"لا أجرؤ على التصريح بمهنتي": معاناة الصحفيين المستقلين في سوريا

تقارير | 3 05 2022

روزنة

على طاولة المقهى، نتبادل والأصدقاء النكات حول أسمائنا المستعارة، التي ننشر بها مقالاتنا وتقاريرنا الصحفية، البعض اختار اسماً غريباً، أحدهم اختار اسماً لا تستطيع تحديد جنسه لو كان رجلاً أم امرأة، أمّا أنا فاخترت اسماً أحبه أما الكنية فكانت اسم بطل رواية قرأتها مرة.


 للوهلة الأولى بدا الأمر مضحكاً إلا أننا أدركنا شيئاً فشيئاً كم يكلف أن نكون صحفيين مستقلين داخل أو خارج سوريا، يكلفنا التخلي عن هوياتنا مقابل ألا نخسر حيواتنا.

أسماء مستعارة لحماية الصحفيين

"لم أجرؤ يوماً على التصريح عن مهنتي، بخاصة للغرباء، واكتفيت بادعاء أني طالبة جامعية. ملامحي الطفولية ساعدت على تصديقهم ذلك، على الرغم من تخطي عمري الثلاثين" تقول كارمن كريم (الاسم المستعار للصحفية)، وعندما يسأل سائقو السيارات العمومية بحشريتهم المعتادة عن مهنتها، ترد بأنها طالبة جامعية، فهي تخشى السائقين.

يعمل العديد من الجنود أو المخبرين سائقي سيارات عمومية كعمل إضافي، لم يكن سهلاً عليها إخفاء حقيقتها، لكنها تعلم أن تكلفة عبارة "أعمل صحفية" كبيرة، فالسؤال التالي سيكون حتماً: "أين تعملين؟" ومن الخطر ذكر المواقع الخارجية والمعارضة للنظام التي تعمل معها.

بات في رصيد كارمن عشرات المقالات والتقارير والتحقيقات باسمها المستعار، أو من دون وضع اسمها عليها حتى، تقول: "أشعر في بعض الأحيان أن كل جهدي يذهب هباءً، لا أستطيع حتى كتابة اسمي على موادٍ وتحقيقات أخذت مني جهداً ووقتاً كبيراً".

 تتخذ كارمن إجراءات أمنية دقيقة لحماية حساباتها وعدم ترك أي أثر على حاسوبها المحمول لمقالاتها في حال تم اعتقالها، وبعد إرسالها المقال أو التحقيق تمسحه على الفور من حاسوبها، كل هذا يضعها في قلق دائم، تعاني على أثره من الأرق ونوبات الذعر.

اقرأ أيضاً: مداهمات واعتقالات عشوائية بحثاً عن صحفي انتقد النظام السوري

صحافة "ما بتوجع الرأس"

ليست هذه الصعوبات الوحيدة التي يواجهها الصحفيون المستقلون في سوريا، عدم الانتماء إلى  صحافة النظام تعني عدم حصولهم على بطاقة الصحفي التي تساعدهم خلال بحثهم وتنقلاتهم لإجراء لقاءات بشكل رسمي.

 لا يكفي في بعض الأحيان التعريف بنفسك كصحفي من دون ذكر الجهة وإشهار بطاقتك الصحفية، بخاصة في ظل التشديدات الأمنية على الحواجز الأمنية، إضافة إلى أن دخول بعض المناطق لإجراء مقابلات يحتاج إلى تصريح رسمي.
 
يقول حازم (اسم مستعار): "الصحفيون في الداخل مجبرون على تناول الأفكار بشكل سطحي لأنهم عاجزون عن الوصول إلى المصادر أو إجراء لقاءات مع المسؤولين".

والمشكلة أكبر بحسب حازم، أن كشف ملفات الفساد تهدد سلامة الصحفيين، وهو ما تعرض له بالفعل صحفيون محسوبون على النظام، إذ لاحق النظام السوري الصحفي كنان وقاف المحسوب على نظام الأسد بسبب كشفه ملفات فساد وانتقاده لبشار الأسد واليوم لا يعرف شيء عن كنان بعد هربه من الأمن السوري.

يضطر حازم بسبب القيود الكبيرة المفروضة على الصحافة بشكل عام والصحافة المستقلة بشكل خاص، يقول: "نعلم أن قصصنا أكبر من المادة التي نقدمها، هناك أسماء وملفات نعجز عن الوصول إليها، النظام السوري كصندوق مغلق في وجه من يريد كشف حقيقته".

أما بالنسبة لحلا (اسم مستعار) فهي تكتب باسمها الصريح، تقول: "أنا أكتب ما يسميها البعض، صحافة (ما بتوجع الراس) أي أنها تطرح المشكلات لكنها لا تغوص في الأسباب، لكن في الحقيقة لقد أتخمنا من نفس المواضيع والتي نساهم نحن أنفسنا بتقديمها، كانقطاع الكهرباء وغياب الخدمات وغلاء الأسعار، صار لدينا مئات التحقيقات والمقابلات عن ذلك"، كل هذا أدى إلى تقديم نوع متشابه من الصحافة إلى حد ما من الداخل السوري، وهو ليس ضعفاً في مقدرات هؤلاء الصحفيين بل إشارة إلى تضييق النظام عليهم وتراجع حرية الصحافة بشكل ملحوظ تحت حكم الأسد. 

قد يهمك: الأمن العسكري يلاحق كنان وقاف.. صحفيون مهددون بسبب فيسبوك!

مخاطر إضافية

اليوم ومع تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية الجديد بات الصحفيون المستقلون في مرمى النظام السوري، فالتعامل مع مواقع إعلامية أو سورية معارضة خارجية هي تهمة بحد ذاتها بغض النظر عن المحتوى الذي يقدمونه.

أغلب الصحفيون المستقلون يعملون مع هذه المواقع، وعدم وجود تصاريح للعمل هي مشكلة إضافية، لكن حتى لو حمى الصحفيون أنفسهم بأسماء مستعارة فالصعوبات لا تتوقف حين نصل إلى الشق المادي.

 ترفض بعض الجهات التي يعمل معها هؤلاء الصحفيون تحويل الأموال إلا عبر حسابات بنكية بأسمائهم، لكن لا طريقة للتحويلات البنكية من وإلى سوريا بسبب العقوبات الدولية وحتى استلام حوالات عن طريق مكاتب متخصصة كـ"الويسترن يونيون" فيه شبهة قد تورط الصحفي. 

سائقوا سيارات الأجرة العاملون على خط بيروت أو الأصدقاء القادمين من خارج البلاد لتمضية الإجازات هم الطريقة الوحيدة ليحصل الصحفيون على مستحقاتهم المادية، تقول كارمن أنها تستلم مستحقاتها من أحد المواقع عبر حساب بنكي تابع لقريبها في إيطاليا. 

لكن هذا لا يعني أن التحديات انتهت، فتصريف المستحقات من الدولار إلى الليرة السورية يعني الذهاب إلى السوق السوداء، وكان النظام أصدر قانوناً يمنع التعامل وفقاً لسعر السوق السوداء بعقوبة قد تصل إلى السجن سبع سنوات.      

أن تكون صحفياً مستقلاً في سوريا يعني تعرضك للخطر في كل حين، حيث يصبح حاسوبك الشخصي أداة إدانة ومقالاتك تهمة مباشرة، وما بين الوضع الاقتصادي المتدهور وحرية الصحافة المعدومة ينازع من بقي من الصحفيين في سوريا في محاولة لمواجهة النظام بكشف حقائقه.

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل الإجراءات الحكومية كافية لمنع تكرار أضرار ارتفاع منسوب الفرات؟

نعم
لا
لا أعرف
close icon