة علاج جديدة مرهقة ومكلفة، اضطرتها للتدخل والتحدث مع إدارة المدرسة والطلب منها علاج الوضع، لتخبرها المديرة بأن الصحة المدرسية لم تستجب لهم لعدم وجود أدوية خاصة بعلاج القمل في المستودعات.
تواصلت إلهام مع إحدى الجمعيات المحلية وقامت بجمع مبلغ من بعض الأهالي الميسورين نوعاً ما، وبالفعل، اشتروا علاجاً للقمل وُزّع على الطلاب المصابين في المدرسة.
وتضيف: "تواصلت مع بعض أهالي الطلاب واتفقنا على جمع المبلغ وطلبنا مساعدة جمعية محلية، كان الموضوع مرهقاً مادياً لنا لكننا في النهاية لا نريد الاستمرار بالعدوى، ولن نستفيد ما لم تنتهي المشكلة لدى كل الطلاب".
ظهور القمل بعد غياب
وتكررت الإصابات بالقمل في مدارس دمشق خلال الأعوام الماضية، بعد تراجعه خلال السنوات الفائتة، ويؤكد الطبيب رامي (اسم مستعار) أن الإصابة بالقمل تأتي بشكل رئيس من إهمال النظافة الشخصية، إلا أن الشخص النظيف من الممكن أن يلتقط العدوى.
وبالنظر إلى الظروف التي يمر بها السوريون منذ العام الفائت، وكيف تحول الحمّام شتاءً إلى معاناة تضاف إلى مجموع معاناتهم، نتيجة انقطاع الكهرباء الطويل وعدم وجود الغاز المنزلي لتسخين المياه اللازمة للاستحمام، إضافة إلى ارتفاع أسعار الشامبو وانتشار أنواع سيئة منه للغاية، ربما يوضح السبب وراء كثرة إصابة الطلاب بالقمل وعودته إلى الظهور مجدداً.
بدائل خطرة
لجأت منى إلى شراء ليتر من الكاز بسعر لا يتجاوز الـ2000 ليرة، لتنظيف شعر طفلتيها من القمل بعد الإصابة بالعدوى.
تقول منى وهي موظفة حكومية تعيش في اللاذقية، إنها لا تستطيع تحمل كلفة شراء العلاج الخاص خصوصاً بسبب وجود حالتي إصابة عندها، لذا اتبعت الطريقة القديمة بنقع شعر طفلتيها بالكاز لمدة 6 ساعات، وبعد ذلك استعمال المشط ذو الأسنان الرفيعة الذي اشترته بـ1500 ليرة من الصيدلية للتخلص من الحشرات النافقة، وبعد ذلك تقوم بالبحث عن الصئبان لقتلها والتخلص منها نهائياً.
إضافة للكاز تلجأ بعض السيدات لاستخدام المبيدات الحشرية للقضاء على القمل، ما يسبب خطورة كبيرة على الطفل المصاب، وتهدده بالتسمم.
قد يهمّك: كيف يقاسي مرضى السكري في سوريا لتأمين أدويتهم؟
وهنا يؤكد الطبيب المختص في الأمراض الجلدية محمد (اسم مستعار)، أن استخدام الكاز يؤدي إلى تهيج في فروة رأس الطفل الحساسة، كما أنه قد يسبب التهابات وحروقاً في فروة الرأس، وتساقط الشعر وجعله أكثر عرضة للتكسر، ويحذر بشدة من استخدامه.
ينصح الطبيب ذاته الأهالي بأن يوصوا أطفالهم بعدم الاقتراب من الآخرين في المدرسة، ولأن هذا قد يكون صعباً في مراحل عمرية مبكرة فإنه من الأفضل أن يتم ربط الشعر على شكل كعكة أو جديلة، ما يقلل الاحتكاك.
في المقابل تقليل الاحتكاك يبدو أمراً مستحيلاً، بالنظر إلى اكتظاظ الصفوف المدرسية، وبحسب إلهام فإن طفلتها تجلس إلى جانب طفلتين في المقعد ذاته، ومثلها كل الذين في صفها وحتى مدرستها، حيث يفوق عدد طلاب الشعبة الواحدة الـ45 طالباً وطالبة، في بعض الأحيان.
وتمتلئ صفحات الفيسبوك بالعديد من المنشورات التي يطلب فيها مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي طرق علاج للقمل، وبعد مراجعة المنشورات تبين أن تاريخها يعود إلى مطلع أيلول الماضي، وهو بداية العام الدراسي.
وكانت مديرة الصحة المدرسية في وزارة التربية بدمشق، هتون الطواشي، قد ذكرت في شهر تشرين الأول الفائت، أنهم يعملون على تأمين بخاخات مضادة للقمل لتوزيعها على مديريات التربية، مضيفة أنه تم تسجيل إصابات في مختلف المحافظات.
أطفال المدارس في الرقة
تحرص نورا على حلاقة رأس ابنها كل شهر، وتجديل شعر ابنتها قبل إرسالها إلى المدرسة، فالمعلمة أخبرتها بضرورة اتباع هذه الإجراءات الوقائية، كي لا ينتقل القمل إلى طفليها، نتيجة احتكاكهم بباقي الطلاب.
وتشهد المدرسة التي يتعلم فيها ولدا نورا انتشاراً للقمل بين صفوف التلاميذ، وفق ما قالت، حيث أخبرتها المعلمة أن القمل انتشر بشكل غير مسبوق، فتقول: "أتخذ الإجراءات الوقائية، وبالإضافة لها اشتريت مشطاً خاصاً للقمل، وشامبو خاص للمصابين بالقمل".
عدم الاهتمام بالنظافة الشخصية وبالتالي انتقال العدوى لباقي الطلاب هو أهم سبب لانتشار القمل كما تقول منار، وهي معلمة في مدرسة ابتدائية، وتنتقد إهمال بعض الأهالي الذين لا يعتنون بنظافة أولادهم، فتقول: "للأسف الكثير من الأهالي لم يعودوا يهتموا بأولادهم، يأتينا الكثير من الطلاب بثياب متسخة، وواضح أنهم لم يستحموا منذ فترة طويلة، لدينا مجموعات واتساب مع الأهالي نطالبهم بالاهتمام بنظافة أولادهم، ولكن قلة فقط يتجاوبون معنا".
وتؤكد بأنه لا وجود لنظام الصحة المدرسية في الرقة، ولكن هناك مستوصفات مجانية متاحة للجميع، توزع فيها أدوية بشكل مجاني.
وتقول المعلمة منار إن الفقر لا علاقة له بانتشار القمل، بل السبب في ذلك عدم الاهتمام، فمواد التنظيف متوفرة وبأسعار رخيصة والمياه موجودة ولا حجة للأهالي في عدم اهتمامهم بأبنائهم، وفق رأيها.
ويؤكد الصيدلي أحمد شهاب أنه لا يكاد يمر يوم إلا ويبيع الشامبو الخاص بالقمل في صيدليته، فيقول: "أغلب المصابين بالقمل هم طلاب مدارس، وهناك تفشٍ كبير ليس فقط في الرقة، أتواصل مع زملاء لي في دمشق، ويؤكدون وجود نفس الظاهرة لديهم".
ويرى الصيدلي: "أن سعر الشامبو والصابون الخاص بالقمل ليس مرتفعاً، حيث يتراوح بين 5 – 12 ألف ليرة سورية، "حوالي 1 – 2 دولار أميركي".
خجل وتكتم بريف حلب الشمالي
توتر وخجل أصاب أم تامر، وهي مقيمة في مدينة عفرين شمالي حلب، عندما اكتشفت وجود حشرة القمل في رأس طفلها البالغ من العمر ثماني سنوات، ومعظم من التقينا بهم خلال إعداد هذا التقرير، شمالي حلب، يعتبرون إصابة أحد أطفالهم بالقمل أمراً مخجلاً، ويجب التعامل معه بسرية تامة، كون المجتمع، غالباً، ما يربط الإصابة بهذه الحشرة بنظافة الأم ومدى اهتمامها بأطفالها.
عندما يتم رصد نسبة إصابة مرتفعة بالقمل أو أي مرض آخر في إحدى المدارس، تقوم إدارة المدرسة بإبلاغ مديرية التربية، بحسب ما ذكر محمد حسن مدير تربية عفرين، حيث قال: "نقوم بدورنا بمخاطبة مديرية الصحة لتوجيه المنظمات الإنسانية العاملة في المجال الصحي، غالبا ما تكون الإصابات أكثر في الصفوف التعليمية الأولى، وحالياً، هناك مشروع قيد الدراسة لهذا العام للوقاية من القمل بين مديرية التربية ومديرية الصحة".
انتشار القمل في المدارس ليس مشكلة جديدة، وهو "أمر حتمي"، بحسب ما يفيد المعلم محمد أبو حسين مدرس في منطقة عفرين، والذي يقول في حديثه لـ"روزنة": "القمل دائماً موجود، وفي كل عام دراسي ينتشر طفيلي القمل في المدارس، بسبب طبيعة اختلاط الأطفال ووجود أعداد كبيرة من الطلاب في صف واحد، ما يسهل انتقال العدوى، لكن تختلف النسبة من عام لآخر".
ويتأسف المعلم أبو حسين لعدم وجود إحصائيات، أو متابعة دقيقة لأعداد المصابين في المدارس، لكنه يرى أنه "خلال هذا العام والعام الماضي لاحظنا تفاقم المشكلة بشكل كبير، والأهالي دائماً يتجنبون الاعتراف بإصابة أطفالهم بالقمل".
"المعاناة مع القمل كبيرة، مع بداية كل عام دراسي"، تقول علياء، وهي مقيمة في مخيم عشوائي بريف حلب الشمالي، وصار لديها تخوف دائم من عدوى أطفالها لدرجة أنها كل فترة قصيرة تتفقد شعر أطفالها، فتقول: "في الصف يكون كل ثلاثة أو أربعة أطفال في مقعد واحد، وهي مشكلة لا يمكن للأهالي حلها، ما يعني حتى الوقاية غير ممكنة، نحن نعيش في وضع صعب، والمياه قليلة إضافة إلى صعوبة تسخين المياه للاستحمام، ومواد التنظيف أسعارها مرتفعة".
وكغيرها من المناطق السورية، فالطلب على علاجات القمل كبير في عفرين، بحسب ما يقول أبو وسيم، وهو صاحب محل لبيع المنظفات في المدينة، فيقول: "هناك أشخاص يشعرون بالإحراج عندما يسألون عن علاج للقمل، لذلك اضطررت لكتابة ورقة صغيرة على باب محلي، يتوفر لدينا خلطة لعلاج القمل"، علماً أنه نفى معرفته بمكونات تلك الخلطة التي وصفها بأنها "عبارة عن كيس صغير من البودرة، يتم استخدامها مع الماء الدافئ لمدة ساعتين على الرأس، كل يوم وسعرها مناسب نوعاً ما 20 ليرة تركية (دولار أمريكي تقريباً)، فهي أرخص من الشامبو الطبي".
يذكر أن سوريا شهدت مؤخراً تسجيل حالات عديدة من الإصابة بالجرب، والكوليرا وقبلها التهاب الكبد الوبائي، وجائحة كورونا، وهي أمراض بمجملها تنتشر بسبب الفقر والإهمال وقلة الاهتمام بالنظافة، في ظل تردي القطاع الصحي والانهيار الاقتصادي والخدمي في عموم سوريا.